دليل ماسة
أكثر الروابط استخداما
هذا "الويك اند" كان سفير اوروبي يتناول الغداء في احد مطاعم اهدن. سأل ضاحكاً «كم تبعد السماء من هنا؟»، قبل ان يضيف ضاحكا ايضا ان لدى المجموعات السلفية طريقا اقصر بكثير، ولكن ليمتقع وجهه سريعا وهو يقول «يبدو من خلال قراءاتي ومشاهداتي ان تأشيرة الدخول الى الجنة هي جثة»، ثم يضيف «لا اعتقد ان النص الديني يقول بذلك، ولكن ماذا تعني النصوص للذين يمشون فوق الجثث اويلهتمونها؟».
كان السفير يتأمل في زبائن المطعم البعيد كلياً عن الثقافات المغلقة او عن الادمغة المغلقة. الزبائن من كل الانواع والاجناس (باعتبار ان لبنان اصبح انواعاً واجناساً)، وهذا ما يتبين من ملابس السيدات والفتيات بوجه خاص.قال انه لا يستطيع ان يرى لبنان الا في هذا المشهد. مزيج بشري راق وخلاق ويعرف كيف يبتسم، ويعرف كيف يجمع بين ثقافة العتابا والميجانا وثقافة الروك اندرول، وان كان يستدرك سريعا ليلاحظ ان المعادلات تغيرت كثيراً، اذا كيف لمايا دياب ان تتعايش مثلاً مع احمد الاسير…
كان السفير يتابع احداث مصر من خلال احد مساعديه الذي كان على طاولة اخرى بعيدة نسبيا، وكان بين الفينة والاخرى يتقدم ليهمس في اذن السفير الذي كانت تبدو على وجهه علامات الحبور، قبل ان يقول للذين يجلسون الى طاولته، وبينهم وزير سابق واعلاميان، ان مصر لا سوريا هي التي تستقطب الاهتمام الدولي الآن، فمما لا ريب فيه ان « الاخوان المسلمين» الذين اعدوا العدة للاستيلاء على السلطة ليس في مصر فحسب وانما في كل الدول العربية، سقطوا بل وتحطموا من الاختبار الاول..لكن السفير لم يلبث ان تخلى عن حبوره ليقول «ان هؤلاء لن يقبلوا الا ان يحطموا الآخرين. في نهاية المطاف ان مصر هي التي ستتحطم. وهذا يعني النهاية الكارثية لتلك القارة التي تدعى العالم العربي».
واذا كنا في مقالة سابقة من القاهرة قد قلنا ان تفكيك الازمات في مصر قد يكون اكثر تعقيداً، او استحالة، من تفكيك الاهرامات، فهو يقول ان معمر القذافي كان مجنوناً، او حتى معتوهاً، في كل تصرفاته وخياراته السياسية والاستراتيجية، لكنه كان «رجلاً رؤيوياً» حين دعا الى الوحدة او الاتحاد بين بلاده ومصر، فخلال عام من حكم «الاخوان المسلمين» تحولت المفاوضات مع صندوق النقد الدولي حول قرض بقيمة 4.8 مليارات دولار لا غير الى مهزلة، فيما لم يفتح العرب صناديقهم بفوائضها الهائلة، الا بصورة محدودة للغاية ومقيدة للغاية، ولقد بدا ان مصاصي الدماء في «النظام الاسلامي» لا يقلون هولاً عن امثالهم في «النظام الليبرالي»، اي في عهد حسني مبارك. الوحدة بين مصر بامكاناتها البشرية والفكرية وليبيا بامكاناتها النفطية والمالية هي الحل…
يقول السفير «لا ادري ما اذا كنت مخطئا عندما اقول ان العرب، قبل الاسرائيليين، يريدون لمصر ان تبقى هكذا في حالة من الاعتلال الاقتصادي والاستراتيجي مع ان تداعيات هذا الوضع عليهم ستكون كارثية، ومبدياً استغرابه كيف ان العرب مستعدون لدعم تركيا، ولنشر الاستثمارات فيها على نحو اسهم الى حد بعيد في ازدهارها الاقتصادي، فيما يمنعون ذلك عن كبرى الدول العربية. وهو اذ يبدي رأياً شخصياً في محمد مرسي، معتبرا انه لا يملك الحد الادنى من الابداع السياسي او القيادي، يرى ان رجب طيب اردوغان، بدوره، لم يلاحظ ان دور تركيا، وسواء في ظل الحرب الباردة ام في ظل الضبابية الراهنة التي تحكم العلاقات الدولية الآن، يخضع لضوابط وآليات تحول دون عودة السلطنة في حال من الاحوال..
يقول السفير «كأوروبي اعرف ما هي مصر، واعرف لماذا ذهب نابليون بونابرت الى هناك ولماذا تم قطع الطريق على محمد علي باشا، ولماذا سحق جمال عبد الناصر، ولكن لاقول الآن للعرب ولغير العرب…لا تقتلوا مصر».
ينتقل سريعاً الى القول «لا تقتلوا مصر وسوريا»، اذا حصل هذا ماذا يبقى من العرب؟ لاشيء، وهو ينفي ان تكون هناك مؤامرة لازالة هذين البلدين من الخريطة، او لدفعهما الى الفوضى الابدية، لكنه يتساءل ما اذا كانت هناك لعنة ما، لعنة ميتولوجية، والا لما كانت الايديولوجيا هي التي تتولى ادارة الخراب وتعتبر ان الثورة( هنا وهناك) انما هي لاقامة علاقات استراتيجية مع العالم الآخر…
السفير ضد تسليح المعارضة في سوريا. يطرح السؤال نفسه الذي طرحناه سابقا، وان بصيغة اخرى: اي توازن اذا كان النظام والمعارضة على السواء في حال انعدام الوزن، قبل ان يشير الى « ان التقارير التي امامنا حول ما يحدث في سوريا يظهر اننا حيال فضيحة لا حيال ثورة». تحديداً يستخدم تعبير «الفضيحة الراقصة» لان نجوم المعارضة هم اقرب ما يكونون الى الدمى المتحركة…لا بد من ان يتحدث عن ذلك العتب العربي على التردد او التباطؤ او حتى الامتناع الاوروبي عن تسليح المعارضة في سوريا، ليسأل عن المنطق في هذا العتب، اذ ان مخزون الاسلحة والاعتدة على انواعها لدى بعض الدول العربية يعادل مخزون الاسلحة والاعتدة لدى كل بلدان غرب اوروبا، مع توافر المال اللازم لابتياع ما يشاؤون، فلماذا لا يسلح العرب المعارضة السورية ويلقون بعبء ذلك على الاوروبيين الذين ينتابهم الهلع من مشاهد بعض قيادات المعارضة التي لا تختلف البتة عن تلك القيادات التي تستشري في افغانستان او في الصومال..
ولكي ينهي السفير هذا الحديث المتجهم، يعود ضاحكاً الى ما قاله له صديق هو قطب في قوى 14 اذار عشية زيارة نائب وزير الخارجية الاميركية وليم بيرنز لبيروت» اذا التقيته فلسوف اسأله ما اذا كانت اميركا لا تزال على سطح الكرة الارضية».
المصدر :
الديار /نبيه البرجي
اكتب تعليق
كل الحقول التي عليها علامة (*) مطلوبة