دليل ماسة
أكثر الروابط استخداما
باراك أوباما الثاني حسم أمره أمس. سيُقاتل الرئيس الأميركي سياسياً من أجل أفكاره الليبرالية. كرّر في خطاب القسم لازمة "نحن الشعب"، في رسالة مباشرة الى الاعتراض الجمهوري الذي واجهه في الكونغرس. في هذا الخطاب أبلغ أوباما العالم أن واشنطن، في عهده المتجدد، لن تنفرد في القيادة ولن تخوض الحروب في كل مكان، بل ستحلّ خلافاتها سلميا.
أمس كان أوباما خليطاً من الواعظ السياسي والناشط اليساري والمؤرخ الملتزم. صورته مع عائلته، كانت تكفي لإعادة تذكير الاميركيين بالتحوّل الجذري الذي صنعه بمجرد وصوله الى الحكم قبل أربع سنوات.
كل شيء كان تاريخياً: أول رئيس افريقي أميركي يؤدي اليمين الدستورية لولاية ثانية، وفعل ذلك بالقسم على انجيلين، الأول خاص بأبراهام لينكولن، الذي وضع حدّاً لنظام العبودية بعد حرب داخلية دامية (1861-1865)، والثاني انجيل خاص بمارتن لوثر كينغ، الذي صنع حركة الحقوق المدنية، وقاد السود الى حيث هم الآن.
وقف أوباما على المنصة في الجهة الغربية من مبنى "الكابيتول هيل" الذي يطل على الميدان القومي (ناشونال مول)، وعلى النصب التذكاري لكل من لينكولن وكينغ وجدد القسم الدستوري "أنا باراك حسين أوباما أقسم بأنني سأقوم بإخلاص بمهام منصب رئيس الولايات المتحدة بأفضل قدراتي، وسأحافظ وأحمي وأدافع عن دستور الولايات المتحدة"، لينضم الى عملة نادرة من 17 رئيس أميركي تمكن من نيل ولاية رئاسية ثانية.
تحدث أوباما عن فلسفة النظرة الجديدة الى دور الحكومة الفيدرالية في زمن العولمة، وقال في هذا السياق "معا اكتشفنا أن السوق الحرة تزدهر فقط عندما يكون هناك قواعد لضمان المنافسة واللعب النظيف. معا عقدنا العزم أن أمة عظيمة عليها رعاية المستضعفين وحماية شعبها من أسوأ مخاطر الحياة". قبل أن يتطرق الى التحديات التي واجهتها أميركا في السنوات الأخيرة قائلا "عقد من الحرب أشرف على نهايته والانتعاش الاقتصادي بدأ. إمكانيات أميركا لا حدود لها لأننا نملك كل الصفات التي يتطلبها هذا العالم بدون حدود: الشباب والحافز، التنوع والانفتاح، قدرة لا نهاية لها في المغامرة وموهبة إعادة الاختراع".
كما لمّح أوباما الى عناوين المعركة الرئاسية الأخيرة قائلا "نحن، الشعب، ندرك أن بلدنا لا يمكنه أن ينجح حين تُبلي أقلية متقلصة بلاء حسنا، وأكثرية متزايدة بالكاد تعيش. نعتقد أن ازدهار أميركا يتوقف على طبقة متوسطة متنامية". انتهى الرئيس الشاب من موضوع الطبقة المتوسطة، ليتناول قضية الرعاية الصحية قائلا "علينا أن نتخذ الخيارات الصعبة لتقليص تكلفة الرعاية الصحية وحجم عجزنا. لكن نرفض الاعتقاد أن على أميركا الاختيار بين الاهتمام بالجيل الذي بنى هذا البلد، والاستثمار في الجيل الذي سيبني مستقبله". كما سلط الضوء سريعا على مجمل قضايا الليبراليين، حقوق المثليين والمهاجرين وحق الانتخاب والتغير المناخي وقيادة أميركا في ملف الطاقة البديلة وحظر انتشار الاسلحة الفردية.
وفي تبسيط لمهمة شاقة في الولاية الثانية قال "سندافع عن شعبنا وندعم قيمنا من خلال قوة أسلحتنا وحكم القانون. سنظهر الشجاعة لنحاول ونحل سلميا اختلافاتنا مع بلدان أخرى، ليس لأننا ساذجون حول المخاطر التي نواجهها، بل لأن انخراطنا يمكنه أكثر ان يرفع الشك والخوف دائما".
ثم جدّد ملامح السياسة الأميركية الخارجية "ستبقى أميركا مؤيدة للتحالفات القوية في كل زاوية من العالم، وسنجدد تلك المؤسسات التي تمد قدرتنا على إدارة الأزمة في الخارج، لان لا أحد لديه رهان أكبر في عالم سلمي أكثر من أمة قوية".
ومع أنه أكد تخليه عن مفهوم "العسكرة"، غير أن أوباما جزم "سندعم الديموقراطية، من آسيا الى افريقيا، من الأميركيتين الى الشرق الاوسط، لأن مصالحنا وضميرنا يجبراننا على العمل، نيابة عن أولئك الذين يتوقون من أجل الحرية. وعلينا أن نكون مصدر أمل للفقراء والمرضى والمهمشين وضحايا الأحكام المسبقة ليس كمجرد صدقة، بل لأن السلام في وقتنا يتطلب التقدم المستمر لتلك المبادئ التي تصفها عقيدتنا المشتركة: التسامح والفرص، الكرامة الإنسانية والعدالة".
ولم ينسَ أوباما توجيه تحية الى مارتن لوثر كينغ ونضال حركة الحقوق المدنية، مستذكرا مسيرته الشهيرة في الميدان القومي حيث وقف الاميركيون "للاستماع الى واعظ يقول لا يمكننا السير وحدنا، للاستماع الى كينغ يعلن أن حريتنا الفردية مرتبطة ارتباطا لا ينفصم بحرية كل نفس على الأرض".
توقف الاشتباك السياسي مؤقتا أمس في واشنطن خلال احتفالات التداول السلمي للسلطة، الذي لم ينقطع يوماً في التاريخ الاميركي على الرغم من الحروب الداخلية ونظام العبودية والاغتيالات السياسية والحروب الخارجية. حرر أوباما الجمهوريين من معركة عدم التجديد الشعبي له، ورسم لهم طريق التسوية معه. كما وجّه رسائل متعدّدة خلال حفل التنصيب، يفيدهم فيها بأنه يدرك حجم تراكم النضالات قبله.
وفي تقاليد راسخة ترافق حفل التنصيب، تلت ميرلي ايفرز - وليامز الصلاة، وهي زوجة القائد في حركة الحقوق المدنية ميدغار ايفرز الذي خدم في الحرب العالمية الثانية قبل ان يعود الى ولاية ميسيسيبي وينشط مدنيا في مسيرة انتهت باغتياله في ذروة المواجهة السياسية حينها، وأوحى اغتياله بتظاهرات وأعمال فنية تخليدا لذكراه. وأدى الشاعر ريتشارد بلانكو القصيدة الشعرية التقليدية، وهو مهاجر كوبي شاب دائماً ما يكتب عن مثليته وابعاد الهوية الثقافية.
المصدر :
السفير/جو معكرون
اكتب تعليق
كل الحقول التي عليها علامة (*) مطلوبة