دليل ماسة
أكثر الروابط استخداما
تعود الحرب الباردة المستعرة بين روسيا من جهة والغرب من جهة ثانية، والتي تتخذ من الساحة السورية منطلقاً لها، لتحط رحالها في مجلس الأمن الدولي، وتؤسس إلى المزيد من التشنج بعد أن بات واضحاً لواشنطن أن أي حل للأزمة السورية لا بد له من أن يمر عبر بوابة موسكو التي تزداد تشدداً في محاصرة الحلول الدولية غير المستندة إلى مبادرة مبعوث الأمم المتحدة والجامعة العربية إلى سوريا كوفي أنان، وكل ذلك في ظل دعم روسي كامل للنظام السوري أكدته موسكو من خلال إعلانها عن إستمرار تسليم السلاح لحكومة سوريا التي تصفها بالشرعية.
وفي هذا السياق، ينقل المتصلون بكواليس مجلس الأمن عن المندوب الاميركي قوله أن المرحلة الراهنة مخصصة لتبادل الرسائل النارية، فلا دمشق كانت لتقوم بمناوراتها الأخيرة لولا موافقة روسيا ودعمها بالذخيرة والسلاح، وما كان النظام ليعتمد منطق العنف المفرط في الرد على المسلحين وإقتحام المدن والبلدات الخاضعة لسيطرتهم لولا الغطاء الروسي. وبالمقابل ما كانت المعارضة المسلحة لتوسع نطاق عملياتها وترفض كل أشكال الحوار مع الحكومة لو لم يكن ذلك مطلوباً من واشنطن والدول الغربية والعربية الدائرة في فلكها، ليستقر المشهد على كباش من نوع جديد ومتطور بين موسكو العائدة إلى الساحة الدولية بعد انكفاء، وواشنطن الغارقة في الرمال المتحركة في أكثر من بقعة توتر.
ويستعرض هؤلاء خريطة الربح والخسارة المحققة حتى الان بين الدولتين، فيعربون عن إعتقادهم بأن الميزان يميل راهناً صوب موسكو، خصوصا أن واشنطن الغارقة في أزمات إقتصادية ومالية تمنعها من تحقيق المزيد من التقدم على المستوى الخارجي، تدرك جيداً أن أي حرب عسكرية في المنطقة لن تكون في مصلحتها، ولا في مصلحة الرئيس باراك أوباما الذي بدأ منذ اشهر باعادة حساباته الإنتخابية غير المستقرة على ما تشير نتائج إستطلاعات الرأي، والتي تنذر بعواقب غير محمودة في حال وقوع أي خطأ استراتيجي أو تكتيكي. فالظاهر من النتائج المحققة حتى الان لا يبدو مشجعاً لواشنطن لشد العصب الخارجي، فتونس عادت إلى ما كانت عليه قبل ثورتها، ومصر تقف على كف "عفريت" حركة "الاخوان المسلمين" اذا ما جاز التعبير، وحسابات الربح والخسارة في ليبيا تميل لمصلحة الدول الاوروبية التي لعبت دور رأس الحربة في العمليات العسكرية التي أدت إلى اسقاط نظام العقيد الراحل معمر القذافي، والمشهد لا يختلف في اليمن التي أعادت تسويتها النظام السابق وإن كان باسماء وعناوين مختلفة.
في المقابل، تبدو الدفة في حالة رجحان لصالح موسكو والرئيس فلاديمير بوتين الخارج منتصراً من الانتخابات الرئاسية، ففي جردة سريعة يتبين أن روسيا وضعت اساساً متينا لها في الشرق الاوسط وفي المتوسط الحيوي للدول الاوروبية، بما يساعدها على تحقيق التوازن المطلوب في صراعها مع الغرب حول ما يعرف بالمياه الدافئة، فضلاً عن عودتها للعب دورها في مجلس الأمن عبر إستخدام حق النقض لأي من المشاريع التي طرحت لحل الأزمة السورية، ناهيك عن وقوفها طرفاً مستتراً في الصراع بين الدول الكبرى وايران في مشهد يؤكد عزمها على الوقوف في وجه واشنطن المنشغلة بانتخاباتها، بحيث يعتبر هؤلاء أن نتائج الإنتخابات الأميركية هي من سيحدد الاتجاهات وحجم التسويات، خصوصاً أن موسكو لا تبدو راغبة على الإطلاق بالخوض في تفاصيل أي تسوية أو صفقة الا بعد الانتخابات الاميركية التي تشكل بدورها فسحة جديدة أمام موسكو لحصد المزيد من المكاسب على الصعد كافة.
المصدر :
أنطوان الحايك - مقالات النشرة
اكتب تعليق
كل الحقول التي عليها علامة (*) مطلوبة