دليل ماسة
أكثر الروابط استخداما
ينعقد قريبا المؤتمر القطري لحزب البعث في سورية وهو يتسم بأهمية كبيرة ، بسبب وقوعه من حيث التوقيت على مفصل حاسم حيث تخوض سورية بشعبها ودولتها مقاومة ضارية ضد الحرب العالمية التي تستهدف تدمير قوتها الإقليمية المقاومة ، وكسر إرادتها الاستقلالية وخيارها التحرري، و لكون المؤتمر سيشكل نقطة الانطلاق لعملية إصلاح وتجديد الدولة السورية التي أعلن عنها الرئيس بشار الأسد خلال خطابه الأخير ، وهي ستضع سورية على أبواب مرحلة جديدة من تاريخها.
أولا: إن الميراث الذي يختزنه حزب البعث في سورية كقوة سياسية شكلت أحد أهم روافد حركة التحرر العربية خلال العقود الماضية ، و هو يدعو إلى الاعتقاد بان نجاح هذا الحزب في تجديد فكره السياسي وفي التكيف مع المتغيرات التي أعد نفسه مبدئيا ، لمواجهتها في المؤتمر القطري السابق ، سيكون قوة دفع فكرية وثقافية وسياسية للعروبة وللفكر التحرري والتقدمي في البلاد العربية بشكل عام.
حزب البعث في سورية هو حزب فلسطين وحزب العمال والفلاحين ومقاومة الاستغلال وهو حزب التحرر الوطني ومقاومة الهيمنة الاستعمارية، وهذه المبادئ المؤسسة لتجربة البعث في سورية تشكل مرجعيات ثقافية يمكن البناء عليها في مجابهة التحديات الراهنة التي تتعرض لها الأمة العربية.
المهمة المركزية التي يواجهها البعثيون في سورية هي تجديد حزبهم وتأهيله للمرحلة المقبلة بحيث أن موقعه في الدولة ومؤسساتها الدستورية سيكون بعد الاستفتاء على الدستور الجديد محكوما بقدرته على خوض المنافسة وكسبها أمام التيارات والأحزاب السياسية الأخرى في المجتمع وهذا لا يمكن أن يتم تحقيقه إلا من خلال إفساح المجال واسعا أمام العناصر الشابة والجديدة والرموز والقيادات المحبوبة الصلبة في مبادئها والنزيهة في سلوكها العام والقادرة على انتزاع الثقة الشعبية في حصيلة التحامها بالجماهير ، وبالتالي فان استلهام الميراث النضالي ، الذي ميز تاريخ الحزب في سورية منذ تأسيسه هو الذي يشكل القاعدة السلوكية المناسبة لخدمة الأهداف والمبادئ الانتقالية والإستراتيجية التي تخدم مصلحة سورية وتنهض بقوتها وتحقق إحياء تاريخيا للفكرة العربية التحررية على الصعيد القومي.
إن تخلص حزب البعث في سورية من حالة الترهل والتكلس التي ورثها خلال العقود الماضية بنتيجة الركود الفكري والسياسي وبسبب سيادة النزعات الوصولية في بعض المواقع و شيوع الرتابة الفكرية والثقافية في التعامل مع الأحداث يمثل الخيار الجوهري لفكرة التجديد التي أطلقها الرئيس بشار الأسد.
ثانيا: ان الفرز الذي عاشه البعثيون أمام التحديات النضالية التي أثارتها الأزمة الراهنة في سورية أبرز وجود قوى حية جديرة بحمل المسؤولية في بنية هذا الحزب وفي تكوينه ووجود مناضلين من الشباب الذين اندفعوا في كل مكان يطلقون المبادرات الشعبية في الميادين والساحات ، وبقدر ما تكون نتائج المؤتمر القطري تعبيرا فكريا و تنظيميا ، عن هذه الحقائق وعن هذه التجربة القاسية والغنية ، فإن مؤتمر البعث يكون قد نجح في إنتاج ديناميكية جديدة تغني الحياة السياسية في سورية ، وتطلق المنافسة على أساس البرامج والخيارات وتنهض بالعلاقة بين حزب البعث وبين الجماهير العريضة في المجتمع السوري على أساس الخيار الوطني المقاوم والتحرري و فكرة العدالة الاجتماعية التي ميزت شعارات البعث على الرغم من جميع الأعراض والتشوهات التي لحقت بتركيبته بفعل تفشي البيروقراطية ، في الأداء الحزبي خلال العقود الماضية ، وهي الأرضية التي نمت عليها النزعات المحافظة في وجه التغيير واحتضنت حالة الترهل والتبلد والعجز عن التقاط نبض الشارع ومشكلاته في العديد من المواقع الحزبية المهمة كما بينت الأحداث الأخيرة.
ثالثا: تشكل عملية الانتقال من تحصن الحزب بمواقعه الحاسمة في السلطة بقوة الدستور والقوانين الانتخابية إلى إلزامية المنافسة على كسب التأييد الشعبي ، الفرصة الأهم التي يواجه البعثيون التكيف معها والاستعداد لها بالحيوية الفكرية والسياسية والنضالية ، التي تطلق موجات واسعة من النقاش الفكري والسياسي الهام، تحتاج إليه جميع القوى التحررية والتقدمية في البلاد العربية بسائر مكوناتها العقائدية ونجاح البعثيين في الاختبار سيمثل تطورا حاسما ونموذجا جديدا في الحياة الحزبية العربية.
أما على المستوى الفكري فان ما أظهرته الأزمة من أعراض في المجتمع السوري مكنت الحلف الاستعماري الغربي الصهيوني من تفعيل خطته لتدمير القوة السورية وتجنيد قطاعات مهمشة في المجتمع لاستعمالها وتحريكها في إطار العصابات المسلحة ومن خلال التحريض الطائفي والسياسي الحاضن لعمليات القتل والإرهاب ولتيارات التكفير ، يشكل بذاته البرهان على حاجة الحزب لممارسة أقسى أنماط النقد الذاتي و أشدها جرأة و جسارة.
تفترض مواجهة هذا التحدي، وضع خطة وطنية شاملة يجب إطلاقها من المؤتمر القطري بفعل ما يمثله حزب البعث من وزن كبير في الحياة السياسية وفي المجتمع السوري وهي تتحرك على مجموعة من المحاور:
1 – المحور الفكري المتمثل بالتأكيد على هوية الشعب العربي السوري وموقعه الطليعي المتقدم في الأمة العربية واحتضانه للفكرة القومية وللعروبة المناضلة والتحررية وعلى هوية الدولة الوطنية السورية في مجابهة جميع نزعات وعصبيات الانقسام الطائفي والمذهبي وهذا ما عبر عنه الشعب السوري في مقاومته للحرب العالمية حتى الآن وعبرته عنه بقوة الجماهير التي طافت بها ساحات سورية ومواقف القيادات والمرجعيات الروحية والاجتماعية في سورية.
2 – في المضمون الاقتصادي الاجتماعي يواجه البعثيون تحدي إحياء فكرة العدالة الاجتماعية في سورية من خلال تبنيهم في المؤتمر القطري للبرامج الأشد جذرية في التعامل مع مشاكل الفقر والتهميش التي استفاد منها المخطط المعادي وهذا ما يقتضي مراجعة العديد من التوجهات الاقتصادية الليبرالية والانفتاحية التي أضرت بالريف وعرقلت تنميته وضاعفت من حجم الفئات المهمشة في المجتمع.
3- لقد شكلت التوجهات التي طرحها الرئيس بشار الأسد في خطابه الأخير حول السياسات الاقتصادية عناوين يفترض بالمؤتمر القطري أن يعمل على تحويلها إلى خطط وطنية يناضل البعثيون لتطويرها ولشرحها وللعمل على تحويلها إلى سياسات عامة للدولة الوطنية السورية.
4 – إن رد الاعتبار لفكرة تحرير فلسطين في ثقافة البعث والفصل بين هذا البعد العقائدي وبين الخطاب الدبلوماسي الرسمي للدولة السورية الذي حكمته في العقود الماضية المعادلات والتوازنات والتبني الرسمي من قبل الحزب لثقافة المقاومة التي شكلت جوهر السياسة السورية في الصراع العربي الإسرائيلي ، سيكون تحولا مهما في بنية الحزب وتكوينه وفي ديناميكية دوره السياسي العربي كقوة مقاومة وفتية على الصعيد القومي ففكرة البعث المقاوم هي التي يجب أن تتقدم لترتقي بأداء البعثيين ودورهم إلى مستوى الإستراتيجية التي صاغها ومارسها الرئيس بشار الأسد ، خصوصا وان نهوض سورية وانتصارها على الحرب العالمية سوف يؤسس لمرحلة جديدة من الصراع مع العدو التاريخي للأمة العربية.
إن فكرة تماهي الثقافة الحزبية مع السياسة الرسمية للدولة يجب أن تتراجع ، لصالح احتفاظ الحزب بالموقع الأكثر تقدما وجذرية من حيث برنامجه وخطابه السياسي والتعبوي وحركته في المجتمع السوري، و هذا ما يفترض بالمؤتمر القطري إطلاقه وتدشين مرحلة جديدة من الممارسة السياسية على أساسه ليكون البعث هو قوة الدفع التقدمية والمتحركة لتطوير المواقف والسياسات السورية في الشأنين القومي والاجتماعي.
ليس المؤتمر القطري القادم لحزب البعث في سورية حدثا عاديا وسوف يترتب عليه اختبار القدرة على مغادرة العقلية المكتبية في العمل الحزبي لصالح العودة إلى الجذور وما ينتظره جميع المناضلين في حركة التحرر العربية وفي قوى المقاومة ويعولون عليه هو بالذات أن ينجح حزب البعث في هذا الاختبار وان يقدم نموذجا جديدا على جبهتي دوره القومي والوطني و في اختبار المنافسة الديمقراطية التعددية بالنظر إلى وزنه الجماهيري النوعي في الحياة الوطنية السورية و في تاريخ الأمة العربية و كفاحها المعاصر.
المصدر :
الماسة السورية
اكتب تعليق
كل الحقول التي عليها علامة (*) مطلوبة