دليل ماسة
أكثر الروابط استخداما
يسود اعتقاد في دمشق بأن لا بديل عن مهمة الموفد الدولي كوفي أنان، وأن المعالجات تحتاج الى المزيد من الوقت، وربما تكون العاصمة السورية على موعد مع زيارات مكوكية لأنان وفريق عمله الذي وصل، أمس الى دمشق.
ويقول مسؤول سوري إن دمشق تعاطت مع الموفد الدولي بانفتاح "وهو قدّم إلينا مقترحات وكان ردنا عليها إيجابياً وموضوعياً، خاصة أنه قد سبق لسوريا ان اعلنت انها ملتزمة إنجاح مهمة أنان، بما يتناسب مع الخصوصية السورية، وهي ما زالت عند هذا الالتزام. وأن الرئيس بشار الأسد قد ابلغ الموفد الدولي ان سوريا ترحب بأية مبادرة تساعد على الحل في إطار تلك الخصوصية التي ترفض إملاء إرادة الآخرين على السوريين".
إذاً، "الكرة في في ملعب الآخرين" يؤكد المسؤول السوري، خاصة أن مهمة انان قد تعرضت لانتكاسة واضحة من خلال جهود العرقلة والتعطيل التي يبذلها اولئك الذين يصبون الزيت على نار الازمة، وتحديداً في قطر، من خلال استمرار الدعوات الى تسليح المجموعات المعارضة".
ولا يغيب عن بال أهل النظام التذكير بأن مهمة أنان "هي نتاج الانعطافة الكبرى في مسار الاحداث في سوريا، سواء على مستوى تمكن الجيش السوري النظامي من ضرب البنية التحتية القتالية لتلك المجموعات في حمص وإدلب وفرض السيطرة على المساحة الأوسع من الداخل السوري، او على مستوى التأييد الشعبي لنظام الرئيس الأسد، وهذا ما دلت عليه استطلاعات غير سورية بل تلك التي اجرتها دوائر غربية والتي حملت بعض الدول في الآونة الأخيرة الى توجيه "رسائل" غير معلنة، تنتقد فيها المعارضات السورية المسلحة وتدعو الى حل سياسي تحت سقف نظام الرئيس الأسد"، على حد تعبير المسؤول السوري.
وتشير مجريات الحدث السوري الى ان المسار السياسي منفصل كلياً عما يصفه المسؤول السوري "العلاج الأمني الموضعي للمجموعات المسلحة"، ومرد هذا الفصل، كما يقول، هو ان تلك المجموعات المنضوية تحت مسمى"الجيش السوري الحر" تشبه ما كان يسمى بـ"جيش لبنان الحر" الذي انشأته إسرائيل في الجنوب اللبناني بقيادة سعد حداد". ومن هنا فإنّ العلاج "مفصول عن أية مبادرات سياسية لحل الأزمة، لأنه لا مكان لتلك المجموعات في أي حل سياسي، كما لا إمكانية للتعايش معها تحت اي عنوان، ولا يمكن ولوج الحل السياسي إلا بالقضاء على تلك المجموعات الارهابية".
منذ بداية الأحداث، يقول المسؤول السوري، أكدت القيادة السورية على الحل السياسي الداخلي في إطار انخراط قوى المعارضة "الداخلية" في عملية الإصلاح والحوار، ولعل الانتخابات البرلمانية في السابع من أيار المقبل ستشكل اولى خطوات الترجمة الحقيقية لتلك العملية، وبالتالي لا حلّ مستورداً لسوريا من الخارج، هذا هو السقف السوري لحل الازمة، ولا يمكن تخطيه لاعتبارات سورية سياسية سيادية وطنية، ولاعتبارات متصلة بالمجتمع السوري ومكوناته السياسية والطائفية، بعيداً عن تلك المجموعات وما تقوم به من ارتكابات، وآخرها التفجيرات الإرهابية التي تطال المدنيين الآمنين، في دمشق وحلب.
تلك "الاعتبارات السورية" لمسها كوفي أنان شخصياً من الرئيس الأسد، وكذلك من المعارضة الداخلية "الاصلاحية" الرافضة للتدخل الخارجي والتسلح، وأيضا من العائلات الروحية السورية، والتي حرص أنان خلال وجوده في سوريا على لقائها والاستماع الى مقاربتها للحدث السوري.
وبحسب مواكبين لزيارة أنان فإن اللقاء الذي اجراه مع رجال الدين المسلمين والمسيحيين في سوريا، على مدى ساعتين، بتشجيع من الأسد، "كان مهماً جداً"، وخرج منه "متأثراً جداً". وأخذ مفتي سوريا أحمد حسون الكلام بداية، فاستهله مستشهداً بحادثة حصلت معه قبل سنوات، بطلها الأمين العام السابق للأمم المتحدة بطرس غالي وجرت وقائعها حينما قام غالي بزيارة دمشق وطلب الاجتماع به. وقال حسون: "لقد استقبلته وأخذنا نتداول في شؤون المنطقة وأحوالها، ولكن خلال الحديث بيني وبينه حان موعد الصلاة، فتوجهت إليه قائلاً "إنني أدعوك الى الصلاة معنا".
يضيف المفتي: عندما أنهيت كلامي، لاحظت أن ارتباكاً ظهر على وجه غالي، الذي سارع الى القول مستغرباً: ولكن.. أنا لست مسلماً.. بل أنا قبطي"، فسارعت الى التخفيف من إرباكه وقلت له: طبعاً أنا أعرف أنك قبطي، وأنا من جهتي لا ادعوك الى الإسلام، ألستَ مؤمناً بالله، اجابني بالتأكيد، فقلت له: أنا لست مخطئاً في دعوتك الى الصلاة معنا، ولا لإلزامك بأداء الصلاة الاسلامية، بل دعوتك لأنني أدرك كما انت تدرك، ان الجامع هو بيت الله وأن الكنيسة هي بيت الله، وبالتالي تستطيع ان تؤدي صلاتك في بيت الله بالطريقة التي تشاءها. وبالفعل انتقلنا معاً الى الجامع وأدينا الصلاة وجرى حوار بينه وبين المصلين، وحينما خرجنا توجه اليَّ قائلا: لقد تجاوز عمري الثمانين سنة، وها هي المرة الاولى التي ادخل فيها مسجداً للصلاة، ولم يحصل ان وُجهت لي دعوة مماثلة في بلدي الأم مصر".
وأكمل المفتي حسون قائلا لأنان: هذه هي سوريا، وهؤلاء هم ممثلو العائلة السورية الواحدة بطوائفها الإسلامية والمسيحية، وتستطيع ان تسمع منهم جميعا ما اذا كان هناك تضييق او مضايقة او تعد من أي نوع على أية ممارسة دينية او معتقد ديني، وهل مُنع رجل دين من القيام بواجباته كما يشاء. وهنا تعاقب على الكلام ممثلو الطوائف السورية، وبينهم البطريرك أغناطيوس الرابع هزيم، فيما كان فريق أنان يدون الملاحظات.
اما في الشق المتصل بالأزمة، فقد شرح أنان الغاية من مهمته وسعيه الى إيجاد حل يوقف نزف الدم في سوريا، مشدداً على ضرورة الحوار.
وعندما سأل أنان عن مسببات الأزمة، كان لافتاً لانتباهه تقاطع مداخلات الحاضرين على الحاجة الى إجراء إصلاحات باتت ضرورية للنظام، وعلى تحميل التدخلات الخارجية مسؤولية سفك دماء السوريين. وفي هذا السياق، توجه مفتي سوريا الى انان قائلا: لقد مر نحو عام على هذه الازمة التي تعانيها سوريا، وإنني شخصياً كنت عرضة لضغط كبير، فبعد اقل من ثلاثة اشهر على بداية هذه الاحداث جاء من يضغط عليَّ كي اعلن انشقاقي، وقدموا لي إغراءات هائلة كي اغادر سوريا، فكان جوابي لهؤلاء قدموا افكاركم لنناقشها واذا ما وجدتها مقنعة ولمصلحة سوريا والسوريين فإنني لن اتأخر ابداً عن اللحاق بكم لا بل سأكون في مقدمتكم. واذا ما قدمتم افكاركم المقنعة ورفضها الرئيس بشار الأسد فإنني سأكون معكم ايضاً، ولكن اذا قدمتم تلك الافكار ووافق عليها الرئيس الأسد فلماذا نخرب بلدنا".
وكشف المفتي انه بعد فترة وصلته تهديدات بالقتل اذا ما استمر على موقفه ودعمه للرئيس الأسد، وقد حاولوا تنفيذ تهديداتهم، إلا أنهم لم يتمكنوا مني، لكنهم اغتالوا ما هو أغلى، لقد قتلوا ابني الصغير، لقد كانوا يقصدونني شخصياً، ولو أنني استشهدت لكان أسهل عليَّ".
وقاطع انان حسون قائلا: و"لكنك صفحت عنهم"، فرد المفتي قائلاً: "صحيح، لقد صفحت عنهم لكي أدرأ الخطر وبأمل أن يعود هؤلاء الى رشدهم، ولكنهم هددوني ثانية وحاولوا اغتيالي مرة أخرى".
وختم المفتي حسون قائلا: "ما من احد إلا ويطالب بالاصلاح في سوريا، وهناك أخطاء كبرى حصلت ولا يمكن السكوت عنها، لكن التجربة معهم دلت أنهم لا يريدون إلا تدمير سوريا، فكيف يمكن ان نجاريهم... بعد كل الحقائق التي رأيناها والتي ربما أنت تراها ايضاً يا سعادة الأمين العام، هل تعتقد أن تلك المجموعات تريد إصلاحاً وتهدف الى مصلحة سوريا"؟
المصدر :
الماسة السورية
اكتب تعليق
كل الحقول التي عليها علامة (*) مطلوبة