دليل ماسة
أكثر الروابط استخداما
لم تكد العاصفة حول تحريف المذيع والمراسل في «أن بي سي» براين وليامز لتقارير عن غزو العراق تهدأ، حتى دخلت الشبكة الأميركيّة في نفق مظلم آخر، يرتبط بمصداقيّتها المتهالكة. ففي وقت كان فريق من «نيويورك تايمز» يعمل منذ شهر على مقاطعة معلومات حول حقيقة اختطاف مراسل «أن بي سي» ريتشارد إنغل وفريقه في سوريا العام 2012، تنبّه إنغل إلى خطأ وقع فيه حينها. وقبل أن تنشر الصحيفة تقريرها، سارع إلى تصحيح موقفه على موقع الشبكة، قائلاً إنّه «وقع في فخّ خاطفيه» الذين أوحوا له أنّهم «مجموعة تابعة للنظام السوري»، ليتبيّن له، وبعد ثلاث سنوات، أنّهم في الحقيقة «مقاتلون سنّة» (بحسب تعبيره).
تدارك إنغل (أو على الأقلّ حاول) فضيحة كان بالإمكان أن تودي بحياته المهنيّة، كما حصل مع زميله وليامز الذي عُلِّقت مهامه إلى أجل مسمّى. لكنّ اعتراف إنغل بأنّه كان ضحيّة خديعة، لم تنقذه من الأقلام الصحافيّة المشكّكة في بلاده، وفي مقدّمهم الصحافي غلن غرينوالد الذي كتب معلّقاً على الملفّ في مجلّة «ذا انترسبت»: «ربما يكون إنغل ذهب ضحيّة خدعة مُحكمة، بالرغم من أنّه صحافي متمرّس، ويتكلّم العربيّة بطلاقة».
بالرغم من محاولة «أن بي سي» الخروج بأقلّ خسائر ممكنة من القضيّة، نشرت «نيويورك تايمز» تقريراً أشارت فيه إلى أنّ «اعترافات» إنغل جاءت ردّاً على أسئلة من فريق صحافييها. واستعادت الصحيفة تفاصيل عمليّة الخطف التي استمرّت لخمسة أيّام، في ريف إدلب، بعد دخول فريق الشبكة بطريقة غير شرعيّة إلى البلاد. يومها، خرج إنغل ليخبر مشاهديه، بأنّه خطف وعذب على يد مجموعة أطلق عليها لقب «الشبّيحة» (وهي الصيغة الإعلاميّة التي كانت دارجة حينها لوصف القوّات الحكوميّة السوريّة أو من يواليها). وخلال بحثهم، تبيّن لفريق الصحيفة أنّ «خاطفي فريق إنغل هم على الأرجح عصابة مرتبطة بما يعرف بالجيش السوري الحرّ المعارض للأسد، تعرف باسم «لواء صقور شمال ادلب»، وكان يقودها في ذلك الوقت عزو قصاب و «شكري عجوج». وأوضحت «نيويورك تايمز» أنَّ «عمليّة الخطف انتهت عندما قامت جماعة متمرّدة أخرى هي «أحرار الشام» بتحرير إنغل وفريقه». اتصلت الصحيفة بـ «أن بي سي» وأبلغتها بتلك المعلومات، ما دفع بالشبكة إلى إصدار بيان بعنوان «مراجعة»، تضمّن اتهاماً للمعارضة بـ «خداع إنغل».
أوضحت الصحيفة الأميركيَّة في تقريرها عن خطف إنغل، أن المعلومات التي توصلت إليها جاءت عن طريق موظّفين سابقين في شبكة «أن بي سي»، وأشخاص شاركوا في عمليّة البحث عن المخطوفين، كانوا قد أبلغوا مدراء في الشبكة «عن دور كل من قصاب وعجوج المحتمل في عملية الخطف». إلا أنّ إنغل ألقى حينذاك باللوم على «الشيعة» في عمليّة الخطف، في تصريح على الهواء مباشرة. كما أشار في عدّة مقابلات صحافيّة، بحسب «ذا إنترسبت»، أنّ خاطفيه «يتدرّبون على يد الحرس الثوري الإيراني، وهم حلفاء «حزب الله». ذلك كلّه تراجع عنه إنغل، مصرّاً على تثبيت روايته بأنّه مخدوع، ولم يتعمّد التضليل.
تعليقاً على الملفّ، كتب الصحافي غلن غرينوالد أنّ فضيحة إنغل، لو كتب لـ «نيويورك تايمز» استكمالها، كانت لتكون هزّة أقوى بكثير من قضيّة براين وليامز. «إذ أنّ نقل معلومات خاطئة، أكثر من مرّة، عن خطف صحافيين أجانب، أمر أخطر بكثير من كلام صحافي تخيّل أنّه رامبو»، بحسب تعبيره.
تفاعلت وسائل الإعلام الأميركيّة بشكل واسع مع «خديعة إنغل»، ويقول مراقبون إنّ «أن بي سي» باتت الآن أمام مسؤولية «مراجعة أوسع»، ليس فقط لهذه القضية، وإنما لجميع الأخبار التي نقلتها عن سوريا، وغيرها من الدول العربيّة، خصوصاً وأنها أحد أهم مصادر صناعة الخبر أميركياً. وإذا كانت الشبكة تجهل فعلاً من خطف طاقمها، فكم من الأخبار سوقتها للرأي العام، كانت فيها ضحيّة «للخداع»، إن لم نقل شريكة فيه؟
المصدر :
نينار الخطيب / السفير
اكتب تعليق
كل الحقول التي عليها علامة (*) مطلوبة