دليل ماسة
أكثر الروابط استخداما
المناسبة أرثوذكسية وأما الحدث فـ"ماروني" بامتياز وتحديداً "كاردينالي".
كاد حفل ترسيم البطريرك يوحنا العاشر اليازجي على كرسي أنطاكيا وسائر المشرق للروم الأرثوذكس في كنيسة الصليب المقدس في دمشق أن يُختصر بـ"حدث" مشاركة بطريرك الموارنة الكاردينال بشارة بطرس الراعي.
حلّ رأس الكنيسة المارونية ضيفاً على سوريا في عز أزمتها التي قسمت العالم بأسره. زار سوريا و"عن يمينه" الفاتيكان، لأكثر من 24 ساعة "شاء من شاء وأبى من أبى".
الشجاعة البطريركية لم تعد جديدة على من يعرفه أو لا يعرفه. من الحدود اللبنانية السورية الى كنيسة مار مارون في باب توما.. الى حفل الترسيم في قلب العاصمة السورية، شكل "غبطته" دائرة سلام ومحبة حمته من كل "الضوضاء" التي رافقت زيارته. زيارته التي قاسها كثيرون من زاوية أنها "تعني تأييد النظام السوري"...
أصوات الاعتراض التي وصل بعضها الى حد الشتم لم يُعرْها سيد بكركي اهتماماً. إنه يقرأ في كتاب آخر. لم يصغ إلا لصوت واحد يقول: "طوبى لفاعلي السلام فإنهم أبناء الله يُدعَون. إذا أصاب المرض أحد أبنائي أتركهم جميعاً وأتفقد ابني المريض". و"الابن المريض" أو ربما "الضال" ردّ عاطفة أبيه.
السوريون، مسلمون ومسيحيون، تهافتوا للترحيب به رافعين لافتات "الشوق". والجانب الرسمي كذلك. رفع "رايات" التكريم لزائره الكبير. فأُفردت له مراسم الحماية الرئاسية مذ وطأت قدماه أرض دمشق الى حين عودته الى بيروت. وزراء وكبار أركان الدولة رافقوه طوال محطته الخاطفة. لم يكن على جدول أعمال الزيارة أية لقاءات سياسية رسمية لكون الدعوة موجهة من مطران دمشق للموارنة سمير نصار. لكن خلوة بين الراعي ونائب وزير الخارجية السوري فيصل المقداد والبطريرك غريغوريوس الثالث لحام لمدة قاربت 15 دقيقة سجلت على هامش حفل ترسيم اليازجي.
"البطريرك الراعي هو أول بطريرك ماروني يزور سوريا على الإطلاق"، هذا على الأقل ما أفضت اليه قراءات المؤرخ الأب أنطوان ضو. فالبطريرك أنطون عريضة، وعلى عكس ما أشيع، لم يزر سوريا يوماً. فهو كان ضد الانتداب الفرنسي وبالتالي يتلاقى في السياسة مع الكتلة الوطنية السورية و"حصل أن تلي تصريح له في الجامع الأموي في العام 1936 وسموه حينها "حبيب الله"، يقول الأب ضو، ولكن لا وثائق تثبت أنه زار سوريا.
أما في عهدي البطريركين بولس المعوشي وأنطونيوس خريش فيسجل استثناء. يورد "حارس الديمان" جورج عرب في كتابه "حارس الذاكرة" في جزئه الأول والذي يتضمّن مذكرات البطريرك نصرالله صفير وأهم الوثائق العائدة اليه أنه في العام 1961 وللمفارقة في 9 شباط أيضاً، أوفد البطريرك المعوشي نائبه البطريركي نصرالله صفير سراً الى سوريا. حينها، "احتفل الموفد البطريركي علناً بقداس مار مارون واجتمع سراً بأركان الدولة السورية لحل مسألة تتعلق في الماضي كما اليوم بالأمن الحدودي بين الدولتين والشكوى السورية من هذا الأمر".
ومن أهم نتائج تلك الزيارة، "تهريب خالد العظم بالتنسيق مع اللواء فؤاد شهاب والسفارة الأميركية والبطريرك المعوشي".
ينفي الأب أنطوان ضو ما كتبه البعض بأن كل الدعوات الى صفير لزيارة سورية لم تكن جدية، بقوله "سعينا منذ 30 سنة مع البطريرك صفير لزيارة سوريا ولكنه كان عنيداً ويسير في خط معين". يحزن ضو لكل ما يرافق زيارة الراعي اليوم الى دمشق من "تشويش": "لا أحد يعلّمنا واجباتنا والبطريرك الراعي يدرك أن لدينا ثلاث مطرانيات في سوريا فضلاً عن ان فعل الشراكة المسكونية يوجب علينا المشاركة في حفل الترسيم". ويخلص الى القول: "ليست المسألة مع النظام أو ضده. لقد قسموا العراق الى ثلاث دويلات وفلسطين "العوض بسلامتكم" واليوم إذا سقطت الميثاقية في سوريا فهذا يعني سقوطها في لبنان أيضاً، وهذا في النهاية ما تريده إسرائيل. إن خلاصنا بوحدتنا فنحن أمة الله".
كل هذه المعاني رافقت "سيدنا" إلى دمشق التي وصل إليها مساء السبت الماضي.
برنامج الزيارة كان متفقاً عليه بما في ذلك الإجراءات الحدودية في نقطة المصنع بإشراف كبار أهل الدولة وبمتابعة خاصة من رئيس الجمهورية. شاهد الراعي في طريقه قوافل السوريين الهاربين من جحيم الحرب. لاحظ الإجراءات الأمنية والحواجز على طول الطرق. لم يكن في يوم من الأيام من رواد هذه الطريق كما هو حال معظم فريق 14 آذار قبل انتهاء عهد الوصاية السورية في ربيع العام 2005.
عندما كان مطراناً لأبرشية جبيل المارونية، زار الكاردينال العاصمة السورية في العام 2007 وألقى عظة تلبية لدعوة ابرشية الشام المارونية. ستون ألفاً هو عدد الموارنة في كل سوريا ثلثهم تقريباً يتبعون أبرشية دمشق. ويشير المونسنيور ميشال فريفر إلى "ان ابرشية دمشق المارونية هي من أقدم الأبرشيات المارونية في دمشق ما قبل الفتح العربي، ويبلغ عدد الموارنة فيها عشرين الفاً تحتضنهم اربع رعايا: مار انطونيوس، مار مارون، الشهداء المسابكيين والقديسة ريتا.
إنه "مسا عيد أب الموارنة". في كاتدرائية القديس أنطونيوس في مطرانية دمشق المارونية في باب توما، ترأس الراعي، مساء أمس الأول، الذبيحة الإلهية على "نية انتهاء الحرب في سوريا". قبل الوصول وبعده يجيب الكاردينال سائليه: "جئنا نصلي من أجل السلام وعودة النازحين ومن اجل الحلول الديبلوماسية لكل الامور العالقة".
في القداس الذي تقدّمه ممثل الرئيس السوري بشار الأسد وزير الدولة لشؤون الهلال الأحمر جوزيف سويد، ألقى الراعي عظة جمعت الروحاني والوطني. هنأ الحضور بالعيد سائلاً الله أن "يلهم ضمائر المسؤولين المحليين والإقليميين والدوليين، ويدفع بهم الى العمل على وضع حد فوري لدوامة العنف والحرب في سوريا العزيزة، وإحلال السلام بالتفاهم والحوار حول المواضيع الخلافية".
وإذ أمل أن يلي ألم سوريا "فصح سوريا الجديدة"، قال: "جئنا نواصل صلاتنا معكم من اجل السلام في سوريا ومن اجل الحلول الديبلوماسية لكل الامور العالقة وعودة النازحين الى أراضيهم وعلمت أن الذين نزحوا من أرضهم في داخل سوريا وخارجها أربعة ملايين".
وتابع: "نريد من هذه الزيارة إعلان قربنا وتضامننا مع كل المتألمين من جميع الطوائف، وبخاصة مع اخوتنا المسيحيين من كل الكنائس، ومع أبنائنا وبناتنا الموارنة، في هذا الظرف الأليم من حياة سوريا الجريحة والمتألمة، حيث العنف والحرب والارهاب والقتل والتنكيل والتعذيب والتهجير والتدمير". وأردف: "من هنا من دمشق نقول كفى. نقولها لكل الذين يمارسون كل هذه المآسي. كفى للحرب والعنف، كفى للقتل وتدمير البيوت والمعالم الحضارية، كفى تهجيراً للمواطنين الآمنين الأبرياء، كفى إذكاء لنار الحرب والدمار والقتل من أي جهة أتى. يقولون من أجل الاصلاحات، الاصلاحات لازمة في كل مكان، في كل دولة، في كل وطن، كما هي لازمة في كل انسان. لكن الاصلاحات لا تفرض فرضاً من الخارج بل تنبع من الداخل حسب حاجات كل بلد. ولا أحد ادرى بشؤون البيت مثل أهله. الاصلاحات تتم بالحوار، بالتفاهم والتعاون، هذا ما ندعو اليه مع كل محبي السلام العادل والشامل والدائم، حيث يعطى الجميع حقوقهم ويلزم الجميع بواجباتهم، وان كان لا بد من دور للاسرة الدولية، فليكن في هذا الاتجاه".
مثلما بدأ الراعي زيارته، اختتمها بالعبارة نفسها: انها زيارة رعوية وليســت سياسية.
النائب العام الاسقفي ورئيس المحكمة المارونية في دمشق المونسنيور ميشال فريفر، قال إن زيارة الراعي "تاريخية بامتياز لأن سوريا هي أولى اوطان المسيحية في العالم، ودمشق هي أول مدينة في التاريخ". وأضاف: "إنها زيارة لوطن القديس مارون في يوم عيده، وإن زيارة الارض المارونية الاولى هي زيارة بركة ونعمة وصلاة".
المصدر :
غراسيا بيطار\ السفير
اكتب تعليق
كل الحقول التي عليها علامة (*) مطلوبة