جلس رجل أوروبي الملامح في مقعد الطائرة إلى جانبي، من باب المصادفة، وأخذ «يدردش» معي. عرّف عن نفسه، لكن هدير الطائرة حجب صوته فلم أسمع من اسمه سوى أجزاء مقطّعة على وزن «هوخ ….اين»،

 ما أكد لي أنه إلماني الإسم وعلى الأرجح من الجالية اليهودية، فاستنفرت قدراتي النفسية والفكرية متهيئاً للردّ على ما قد يبدر عنه من مواقف مؤيدة للعدو الصهيوني، لو صدقت شكوكي. فمن لعنات المهجر العديدة أن يُجبر المغترب على التعامل تجارياً مع صهاينة، في بعض الأحيان من دون أن يدري، وأن يلتقيهم في المناسبات الاجتماعية أو في الاحتفالات العامة ويستمع إلى مواقفهم العدوانية ويحافظ في الوقت نفسه على رباطة جأشه من دون أن يفقد أعصابه.

وما زلت أذكر يوم قبلت دعوة إلى العشاء في كندا قبل عقدين وكنت حديث العهد في الهجرة، وقال لي أحد المدعوين إن شقيقته «ليفنغ إن إزريل» أي إنها تقيم في «إسرائيل» وكيف هزّ الموجودون رؤوسهم تجاوباً مع التصريح بابتسامة ليبرالية كندية نمطية، كأنّ «إسرائيل» بلد عادي يقيم فيه الناس وليس كياناً استعمارياً هجيناً من واجب المجتمع الدولي أن يحاربه. لم أتقبّل الفكرة يومذاك و»عقد لساني» لهول الواقعة، فهل يعقل أنني أجلس إلى طاولة مع صهيوني تقيم عائلته في أرضي المغتصبة؟ وهل دخلت «وكر دبابير» لمجرد هجرتي إلى الغرب؟ لم يسعفني لساني تلك الليلة فقررت تجاهل التعليق ووضع شعوري جانبا كي لا أورّط نفسي في مشادّة كلامية مع عدو لي من أبناء البلد، في حضور أصدقاء جدد في عالم جديد لا أفقه شيئاً في عاداته وتقاليده، وتجاهلت المدعو الصهيوني لما تبقى من وقت السهرة.

استرسل «هوخ»، جاري في الطائرة، في الدردشة معلقاً بطرافة وبفخر أنه شاهد كل الأفلام المقترحة للاختيار على شاشة الطائرة هذا الشهر، موضحاً أنه عاد للتو من «تل أبيب» حيث أمضى أياماً خمسة، ما وفرّ له الوقت الكافي لمشاهدة كل الأفلام المعروضة خلال عشرين ساعة من الطيران ذهاباً وإياباً، من وإلى مدينة تورونتو.

كدت لا أصدق أذنيّ عندما قال لي إنه عائد للتو من «إسرائيل» وبدا لي كأنه أمضى أيام معركة غزة الأخيرة في المقلب الآخر في «تل أبيب». سألته إن كان موجوداً هناك خلال تساقط الصواريخ على عاصمة الكيان الغاصب فأجابني بالإيجاب.

سررت جداً لأنني بت قادراً عندئذ أن أجري مقابلة غير معلنة مع هذا الغريب، آملاً في أن تتأكد معلوماتي عن درجة الهول التي أصابت «تل أبيب» وأهلها وأن أشمت به وبقومه وبخوفه من الصواريخ التي رمتهم بها المقاومة. سألت «هوخ» إذا كانت الصواريخ التي سقطت عديدة وإذا سقطت حقيقة في وسط «تل أبيب» أو في خراج المدينة أو ضواحيها مثلا، خاصة أن الشك يساورني دائماً في صحة الأخبار الواردة من وسائل إعلام المقاومة في الأرض المحتلة بسبب مبالغات الأخيرة، فأجابني أن طائرته القادمة إلى «تل أبيب» تأخر وصولها سبع ساعات بسبب الوضع الأمني المتردي في المدينة، وأن صاروخاً وقع قرب المطار يوم غادر المدينة، وأن الرعب والهلع كانا سيدي الموقف خلال أيام المعركة، وأنه شاهد الكثير من الصواريخ تقع في المدينة.

لم يكن سقوط الصواريخ في «تل أبيب» بطريق المصادفة إذن، بحسب ما شرح هذا الغريب لي، فتيقّنت من أن عاصمة الكيان في متناول يدي المقاومين ساعة يشاؤون، وابتسمت هازئاً وشرحت لجاري رغماً عنّي «هوخ» أن إسم «تل أبيب» الحقيقي هو مدينة تل الربيع، وأنني أشير إلى الدولة التي زارها حديثاً باسم فلسطين المحتلة وليس «إسرائيل».

لم يعلق «هوخ» في بداية الأمر وبدا لي مصدوماً إذ كف عن النظر إليّ وصارت عيناه تدوران في أرجاء الطائرة الضيقة عله يجد شيئاً يركز نظره عليه تفادياً للمواجهة، ثم اعتذر لي عن الاستمرار في «الدردشة» متذرعاً بحاجته إلى مشاهدة أحد الأفلام على الطائرة، رغم أنه كان شاهدها كلها أكثر من مرة بحسب ما قاله آنفاً، لكن يبدو أن وقع جلوسه قرب عدوّه السوري المنتصر كان أشدّ من أن يستطيع تحمّله.

عشرون عاماً ونيّف بين اللقاءين تغيرت فيها أمور كثيرة. في تسعينات القرن المنصرم، عندما آثرت عدم الدخول في مناقشة مع الصهيوني المغتصب كان العدو في أوج قوّته وكان صعباً علينا مواجهته حتى كلامياً وإعلامياً في بلاد الغرب، فالعدو المنتصر وقتذاك، وإن مرحلياً كما تبين لاحقاً، كان يصوّر نفسه لإعلام الغرب كفارس نبيل يريد السلام ونسيان الماضي، وكان يتعامل معنا من منطلق العفو عند المقدرة ويعلن في المنابر أنه مستعد لمدّ اليد إلى العرب وأن ينسى الماضي، لكن «العرب يكرهونه ويرفضون التعامل معة بالطريقة الحضارية على الطراز الغربي» كما ادعى.

كان سهلاً كثيراً للصهاينة «مد اليد» لأن جيشهم كان لا يقهر وقتذاك ولم تكن لبلادنا قدرة على المواجهة واسترجاع ولو ذرّة تراب بالقوة، فطَرَح العدو «نسيان الماضي» على طريقته الخاصة أي من دون أن يعيد إلينا أياً من حقوقنا المسلوبة. أما اليوم، منذ انتصارنا في معركة تموز، تبدو لنا نهاية الكيان الصيوني مثل دائرة نور تقترب إلينا وتزداد بريقاً مع كل شهيد يسقط ومع كل صاروخ يصيب هدفه ومع كل وعد تعدنا به المقاومة ويُنفّذ، إذ أضحى الصهيوني مفضوحاً ذليلاً جباناً من خفافيش الملاجىء ومن جرذان صفوف الهجرة توخّياً للسلامة على أبواب سفارات الدول التي خلقت كيانه للتخلص من عبء عنصريته وانعزاليته.

يخاف الصهيوني المواجهة اليوم، فليس أمامه إلاّ هزائم آتية وانكسارات وتشرذم. تموز عام 2006 كان أكثر من معركة ربحناها، بل هو بداية حرب ما زالت رحاها تدور في كل أصقاع الأمة والعالم، وأنصاف الرجال من الحكّام العرب الذين أشار إليهم الرئيس الأسد آنذاك أتوا وعبيدهم اليوم إلى دمشق طلباً لإعادة اعتبار رجولة فقدوها يوم باركوا الهجوم الصهيوني على المقاومة إبان معركة تموز ولم يفلحوا، والذي فقد فُحُولته أمام شعبه ومواطنيه وهيهات أن يسترجعها على أسوار دمشق، فما الهجمة الوهابية على الشام اليوم إلاّ جولة جديدة من حرب تموز، كما هي حال حربي غزة عامي 2008 و2012 أيضاً، فالمقاومة واحدة في كل أرجاء الأمة، و»البضاعة» الفاسدة المستوردة المسماة بـ«الربيع العربي» أيضاً ليست إلاّ محاولة نشر ثقافة جاهلية في الأمم العربية، علّها تخفّف من مفاعيل زلزال تموز الذي بدأ لستة أعوام خلت ولن ينتهي إلاّ بنهاية الكيان الصهيوني الظالم ورعاته الداخليين، حتى لو اضطررنا إلى رصف طريق القدس بجيل قادم أو جيلين من الشهداء.

  • فريق ماسة
  • 2012-12-14
  • 3073
  • من الأرشيف

وشهد شاهد من بني صهيون

جلس رجل أوروبي الملامح في مقعد الطائرة إلى جانبي، من باب المصادفة، وأخذ «يدردش» معي. عرّف عن نفسه، لكن هدير الطائرة حجب صوته فلم أسمع من اسمه سوى أجزاء مقطّعة على وزن «هوخ ….اين»،  ما أكد لي أنه إلماني الإسم وعلى الأرجح من الجالية اليهودية، فاستنفرت قدراتي النفسية والفكرية متهيئاً للردّ على ما قد يبدر عنه من مواقف مؤيدة للعدو الصهيوني، لو صدقت شكوكي. فمن لعنات المهجر العديدة أن يُجبر المغترب على التعامل تجارياً مع صهاينة، في بعض الأحيان من دون أن يدري، وأن يلتقيهم في المناسبات الاجتماعية أو في الاحتفالات العامة ويستمع إلى مواقفهم العدوانية ويحافظ في الوقت نفسه على رباطة جأشه من دون أن يفقد أعصابه. وما زلت أذكر يوم قبلت دعوة إلى العشاء في كندا قبل عقدين وكنت حديث العهد في الهجرة، وقال لي أحد المدعوين إن شقيقته «ليفنغ إن إزريل» أي إنها تقيم في «إسرائيل» وكيف هزّ الموجودون رؤوسهم تجاوباً مع التصريح بابتسامة ليبرالية كندية نمطية، كأنّ «إسرائيل» بلد عادي يقيم فيه الناس وليس كياناً استعمارياً هجيناً من واجب المجتمع الدولي أن يحاربه. لم أتقبّل الفكرة يومذاك و»عقد لساني» لهول الواقعة، فهل يعقل أنني أجلس إلى طاولة مع صهيوني تقيم عائلته في أرضي المغتصبة؟ وهل دخلت «وكر دبابير» لمجرد هجرتي إلى الغرب؟ لم يسعفني لساني تلك الليلة فقررت تجاهل التعليق ووضع شعوري جانبا كي لا أورّط نفسي في مشادّة كلامية مع عدو لي من أبناء البلد، في حضور أصدقاء جدد في عالم جديد لا أفقه شيئاً في عاداته وتقاليده، وتجاهلت المدعو الصهيوني لما تبقى من وقت السهرة. استرسل «هوخ»، جاري في الطائرة، في الدردشة معلقاً بطرافة وبفخر أنه شاهد كل الأفلام المقترحة للاختيار على شاشة الطائرة هذا الشهر، موضحاً أنه عاد للتو من «تل أبيب» حيث أمضى أياماً خمسة، ما وفرّ له الوقت الكافي لمشاهدة كل الأفلام المعروضة خلال عشرين ساعة من الطيران ذهاباً وإياباً، من وإلى مدينة تورونتو. كدت لا أصدق أذنيّ عندما قال لي إنه عائد للتو من «إسرائيل» وبدا لي كأنه أمضى أيام معركة غزة الأخيرة في المقلب الآخر في «تل أبيب». سألته إن كان موجوداً هناك خلال تساقط الصواريخ على عاصمة الكيان الغاصب فأجابني بالإيجاب. سررت جداً لأنني بت قادراً عندئذ أن أجري مقابلة غير معلنة مع هذا الغريب، آملاً في أن تتأكد معلوماتي عن درجة الهول التي أصابت «تل أبيب» وأهلها وأن أشمت به وبقومه وبخوفه من الصواريخ التي رمتهم بها المقاومة. سألت «هوخ» إذا كانت الصواريخ التي سقطت عديدة وإذا سقطت حقيقة في وسط «تل أبيب» أو في خراج المدينة أو ضواحيها مثلا، خاصة أن الشك يساورني دائماً في صحة الأخبار الواردة من وسائل إعلام المقاومة في الأرض المحتلة بسبب مبالغات الأخيرة، فأجابني أن طائرته القادمة إلى «تل أبيب» تأخر وصولها سبع ساعات بسبب الوضع الأمني المتردي في المدينة، وأن صاروخاً وقع قرب المطار يوم غادر المدينة، وأن الرعب والهلع كانا سيدي الموقف خلال أيام المعركة، وأنه شاهد الكثير من الصواريخ تقع في المدينة. لم يكن سقوط الصواريخ في «تل أبيب» بطريق المصادفة إذن، بحسب ما شرح هذا الغريب لي، فتيقّنت من أن عاصمة الكيان في متناول يدي المقاومين ساعة يشاؤون، وابتسمت هازئاً وشرحت لجاري رغماً عنّي «هوخ» أن إسم «تل أبيب» الحقيقي هو مدينة تل الربيع، وأنني أشير إلى الدولة التي زارها حديثاً باسم فلسطين المحتلة وليس «إسرائيل». لم يعلق «هوخ» في بداية الأمر وبدا لي مصدوماً إذ كف عن النظر إليّ وصارت عيناه تدوران في أرجاء الطائرة الضيقة عله يجد شيئاً يركز نظره عليه تفادياً للمواجهة، ثم اعتذر لي عن الاستمرار في «الدردشة» متذرعاً بحاجته إلى مشاهدة أحد الأفلام على الطائرة، رغم أنه كان شاهدها كلها أكثر من مرة بحسب ما قاله آنفاً، لكن يبدو أن وقع جلوسه قرب عدوّه السوري المنتصر كان أشدّ من أن يستطيع تحمّله. عشرون عاماً ونيّف بين اللقاءين تغيرت فيها أمور كثيرة. في تسعينات القرن المنصرم، عندما آثرت عدم الدخول في مناقشة مع الصهيوني المغتصب كان العدو في أوج قوّته وكان صعباً علينا مواجهته حتى كلامياً وإعلامياً في بلاد الغرب، فالعدو المنتصر وقتذاك، وإن مرحلياً كما تبين لاحقاً، كان يصوّر نفسه لإعلام الغرب كفارس نبيل يريد السلام ونسيان الماضي، وكان يتعامل معنا من منطلق العفو عند المقدرة ويعلن في المنابر أنه مستعد لمدّ اليد إلى العرب وأن ينسى الماضي، لكن «العرب يكرهونه ويرفضون التعامل معة بالطريقة الحضارية على الطراز الغربي» كما ادعى. كان سهلاً كثيراً للصهاينة «مد اليد» لأن جيشهم كان لا يقهر وقتذاك ولم تكن لبلادنا قدرة على المواجهة واسترجاع ولو ذرّة تراب بالقوة، فطَرَح العدو «نسيان الماضي» على طريقته الخاصة أي من دون أن يعيد إلينا أياً من حقوقنا المسلوبة. أما اليوم، منذ انتصارنا في معركة تموز، تبدو لنا نهاية الكيان الصيوني مثل دائرة نور تقترب إلينا وتزداد بريقاً مع كل شهيد يسقط ومع كل صاروخ يصيب هدفه ومع كل وعد تعدنا به المقاومة ويُنفّذ، إذ أضحى الصهيوني مفضوحاً ذليلاً جباناً من خفافيش الملاجىء ومن جرذان صفوف الهجرة توخّياً للسلامة على أبواب سفارات الدول التي خلقت كيانه للتخلص من عبء عنصريته وانعزاليته. يخاف الصهيوني المواجهة اليوم، فليس أمامه إلاّ هزائم آتية وانكسارات وتشرذم. تموز عام 2006 كان أكثر من معركة ربحناها، بل هو بداية حرب ما زالت رحاها تدور في كل أصقاع الأمة والعالم، وأنصاف الرجال من الحكّام العرب الذين أشار إليهم الرئيس الأسد آنذاك أتوا وعبيدهم اليوم إلى دمشق طلباً لإعادة اعتبار رجولة فقدوها يوم باركوا الهجوم الصهيوني على المقاومة إبان معركة تموز ولم يفلحوا، والذي فقد فُحُولته أمام شعبه ومواطنيه وهيهات أن يسترجعها على أسوار دمشق، فما الهجمة الوهابية على الشام اليوم إلاّ جولة جديدة من حرب تموز، كما هي حال حربي غزة عامي 2008 و2012 أيضاً، فالمقاومة واحدة في كل أرجاء الأمة، و»البضاعة» الفاسدة المستوردة المسماة بـ«الربيع العربي» أيضاً ليست إلاّ محاولة نشر ثقافة جاهلية في الأمم العربية، علّها تخفّف من مفاعيل زلزال تموز الذي بدأ لستة أعوام خلت ولن ينتهي إلاّ بنهاية الكيان الصهيوني الظالم ورعاته الداخليين، حتى لو اضطررنا إلى رصف طريق القدس بجيل قادم أو جيلين من الشهداء.

المصدر : البناء\جورج كرم


اكتب تعليق

كل الحقول التي عليها علامة (*) مطلوبة