اهتزت الساحة السياسية الإسرائيلية بنتائج انتخابات حزب الليكود التي جرفت حزب اليمين الأساسي بقوة يميناً، فيما تنافست القوى الأخرى ليس على الوقوف في وجه هذا الميل وإنما على التسابق معه. فحزب العمل، الذي كثيراً ما اتهم باليسارية في الماضي، بات بزعامة شيلي يحيموفيتش أيضاً الأكثر يمينية، وكذا الحال مع حزب «يوجد مستقبل» بزعامة يائير لبيد. وتقدمت وزيرة الخارجية الإسرائيلية والليكودية السابقة، تسيبي ليفني الصفوف عائدة لتحدي رئيس الوزراء الحالي بنيامين نتنياهو في ما يشبه الفعل الانتحاري.
والواقع أن الفعل الانتحاري الأبرز تجلى يوم أمس الأول في الانتخابات التمهيدية لقائمة الليكود إلى الكنيست. إذ مثلت النتائج تقريباً نهاية ما كان يعرف بـ«وسط اليمين» في إسرائيل ليغدو يميناً مفتوحاً على مصراعيه نحو اليمين الأقصى. فمن أراد «الليكود بيتنا» (تحالف حزبي الليكود وإسرائيل بيتنا) أكثر يمينية بإدخال «إسرائيل بيتنا» بزعامة وزير الخارجية أفيغدور ليبرمان، أصبح أقرب إلى اليمين المهووس في «البيت اليهودي»... و«الحبل ع الجرار».
ولا يمكن فهم ذلك إلا على خلفية أن «وسط اليمين»، حتى المرتكز على «أمراء حيروت» من أبناء «العائلة المقاتلة» في «الايتسل»، والذي كان لا يزال يتمسك ببعض المبادئ الليبرالية، أخلى الطريق أمام «اليمين الفاشي» الصريح. جلعاد أردان، تسيبي حوتبولي وداني دانون، هم بعض اليمين الجديد الذي لا تكتمل صورته من دون أن تكون على خلفية موشي فايغلين.
وموشي فايغلين الداعي إلى أرض إسرائيل الكاملة، والذي يكاد يعتبر نتنياهو «يسارياً»، نال في الانتخابات التمهيدية لزعامة الليكود مرشحاً ضد نتنياهو نفسه، حوالي ربع أصوات الليكوديين. وأثبت مرة أخرى أن بوسعه، عبر تحالفات انتخابية، أن يحدد وجهة الليكود نحو ما يراه حقاً: كراهية العرب ورفض اليسار والسعي نحو الدولة الدينية والسياسة التوراتية. وكان أول رد فعل له على نيله الموقع الـ15 في قائمة الليكود في انتخابات الكنيست قوله إنه سيسعى لتوحيد الليكود مع «البيت اليهودي» المتطرف.
لقد نجح فايغلين وأنصاره وحلفاؤه في الليكود في إخراج حتى بني بيغين (ابن رئيس الوزراء الأسبق مناحيم بيغين والمتطرف السياسي والأيديولوجي لكن المتمسك بالليبرالية منهجاً) ودان ميريدور من المواقع
القابلة للنجاح في القائمة للكنيست. كما أنهم جعلوا وزير التعليم، جدعون ساعر، الذي يشهر رفضه لحل الدولتين، والوزيرين جلعاد أردان وإسرائيل كاتس ونواب التطرف مثل داني دانون وتسيبي حوتبولي ضمن العشرية الأولى، وفي المراتب الأولى بعد نتنياهو.
من الجائز أن البعض في الليكود رأى بأم عينيه كيف يقفز هذا الحزب إلى الهاوية من الناحيتين الأيديولوجية والسياسية، ولكن آخرين يرون أن هذا قرار الناخب وأن المجتمع الإسرائيلي لا يريد إلا هذه الوجهة. ولكن إسرائيل في نظر الأوائل ليست أي دولة أخرى في العالم، وأن الكثيرين ينتظرون «كبوة» كهذه لترسيخ الانطباع عن الطابع العنصري للدولة اليهودية. والمسألة ليست سياسية وحسب، فالفاشية، كنقيض لليبرالية، منهج حياة سيدفع الواقع الاقتصادي الاجتماعي في إسرائيل إلى الخروج من دائرة دول العالم الأول، وإنزالها إلى دوائر أخرى.
ويعتقد البعض من العقلاء حتى في اليمين المتطرف أن عواقب ما جرى في الليكود ستأتي سريعاً، وهم يرون أن غلبة التطرف لم ينبع إلا من محاولات لإشباع النهم الغريزي في معاداة العرب وكراهيتهم. ويصر هؤلاء على أن «وطنية» التطرف لا تنطلق من «حب الوطن» قدر ما تنطلق من عمى الكراهية للعرب. والذين يبكون المستقبل في الليكود، لا يهمهم أمر العرب، بقدر ما يهمهم «الحكم الرشيد» و«سيادة القانون» و«الفصل بين السلطات» و«استقلالية القضاء» و«حقوق الفرد». وكل هذه الأمور مهددة لدى من تغلب التوراة لديهم ما عداها، ومن «مصلحة الوطن» عنده تتخطى كل معيار أو بعد آخر. فالأجواء عموماً معادية ليس فقط لليبرالية وإنما كذلك للديموقراطية حيث تجري محاولات لتقييد وسائل الإعلام، ويغدو عنصري مثل المراسل العسكري للقناة الثانية، روني دانييل، بطلاً قومياً لا لشيء إلا لأنه يرقص فوق دماء الفلسطينيين.
وقيادة الليكود الجديدة لا تخفي عداءها للأجانب، وللعرب، وللمحكمة الإسرائيلية العليا. وقد أبدت هذا العداء في عبارات مثل «المهاجرون سرطان» والدكتور أحمد «الطيبي طابور خامس»، و«حنين الزعبي خائنة»، و«الصحافة يسارية» و«القضاء مهزلة». وقاد بعض هؤلاء حملات سن قوانين تقيد حقوق الأقليات والقضاء والحريات العامة بما فيها حرية التعبير.
ويرى كثيرون أن هذا ليس حال الليكود وحده وإنما هو حال إسرائيل بأسرها. فالقوى الأخرى ليست أحسن حالاً، وهي ترتكز في قاعدتها الانتخابية على أجواء تزداد يمينية. وكما سلف هذا هو الحال في غالبية الأحزاب، وخصوصاً من تعتبر نفسها أحزاب وسط مثل «يوجد مستقبل» و«كديما» و«العمل»، والتي تتنافس في ما بينها على عرض مواقف تزداد يمينية. وهنا يأتي دور تسيبي ليفني التي أعلنت أمس عن عودتها عن قرار اعتزال الحياة السياسية، ومحاولتها بلورة معسكر مناهض لنتنياهو.
وأعلنت ليفني «أنني جئت للمحاربة من أجل إسرائيل، الأمن والسلام»، من دون أن توضح اسم «الحركة» التي ترمي إلى تشكيلها. ولكن فور إعلان عودتها إلى الحياة السياسية كان أربعة من أعضاء الكنيست من كديما يعلنون انضمامهم إليها، الأمر الذي سيترك كديما بزعامة شاؤول موفاز أقرب إلى جثة هامدة. وأشارت ليفني إلى أنها لا تنوي الاتحاد مع أحد من حزب العمل أو «يوجد مستقبل» لكنها لن توصي أمام الرئيس إلا على مرشح لرئاسة الحكومة من داخل معسكر الوسط.
وبررت ليفني عودتها قائلة «ليس هناك بديل شخصي أو فكري لرئيس الحكومة كما ليس هناك من يمثل آراءنا في المواضيع الحاسمة لدولة إسرائيل». وأشارت إلى نتائج انتخابات الليكود قائلة «لقد خسر نتنياهو أمس في الليكود ويمكنه أن يخسر الانتخابات. أمس كان انتصار فايغلين وخسارة نتنياهو، وفي الانتخابات سيخسر نتنياهو وننتصر جميعنا».
ولكن، كما هو معروف، فإن استطلاعات الرأي حتى الآن، وبرغم الهزات، تواصل تأكيد فوز معسكر اليمين بغالبية كبيرة وفوز بنيامين نتنياهو برئاسة الحكومة.
 
  • فريق ماسة
  • 2012-11-27
  • 2972
  • من الأرشيف

أحزاب إسرائيل تتنافس على تطرّفها: فـوز سـاحق للمتشدديـن في الليكـود

          اهتزت الساحة السياسية الإسرائيلية بنتائج انتخابات حزب الليكود التي جرفت حزب اليمين الأساسي بقوة يميناً، فيما تنافست القوى الأخرى ليس على الوقوف في وجه هذا الميل وإنما على التسابق معه. فحزب العمل، الذي كثيراً ما اتهم باليسارية في الماضي، بات بزعامة شيلي يحيموفيتش أيضاً الأكثر يمينية، وكذا الحال مع حزب «يوجد مستقبل» بزعامة يائير لبيد. وتقدمت وزيرة الخارجية الإسرائيلية والليكودية السابقة، تسيبي ليفني الصفوف عائدة لتحدي رئيس الوزراء الحالي بنيامين نتنياهو في ما يشبه الفعل الانتحاري. والواقع أن الفعل الانتحاري الأبرز تجلى يوم أمس الأول في الانتخابات التمهيدية لقائمة الليكود إلى الكنيست. إذ مثلت النتائج تقريباً نهاية ما كان يعرف بـ«وسط اليمين» في إسرائيل ليغدو يميناً مفتوحاً على مصراعيه نحو اليمين الأقصى. فمن أراد «الليكود بيتنا» (تحالف حزبي الليكود وإسرائيل بيتنا) أكثر يمينية بإدخال «إسرائيل بيتنا» بزعامة وزير الخارجية أفيغدور ليبرمان، أصبح أقرب إلى اليمين المهووس في «البيت اليهودي»... و«الحبل ع الجرار». ولا يمكن فهم ذلك إلا على خلفية أن «وسط اليمين»، حتى المرتكز على «أمراء حيروت» من أبناء «العائلة المقاتلة» في «الايتسل»، والذي كان لا يزال يتمسك ببعض المبادئ الليبرالية، أخلى الطريق أمام «اليمين الفاشي» الصريح. جلعاد أردان، تسيبي حوتبولي وداني دانون، هم بعض اليمين الجديد الذي لا تكتمل صورته من دون أن تكون على خلفية موشي فايغلين. وموشي فايغلين الداعي إلى أرض إسرائيل الكاملة، والذي يكاد يعتبر نتنياهو «يسارياً»، نال في الانتخابات التمهيدية لزعامة الليكود مرشحاً ضد نتنياهو نفسه، حوالي ربع أصوات الليكوديين. وأثبت مرة أخرى أن بوسعه، عبر تحالفات انتخابية، أن يحدد وجهة الليكود نحو ما يراه حقاً: كراهية العرب ورفض اليسار والسعي نحو الدولة الدينية والسياسة التوراتية. وكان أول رد فعل له على نيله الموقع الـ15 في قائمة الليكود في انتخابات الكنيست قوله إنه سيسعى لتوحيد الليكود مع «البيت اليهودي» المتطرف. لقد نجح فايغلين وأنصاره وحلفاؤه في الليكود في إخراج حتى بني بيغين (ابن رئيس الوزراء الأسبق مناحيم بيغين والمتطرف السياسي والأيديولوجي لكن المتمسك بالليبرالية منهجاً) ودان ميريدور من المواقع القابلة للنجاح في القائمة للكنيست. كما أنهم جعلوا وزير التعليم، جدعون ساعر، الذي يشهر رفضه لحل الدولتين، والوزيرين جلعاد أردان وإسرائيل كاتس ونواب التطرف مثل داني دانون وتسيبي حوتبولي ضمن العشرية الأولى، وفي المراتب الأولى بعد نتنياهو. من الجائز أن البعض في الليكود رأى بأم عينيه كيف يقفز هذا الحزب إلى الهاوية من الناحيتين الأيديولوجية والسياسية، ولكن آخرين يرون أن هذا قرار الناخب وأن المجتمع الإسرائيلي لا يريد إلا هذه الوجهة. ولكن إسرائيل في نظر الأوائل ليست أي دولة أخرى في العالم، وأن الكثيرين ينتظرون «كبوة» كهذه لترسيخ الانطباع عن الطابع العنصري للدولة اليهودية. والمسألة ليست سياسية وحسب، فالفاشية، كنقيض لليبرالية، منهج حياة سيدفع الواقع الاقتصادي الاجتماعي في إسرائيل إلى الخروج من دائرة دول العالم الأول، وإنزالها إلى دوائر أخرى. ويعتقد البعض من العقلاء حتى في اليمين المتطرف أن عواقب ما جرى في الليكود ستأتي سريعاً، وهم يرون أن غلبة التطرف لم ينبع إلا من محاولات لإشباع النهم الغريزي في معاداة العرب وكراهيتهم. ويصر هؤلاء على أن «وطنية» التطرف لا تنطلق من «حب الوطن» قدر ما تنطلق من عمى الكراهية للعرب. والذين يبكون المستقبل في الليكود، لا يهمهم أمر العرب، بقدر ما يهمهم «الحكم الرشيد» و«سيادة القانون» و«الفصل بين السلطات» و«استقلالية القضاء» و«حقوق الفرد». وكل هذه الأمور مهددة لدى من تغلب التوراة لديهم ما عداها، ومن «مصلحة الوطن» عنده تتخطى كل معيار أو بعد آخر. فالأجواء عموماً معادية ليس فقط لليبرالية وإنما كذلك للديموقراطية حيث تجري محاولات لتقييد وسائل الإعلام، ويغدو عنصري مثل المراسل العسكري للقناة الثانية، روني دانييل، بطلاً قومياً لا لشيء إلا لأنه يرقص فوق دماء الفلسطينيين. وقيادة الليكود الجديدة لا تخفي عداءها للأجانب، وللعرب، وللمحكمة الإسرائيلية العليا. وقد أبدت هذا العداء في عبارات مثل «المهاجرون سرطان» والدكتور أحمد «الطيبي طابور خامس»، و«حنين الزعبي خائنة»، و«الصحافة يسارية» و«القضاء مهزلة». وقاد بعض هؤلاء حملات سن قوانين تقيد حقوق الأقليات والقضاء والحريات العامة بما فيها حرية التعبير. ويرى كثيرون أن هذا ليس حال الليكود وحده وإنما هو حال إسرائيل بأسرها. فالقوى الأخرى ليست أحسن حالاً، وهي ترتكز في قاعدتها الانتخابية على أجواء تزداد يمينية. وكما سلف هذا هو الحال في غالبية الأحزاب، وخصوصاً من تعتبر نفسها أحزاب وسط مثل «يوجد مستقبل» و«كديما» و«العمل»، والتي تتنافس في ما بينها على عرض مواقف تزداد يمينية. وهنا يأتي دور تسيبي ليفني التي أعلنت أمس عن عودتها عن قرار اعتزال الحياة السياسية، ومحاولتها بلورة معسكر مناهض لنتنياهو. وأعلنت ليفني «أنني جئت للمحاربة من أجل إسرائيل، الأمن والسلام»، من دون أن توضح اسم «الحركة» التي ترمي إلى تشكيلها. ولكن فور إعلان عودتها إلى الحياة السياسية كان أربعة من أعضاء الكنيست من كديما يعلنون انضمامهم إليها، الأمر الذي سيترك كديما بزعامة شاؤول موفاز أقرب إلى جثة هامدة. وأشارت ليفني إلى أنها لا تنوي الاتحاد مع أحد من حزب العمل أو «يوجد مستقبل» لكنها لن توصي أمام الرئيس إلا على مرشح لرئاسة الحكومة من داخل معسكر الوسط. وبررت ليفني عودتها قائلة «ليس هناك بديل شخصي أو فكري لرئيس الحكومة كما ليس هناك من يمثل آراءنا في المواضيع الحاسمة لدولة إسرائيل». وأشارت إلى نتائج انتخابات الليكود قائلة «لقد خسر نتنياهو أمس في الليكود ويمكنه أن يخسر الانتخابات. أمس كان انتصار فايغلين وخسارة نتنياهو، وفي الانتخابات سيخسر نتنياهو وننتصر جميعنا». ولكن، كما هو معروف، فإن استطلاعات الرأي حتى الآن، وبرغم الهزات، تواصل تأكيد فوز معسكر اليمين بغالبية كبيرة وفوز بنيامين نتنياهو برئاسة الحكومة.  

المصدر : الماسة السورية


اكتب تعليق

كل الحقول التي عليها علامة (*) مطلوبة