دليل ماسة
أكثر الروابط استخداما
لسنا بوارد البحث بما يحصل في أروقة المحكمة الدولية في لاهاي، ولتأخذ العدالة مجراها، على أمل أن تتوصَّل هذه المحكمة الى حقيقة "الحقيقة"، لا أن تكون موجَّهة ببوصلة دولية نحو اتجاهٍ واحدٍ مُقرَّر سلفاً، ولا أن تكون أحكامها جاهزة خلف كواليس مسرحيةٍ كلّفت دافع الضرائب اللبناني ملايين الدولارات وسوف تكلِّفه الكثير، لمعرفة "الحقيقة" التي على هوى البعض، وإرضاءً للراقصين على الأضرحة ممَّن يدَّعون أنهم أولياء الدَّم أكثر من عائلة الشهيد نفسها، وسيدرك الرئيس سعد الحريري ولو متأخراً، أن أثقل ورثَةٍ تركها الرئيس الشهيد رفيق الحريري لعائلته هي هذه الفرقة من الراقصين.
ولسنا بوارد التعليق على القرائن والأدلة التي جعلت المحكمة تُحجم عن قراءة الأعوام الأخيرة من حياة الرئيس الشهيد كسياسيٍ بارز، حين كان الرجُل يُمارس عبر المنابر الدولية بعد انتصار العام 2000، مهام وزير خارجية سوريا ورأس حربة المُقاومة، في دفاعه عن دورهما المشرِّف في تحقيق النصر، ولسنا نسأل عن انتفاء احتمال ارتكاب الجريمة من قبل المتطرِّفين الثلاثة عشر، وأن تكون نيَّة إغتيال شخصية بمستوى الرئيس الحريري تهدف الى إشعالٍ مُبكِر لما سُمِّي لاحقاً بالربيع العربي، إضافة الى تجاهل من فبركوا شهود الزور وتورَّطوا في قضية الضباط الأربعة.
أيضاً من حقّ هذه المحكمة تجاهل قراءة الحملة الشرسة التي قامت على الرئيس الشهيد خلال العامين 2003 و2004، كرجُلِ أعمالٍ بارز ولديه استثمارات واسعة في الخليج، وكانت حملة منظَّمة من قِبَل مستثمرين كبار، اعتبروه منافساً لهم في عقر دارهم، وأعلنوا اعتراضهم لدى مرجعيات عُليا في بلدانهم على "احتكار" مؤسسات الحريري لكافة التعهدات الحكومية، وطالبوا جهاراً بتوقيف مؤسساته عن العمل على أراضيها.
لا نرغب الخوض في مزيدٍ من الإستنتاج والفرضيات كسوانا، ونترك بالنتيجة لقُضاة المحكمة الدولية وهم رجال قانونٍ كبار نحترم قاماتهم وعلمهم، القيام بما يُمليه عليهم الضمير والقَسَم الذي أدّوه أمام قوس العدالة، ونُطالب بالحقيقة كما هي، لأن قُضاة المحكمة الدولية سيقفون يوماً أمام محكمة التاريخ ونتمنى لهم وقفة شامخة إن أفلحوا في تبيان جريمة دمَّرت وطناً.
سلّم الرئيس سعد الحريري الأمانة، وحقّق حلم المحكمة الدولية، وبانتظار أن تصل الأمور الى خواتيمها سواء بعد أشهرٍ أو سنوات، لا يستطيع الرئيس الحريري الإنتظار على أبوابها، ولا بدّ له أن يعود الى وطنه وشعبه، والى شعبيته التي شرذمتها الظروف الداخلية والإقليمية في غيابه، وليعرف الحقيقة الثانية ويكتشف، أن جريمة سياسية أخرى قد ارتكبت بحقِّه نتيجة الأداء الهزيل لمن يُفترض بهم حراسة الأمانة السياسية والشعبية، وسيدرك بنفسه أنه كان مُحاطاً بزُمرة منتفعين، وصلت أصداء اعتراضاتهم على قرار "معلِّمهم" الى لاهاي، عندما تململ بعضٌ من فريقه وبعضٌ من حلفائه، من موقفه المفاجىء القاضي بمشاركة حزب الله في الحكومة كحزبٍ سياسيٍ لبناني.
بصرف النظر عن التبدُّل في موقف الرئيس الحريري، الذي فرضته التحوّلات الإقليمية نتيجة ضغوط دولية مرتبطة بالتسوية في سوريا على أعتاب جنيف 2، لأن الظروف التي سمحت فجأة بتشكيل الحكومة اللبنانية، هي نفسها التي أملت على الرئيس الحريري قرار المشاركة، في ما يبدو أن حقبة حُكمِ الصقور في المملكة السعودية قد بدأت بالأفول، وأن بداية بشائرها كانت عزم الأمر بندر على حزمِ حقائبه للسفر الى الولايات المتحدة بداعي المرض والإقامة التي ستكون طويلة، وأن الملفَّين السوري واللبناني قد نُقلا الى أيدي المعتدلين الذين كانوا يؤدون الدور الوفاقي المعتدل الذي كانت تمارسه المملكة سابقاً.
إن عودة الرئيس سعد الحريري الى أرض الوطن ولو لم تكن عبر مطار دمشق، فهي باتت ضرورية أكثر من أي وقتٍ مضى، وسيجِد نفسه أمام محكمة داخلية من نوعٍ آخر، وأن قفص الإتهام سيكون حاشداً بقادة 14 آذار، والقضاة هم القواعد الشعبية لهذا الفريق، وما على الرئيس الحريري سوى توزيع التُّهَم بالعدل إذا كان يرغب باستعادة شعبيته وشارعه، على الأقل في المناطق السنّية.
لا أحد في لبنان يُطالب الرئيس سعد الحريري بمحكمة دولية من خمس نجوم، لكشف جرائم قتل ضبَّاط وأفراد الجيش اللبناني، ولا شهداء الأعمال الإرهابية في صيدا وطرابلس وعرسال والضاحية وسواها من المناطق التي ارتوت أرضها دماءً بريئة، ولكن إذا كان الدَّمُ الغالي قد هُدِر رخيصاً، فكيف يتوقَّف نزف الحقد غير المبرَّر على الوطن وشعبه وجيشه؟
الى متى تبقى عرسال وأهلها رهائن رئيس بلدية متطيِّر يحفر لعرسال في وسط محيطها الشيعي قبوراً جماعية مستقبلية لا سمح الله، نتيجة تهوِّره و"تحجّره" وإصراره على توجيه التهم لحزب الله والإصرار على أن الحزب يقصف عرسال، والى متى ستبقى عرسال محطة تموينٍ للإرهاب ومحطة "ترانزيت" للداخلين والخارجين بأسلحتهم وعتادهم وأخيراً وليس آخراً مخيماً للنازحين؟
الى متى تبقى طرابلس عاصية على توجُّهات وثقافة أهلها وعصيَّة على الأمن الرسمي، والى متى ستبقى مفاتيحها بأيدي زعماء الأزقَّة، والى متى ستبقى "ملائكة الأسير" حاضرة في محيط صيدا والجوار وسط طوق القنابل الموقوتة الذي يلفّها من جهة عين الحلوة، بل الى متى تجاهُل الوضع الفلسطيني الذي قد ينفجر بأية لحظة نتيجة توقُّف الأونروا عن القيام بواجبها ومطالبة سكان المخيمات بأراضٍ إضافية نتيجة الإنفجار السكّاني داخلها؟
من موقعه كوريثٍ لإعتدال الرئيس الشهيد، على الشيخ سعد مسؤوليات أكبر مما يتصوَّر، ليس لإستعادة موقعه على الساحة السياسية، بل لإستعادة الشوارع اللبنانية في "مناطقه" من قبضة أبناء الشوارع، رحمة بالناس، كل الناس، ورأفة بالوطن، كل الوطن، لأن المسألة السورية رُحِّلت الى جنيف، والمسألة اللبنانية ما زالت في "الحاضنة" تنتظر الخلاص من مسلسل إنتحار وطن...
المصدر :
الماسة السورية
اكتب تعليق
كل الحقول التي عليها علامة (*) مطلوبة