دليل ماسة
أكثر الروابط استخداما
شكلت مشاركة الباحث الجامعي طيب تيزيني في اللقاء التشاوري إحدى أهم مفاجآت ذلك اليوم في سورية، نتيجة خروج تيزيني عن إجماع المعارضين على عدم المشاركة.
الرجل، كما يقول، لا يرفض حواراً، لكنه أيضا لن يشارك في أي حوار مع السلطة في المستقبل «قبل تحقيق ما تم الاتفاق عليه في الحوار السابق».
تشعر بأصابعه تتنفس، يعقلن طيب تيزيني الفلسفة... فكيف السياسة! أحسب أنت السنوات من 1934 إلى 2011؛ فهو لن يعدها لك إذا ما سألته عن سنه، سيستهلك هذا الأمر وقته: لك هي مجرد سبعة وسبعين عاماً، له هي انتقال من حمص مكان الولادة إلى تركيا حيث أنهى دراسته الأولية، فبريطانيا حيث الدراسة الثانوية، ثم ألمانيا لنيل شهادة دكتوراه أولى في الفلسفة، وشهادة دكتوراه ثانية في العلوم الفلسفية. وهذه السنوات هي أيضا عبارة عن ثلاثين جيلاً مروا عليه في جامعة دمشق. وهي ـــ السنوات دائماً ـــ أيضا نحو عشرين كتاباً، ونشاط مستمر في الدفاع عن حقوق الإنسان السوري، وإيمانه بهذه القضية بات أكثر علانية يوماً، وحتى بعد انتهائه من تأسيس المنظمة السورية لحقوق الإنسان عام 2004، التي أطلق عليها اسم «سواسية».
ينشط هذا الرجل على موقع التواصل الاجتماعي (فيسبوك) ويرفض في الوقت نفسه اقتناء هاتف خليوي: ليس للأمر علاقة بالذبذبات وإنما بالرغبة في السيطرة على المواعيد و«العلاقات الطبيعية مع الناس». وستجده حين يريد هو في منزله، سواء في حمص أو دمشق: أنت وحظك.
أنا، يقول طيب تيزيني رداً على سبب قبوله المشاركة في اللقاء التشاوري، لا أضيع مناسبة جديرة بالاهتمام و«لا أنطلق من أن أي نظام يمثل كتلة صماء». أضع كل الاحتمالات، من دون توقف مسبق عند نوايا محاوري. أنا، يتابع تيزيني، أطمح الى تقديم آرائي، وكنت متشوقاً لمجالسة هؤلاء السوريين. ولاحظت وجود أطراف لها رأي إيجابي وتسعى بجدية إلى تغيير جذري.
في اللقاء التشاوري، الذي عقد في دمشق قبل أسبوعين تقريبا، رفض المتحاورون اقتراحا قدمه تيزيني «هدية لشباب سورية»، يتمثل في إصدار قرار يمنع أي مواطن سوري إطلاق رصاصة على أي مواطن سوري آخر أياً كان السبب. وإيجابيات اللقاء تكاد تقتصر بالنسبة لتيزيني على تمكين السوريين من الاستماع والاطلاع على عدة وجهات نظر. وهو إذا لم تنفذ توصيات ذلك اللقاء لن يشارك في أي لقاء يعقد في المستقبل.
الرجل واضح. بالنسبة إليه هناك «أزمة بنيوية تلف كل ما هو موجود في سورية، وليس مجرد قطاعات كالقطاع السياسي أو الاقتصادي أو الثقافي». يعني الرجل ما يقوله عندما يشير إلى أن «الأزمة شاملة». ستشعر أمامه بكل مشاعره ترددها. و«هي استعصت على الجميع، النظام السياسي والمعارضة». يأس؟ ربما. فبرأيه هناك غياب للمجتمع السياسي، أو للقوى الفاعلة كالأحزاب الوطنية المستقلة والأخرى التي في الجبهة الوطنية التقدمية، وللإعلام الوطني وللحد الأدنى من الحراك السياسي في البلد. والسؤال الرئيسي برأيه اليوم هو: «ما المرحلة الانتقالية التي يحتاج إليها السوريون من أجل الشروع في معالجة الأزمة؟».
وبرأيه أيضا فإن المرحلة الانتقالية تبدأ بتحقيق حد أدنى أساسي من الإصلاحات تنتهي مرحلياً بتنظيم انتخابات برلمانية حرة. وبرأيه فإن إيقاف النار ليس عملية سهلة، بسبب وجود من يتمترس خلف النار لعدم بلوغ الحل المتوازن. من هو هذا الـ«من»؟ إنه طرف لا يمكن تحديده إلا عبر قرار من القيادة. فالشهداء يذهبون برخص ولا بد من كشف قاتليهم ومحاكمتهم.
لاحقاً ستكون الأولوية لبناء مجتمع سياسي، يدير الملفات الأخرى الاقتصادية والأمنية والاجتماعية والصحية والتربوية والحزبية والاعلامية. وتفيد الفلسفة قليلاً: «حين نطالب بالإصلاح، لا نحدد بالضبط ومسبقاً ملامحه التاريخية، فهذا يأتي في سياق الفعل نفسه».
من هنا يعتبر تيزيني أنه لا يكفي السماح للمواطنين بأن يقولوا «نعم» أو «لا» بشكل حر، مشدداً على ضرورة «إعادة البنية التي أنشئت بصيغة غير دستورية، كي يأخذ الواقع الجديد مساره الطبيعي. فإذا أنشئ الفعل الجديد على بنية سابقة فإن الوضع الجديد سيبتلع مجدداً. وسيكتشف السابقون بشكل أو بآخر آليات جديدة يبتعلون بها ما تكون من وضعية دستورية».
يقول طيب تيزيني إن هناك خطأ سياسيا قاتلا وهو الانطلاق من أن فريقاً دون آخر هو مسؤول عن مجتمعه وعن وطنه وعن مرحلة تاريخية ما.
والواضح أن لديه مخاوف كبيرة في هذا السياق، فهو يرى أن «ما يحصل اليوم هو أن ذاك الفريق لا يخشى من هذا الخطأ السياسي ولا يؤسس لمجتمع سياسي، وهو ليس حجر الزاوية في بناء الدولة السورية...». ويضيف: «ما يحصل اليوم يؤسس لفوضى يمكن أن تحدث شرخا عميقا في أوساط الناس والمجتمع ككل».
يزداد الصوت الهادئ هدوءاً، فالجدية الآن هي من يتكلم: «نطالب ونتمنى أن يأخذوا بعين الاعتبار أننا نختلف على بلدنا المشترك. وأن الوصول إلى شاطئ الآمان مستحيل من دون المرور بحلقة وسطية فيها بعض التنازلات من الطرفين لإنقاذ البلد. العقد الاجتماعي يجب أن يكون واضحاً في كونه حالة من العلاقات والتوازنات والصراعات، أي بوصفه عقداً يأتي نتيجة صراعات اجتماعية وطبقية وسياسية وثقافية، وليس تواضعاً بين مواطنين تنادوا للجلوس والاتفاق على شيء».
«..وأنا»، يتابع تيزيني، «لا أكتفي بالتفرج، بل أحاور يومياً العشرات من كل الأطراف والأحزاب والاتجاهات، وأسعى إلى لملمة هذه الأطراف للوصول إلى اتفاق على آليات للاقتراب من الآخر».
المصدر :
الماسة السورية
اكتب تعليق
كل الحقول التي عليها علامة (*) مطلوبة