تعددت وسائل المعركة الدائرة على أرض الشام، منها ما حمل الطابع الإعلامي ومنها العسكري والامني، ولكن هنالك نوعا ثالثا حمل الأوجه كافة ليلخّص حجم الأجهزة والقوى المشتركة في عملية الهجوم والمواجهة الممنهجة.

"بابا عمرو" اسم حمل الكثير من المعاني والمشاهد التي لخصت الوجهة الحقيقية للمعركة الدائرة بين منظومة المقاومة من جهة والحلف الأميركي "الاسرائيلي" من جهة اخرى، متخذة هذه المرّة الأراضي السورية ساحة لها. ومع سقوط "امارة" بابا عمرو الاسلامية، بعد تحريرها من الجماعات الارهابية السلفية على أيدي وحدات الجيش السوري، تكشفت أسرار وخفايا كثيرة، فكت طلاسم الحلقة السورية من المواجهة الكبرى التي تجلت فيها صور الحرب العالمية.

وفي هذا السياق كشف المفكر الفرنسي ثييري ميسان، ما شاهده بأم العين منذ اللحظات الأولى لهذه المواجه، في تقرير له تحت عنوان:هل "الحرب القمعية" على بابا عمرو أكبر كذبة سياسية منذ 11 أيلول؟

حاول تيري ميسان إثبات ذلك عبر العرض الذي تحدّث فيه عن الفرار المزعوم للصحافيين الغربيين، مبيناً فيه أن بعضهم كان جزءاً من عصابات ما يسمى "الجيش السوري الحرّ".

وذكر ميسان بأنه لم تتمكن دول حلف شمال الأطلسي ومجلس التعاون الخليجي من إطلاق حربٍ تقليدية ضد سورية لكنها قامت بالتحضير لها على امتداد عشرة أشهر من خلال شنّ حرب عصابات ترافقها حرب اقتصادية وإعلامية. تحوّلت مدينة حمص إلى مثالٍ لهذه المواجهة حيث اجتاحت عصابات ما يسمى "الجيش السوري الحرّ" حييّ بابا عمرو والانشاءات وأعلنت إمارة إسلامية فيها وهي عملية تبيّن مشروعها السياسي الحقيقي.

بفضل دعم روسيا التي لا تزال تعاني من تجربة الإمارة الإسلامية الشيشانية، والصين التي تحرص على أن يقوم النظام في دمشق بحماية مواطنيه، شنّ الجيش السوري الوطني هجومه في 9 شباط بعد أن فشلت جميع محاولات التفاوض والوساطة.

بعد هزيمة العصابات، انكفأت بقايا مجموعاتها لتتحصّن في منطقة تبلغ مساحتها 40 هكتارا، لتتمّ على الفور محاصرة هذه المنطقة من قبل القوات العسكرية الوطنية النظامية، وتقلّصت مساحتها تدريجياً حتى وقعت في يد الجيش النظامي في الأول من آذار.

طوال هذه الفترة تمّ استخدام وسائل إعلام كبيرة لتشويه حقيقة هذه الإمارة البشعة والظالمة وإظهارها على أنها ثورة مزعومة ضد قمعٍ مزعوم. تمّ الاهتمام بشكلٍ خاص بإظهار أن آلاف المدنيين يُقصفون بالمدفعية والطيران السوري. قلب هذه البروبغندا مركز إعلامي تستخدمه قنوات دول التحالف مثل الجزيرة (قطر) والعربية (المملكة العربية السعودية) وفرنسا (فرنسا 24) وبي بي سي (لندن) وسي أن أن (الولايات المتحدة) وقام الصحافيون "الإسرائيليون" بالتنسيق الإعلامي لهذه الفضائيات.

واعتبر المفكر الفرنسي أنه يحق للرأي العام في الغرب وفي الخليج أن يتساءل من الذي يقدّم الصورة الحقيقية. هل هي منظمة حلف شمال الأطلسي ومجلس التعاون الخليجي؟ أم هي منظمة شنغهاي للتعاون؟

واعتمد في تقريره على الأفلام المصوّرة التي بثّتها المحطات الغربية والخليجية وشهادات ناجين جمعها موقع فولتير في سورية ووثائق تمّ العثور عليها في المركز الإعلامي في الإمارة الإسلامية.

وذكر بأن صحافيين غربيين كانوا محاصرين في الإمارة أطلقوا نداء استغاثة عبر الانترنت. بدا اثنان منهما جريحين والثالث بصحّة جيّدة. حوّلت دولهم عملية إخراجهم أحياء إلى موقفٍ مبدئي. أوفدت فرنسا ممثلاً لها ليتفاوض مع المتمردين. عدد آخر من الدول من بينها روسيا وبسبب حرصها على خفض منسوب الضغط في الشرق الأوسط قرّرت تقديم خدماتها.

شارك "ميسان" شخصياً في هذا الجهد الجماعي. في الواقع رفضت الصحافية الفرنسية الاستفادة من العرض الأول للخروج بحماية الصليب الأحمر الدولي والهلال الأحمر السوري. يقول ميسان:"حملت مهمتي وجهين الأول الاتصال بمواطنيّ وإعلامهم بالسياق السياسي والعسكري للأمور ثم تسهيل اتصالهم بموظّف فرنسي مهمته وضعهم تحت الحماية الدبلوماسية. بعد ذلك كان يجب أن أعلم من يسعى لإحلال السلام في المنطقة وأقوم بتقييم حسن نية المناصرين.

كما يعلم الجميع فشلت المفاوضات ولاحظ موفدو أجهزة الاستخبارات من مختلف الدول المعنية أن السلطات السورية والمنظمات الإنسانية بذلت أقصى جهدها وأن الحصار مسؤولية "الجيش السوري الحرّ" وحده دون سواه.

لذا كانت مفاجأة المفاوضين كبيرة (سواء كانت حقيقية أم لا) حين علموا بأن الصحافيين الثلاثة الذين حاولنا إخراجهم بالإضافة إلى صحافي رابع لم يرغب بالمساعدة قد عبروا خطوط عصابات "الجيش السوري الحرّ"، وتلك المرتبطة بالجيش السوري الوطني، وانتقلوا بوسائلهم الخاصة إلى لبنان!

ويضيف ميسان في تقريره، بعد فترة من الارتباك وبعد التحقق من أن المفاوضين الروس الذين كانوا يعملون بشكلٍ موازٍ لم يتمكنوا من إنجاز أي تقدّمٍ علم أن "كوماندوس" من دولة غربية كبيرة قام بإخراج الصحافيين الأربعة وربّما أشخاص آخرين في الوقت الذي كنا نخاطر فيه بحياتنا دون جدوى. في هذه الحالة لا شيء يمنعني من التحدّث عن خلفيات هذه المسألة. سأستثني في هذه المقالة فقط أسماء الموظفين والأشخاص المشاركين من جهة النظام فقط لكي أحافظ على قدرتهم على العمل من أجل السلام وذلك على الرغم من أن ذكر بعض التفاصيل كان من أجل فائدة تعليمية كبيرة لقرّائنا.

لا شكّ لدي بأن الناجين من بابا عمرو سوف ينشرون روايتهم لما حصل وذلك بهدف دعم الرواية الأطلسية لما يجري في سورية. سوف يستمرون في الكذب كما فعلوا طوال الوقت لذا أريد أولاً أن أشهد على ما شاهدته بأمّ العين وذلك لأعطل نسيج الأكاذيب الذي يحيكونه لنا.

وفق الرواية الإعلامية الحالية لقد تمّ قمع "ثورة" بوحشية. وصحافيون غربيون تدفعهم فقط رغبتهم في نقل الحقيقة حضروا وشاهدوا ليشهدوا. تقهقر المتمردون تدريجياً ليتحصنوا في النهاية في حيّ بابا عمرو حيث بقوا ثلاثة أسابيع تحت وابل من الرصاص والقذائف. وتمّ قصف مركزهم الإعلامي الأربعاء 22 شباط 2012. خلال هذا القصف قتل كل من ماري كولفن (سانداي تايمز) وريمي أوشليك (إي بي 3 بريس) في حين جُرح كل من إيديث بوفيه (لو فيغارو ماغازين) وبول كانروي (سانداي تايمز). بقي معهما ويليام دانييلز (سابقاً في فغارو ماغازين والآن في تايم ماغازين) أما خافيير إسبينوزا (إل موندو) فانفصل عن المجموعة. قام الناجون بتسجيل أربعة تسجيلات مصورة على الانترنت وسردوا من خلالها قصة غريبة (هذه هي الرواية الأطلسية).

قصة موت ماري كولسن وريمي أوشليك

علمنا بموت ماري كولسن وريمي أوشليك من تسجيل بثّته عصابات ما يسمى بـ"الجيش السوري الحرّ"، وتمّ العثور على جثّتيهما بعد سقوط الإمارة والتعرّف عليهما من قبل السفير الفرنسي والسفير البولوني ممثلاً نظيره الأميركي.

اشتهرت ماري كولسن بأزيائها الأنيقة والتناقض الذي كانت تستثمره جيّداً بين نعومة ملابسها النسائية وصرامة الضمادة التي تخفي عينها المفقودة. التصوير الذي يظهر الجثتين من الخلف فقط حقيقي وأكّدته وسائل إعلامية كثيرة بثّته. يبدو الصحفيان في الزيّ العسكري ومن المفترض أن نسأل هنا لماذا لم يولّد هذا التفصيل، غير المناسب لصحفيين غير مقاتلين متواجدين في ساحة معركة، أسئلة لدى الرأي العام أو اعتراض لدى أبناء المهنة.

الجريحان إيديث بوفيه وبول كونروي في المستوصف

في التسجيل الثاني قدّم ممثّل الهلال الأحمر السوري في "الإمارة" طبيب الأسنان الدكتور علي، الذي كرّس نفسه بشجاعة للجرحى، إيديث بوفيه وبول كونروي وهما مستلقيان على سريرين في مستوصف في مستشفى. ثم أدلى عنصر من "الجيش السوري الحر" يطلق على نفسه اسم "الدكتور محمد" ويرتدي مريولاً أزرق وسماعة بتصريح "ثوري".

لا بد من الانتباه هنا إلى ثلاثة عناصر في التسجيل:

إيديث بوفيه ترفض الإفصاح عن هويتها على الرغم من وضوحها أمام المشاهدين وتحاول إخفاء وجهها.

بول كونروي يبدو قلقاً وغير موافق على ما يجري.

"الدكتور محمد" نجم من نجوم التسجيلات المصوّرة لدى "المعارضة السورية" وهو يلعب دور طبيب "ثوري" وهو ليس طبيباً. يتحدث بلغة مبهمة تخلو من أية تعابير طبّية لكنها ممتلئة بالمصطلحات السلفية.

كل الأمور تشير إلى أن "دكتور محمد" استغل الفرصة والطبيب الحقيقي والصحافيين لترتيب مسرحية تبالغ في تصوير الوضع بشكلٍ مخذٍ.

رسالة أخرى من بول كونروي من حجرته

في تسجيل ثالث يبدو المصوّر البريطاني بول كونروي منفرداً ومستلقياً على كنبة بعد أن تلقى العلاج وهو يطلب المساعدة ويؤكد أنه ضيف لا سجين.

وهو يبدو مرتبكاً كما في المرة الأولى ويحاول تمرير بعض التلميحات إلى المستمعين. فهو يدعو "المؤسسات الدولية" إلى التدخّل بما "أنها تعمل للغاية عينها في الميدان". من هي هذه "المؤسسات الدولية" التي بإمكانها إخراجه من الإمارة؟ لا يمكن إلا أن تكون وكالات عامة سواء كانت عالمية مثل تلك التابعة للأمم المتحدة أو وطنية مثل وكالات الاستخبارات. وماذا تعني عبارة "تعمل للغاية عينها في الميدان"؟ لا يمكن أن يقصد نشاطات الأمم المتحدة لأنها لا تمارس الصحافة. التفسير الوحيد الممكن هو أنه يطلب مساعدة وكالات استخبارات حليفة مذكراً بانتمائه إلى وكالة استخبارات بريطانية.

بخلاف ماري كولسن التي كان يرافقها كمصوّر لمقالاتها في "سانداي تايمز" لا يرتدي بول كونروي الزيّ العسكري في ميدان المعركة لكنّه ليس بحاجة إليه كي يعرّف عن نفسه.

يتدخل هنا "دكتور محمد" ليبلغنا تشخيصه بأن بول كونروي أصيب في ساقه بصاروخ غراد. ويرينا ساقاً مضمدة بضمادات ممتلئة بالدماء. على الرغم من خطورة الإصابة وحداثتها لا تبدو الساق منتفخة أبداً. يبدو أن "دكتور محمد" يستحق اسمه إذا أنه على الرغم من غياب أية دراسة طبية لديه إلا إنه قادر على القيام بمعجزات علمية.

في نهاية حديثه يضيف بول كونروي رسالة لتطمين "عائلته والأصدقاء في إنكلترا" "أنا بخير" وإذا كان المعنى الضمني قد خفي على "دكتور محمد" إلا أن من يعرفون أن بول كونروي إيرلندي من الشمال وليس إنكليزياً لن يصعب عليهم تفكيك كلامه. يتوجّه "المصوّر" في حديثه إلى وكالة الاستخبارات العسكرية البريطانية التي يعمل لديها لكي يلفت نظرها إلى أن هذه المهزلة لا يجب أن تخدعهم فهو بصحة جيّدة.

هذه المرة يبدو أن بول كونروي هو من يستخدم مسرحية "دكتور محمد" ليمرّر رسالته في حين تعجزه إصابته عن الحركة

 

 البناء

  • فريق ماسة
  • 2012-03-17
  • 6749
  • من الأرشيف

الحرب القمعية على بابا عمرو .... أكبر كذبة سياسية منذ 11 أيلول

تعددت وسائل المعركة الدائرة على أرض الشام، منها ما حمل الطابع الإعلامي ومنها العسكري والامني، ولكن هنالك نوعا ثالثا حمل الأوجه كافة ليلخّص حجم الأجهزة والقوى المشتركة في عملية الهجوم والمواجهة الممنهجة. "بابا عمرو" اسم حمل الكثير من المعاني والمشاهد التي لخصت الوجهة الحقيقية للمعركة الدائرة بين منظومة المقاومة من جهة والحلف الأميركي "الاسرائيلي" من جهة اخرى، متخذة هذه المرّة الأراضي السورية ساحة لها. ومع سقوط "امارة" بابا عمرو الاسلامية، بعد تحريرها من الجماعات الارهابية السلفية على أيدي وحدات الجيش السوري، تكشفت أسرار وخفايا كثيرة، فكت طلاسم الحلقة السورية من المواجهة الكبرى التي تجلت فيها صور الحرب العالمية. وفي هذا السياق كشف المفكر الفرنسي ثييري ميسان، ما شاهده بأم العين منذ اللحظات الأولى لهذه المواجه، في تقرير له تحت عنوان:هل "الحرب القمعية" على بابا عمرو أكبر كذبة سياسية منذ 11 أيلول؟ حاول تيري ميسان إثبات ذلك عبر العرض الذي تحدّث فيه عن الفرار المزعوم للصحافيين الغربيين، مبيناً فيه أن بعضهم كان جزءاً من عصابات ما يسمى "الجيش السوري الحرّ". وذكر ميسان بأنه لم تتمكن دول حلف شمال الأطلسي ومجلس التعاون الخليجي من إطلاق حربٍ تقليدية ضد سورية لكنها قامت بالتحضير لها على امتداد عشرة أشهر من خلال شنّ حرب عصابات ترافقها حرب اقتصادية وإعلامية. تحوّلت مدينة حمص إلى مثالٍ لهذه المواجهة حيث اجتاحت عصابات ما يسمى "الجيش السوري الحرّ" حييّ بابا عمرو والانشاءات وأعلنت إمارة إسلامية فيها وهي عملية تبيّن مشروعها السياسي الحقيقي. بفضل دعم روسيا التي لا تزال تعاني من تجربة الإمارة الإسلامية الشيشانية، والصين التي تحرص على أن يقوم النظام في دمشق بحماية مواطنيه، شنّ الجيش السوري الوطني هجومه في 9 شباط بعد أن فشلت جميع محاولات التفاوض والوساطة. بعد هزيمة العصابات، انكفأت بقايا مجموعاتها لتتحصّن في منطقة تبلغ مساحتها 40 هكتارا، لتتمّ على الفور محاصرة هذه المنطقة من قبل القوات العسكرية الوطنية النظامية، وتقلّصت مساحتها تدريجياً حتى وقعت في يد الجيش النظامي في الأول من آذار. طوال هذه الفترة تمّ استخدام وسائل إعلام كبيرة لتشويه حقيقة هذه الإمارة البشعة والظالمة وإظهارها على أنها ثورة مزعومة ضد قمعٍ مزعوم. تمّ الاهتمام بشكلٍ خاص بإظهار أن آلاف المدنيين يُقصفون بالمدفعية والطيران السوري. قلب هذه البروبغندا مركز إعلامي تستخدمه قنوات دول التحالف مثل الجزيرة (قطر) والعربية (المملكة العربية السعودية) وفرنسا (فرنسا 24) وبي بي سي (لندن) وسي أن أن (الولايات المتحدة) وقام الصحافيون "الإسرائيليون" بالتنسيق الإعلامي لهذه الفضائيات. واعتبر المفكر الفرنسي أنه يحق للرأي العام في الغرب وفي الخليج أن يتساءل من الذي يقدّم الصورة الحقيقية. هل هي منظمة حلف شمال الأطلسي ومجلس التعاون الخليجي؟ أم هي منظمة شنغهاي للتعاون؟ واعتمد في تقريره على الأفلام المصوّرة التي بثّتها المحطات الغربية والخليجية وشهادات ناجين جمعها موقع فولتير في سورية ووثائق تمّ العثور عليها في المركز الإعلامي في الإمارة الإسلامية. وذكر بأن صحافيين غربيين كانوا محاصرين في الإمارة أطلقوا نداء استغاثة عبر الانترنت. بدا اثنان منهما جريحين والثالث بصحّة جيّدة. حوّلت دولهم عملية إخراجهم أحياء إلى موقفٍ مبدئي. أوفدت فرنسا ممثلاً لها ليتفاوض مع المتمردين. عدد آخر من الدول من بينها روسيا وبسبب حرصها على خفض منسوب الضغط في الشرق الأوسط قرّرت تقديم خدماتها. شارك "ميسان" شخصياً في هذا الجهد الجماعي. في الواقع رفضت الصحافية الفرنسية الاستفادة من العرض الأول للخروج بحماية الصليب الأحمر الدولي والهلال الأحمر السوري. يقول ميسان:"حملت مهمتي وجهين الأول الاتصال بمواطنيّ وإعلامهم بالسياق السياسي والعسكري للأمور ثم تسهيل اتصالهم بموظّف فرنسي مهمته وضعهم تحت الحماية الدبلوماسية. بعد ذلك كان يجب أن أعلم من يسعى لإحلال السلام في المنطقة وأقوم بتقييم حسن نية المناصرين. كما يعلم الجميع فشلت المفاوضات ولاحظ موفدو أجهزة الاستخبارات من مختلف الدول المعنية أن السلطات السورية والمنظمات الإنسانية بذلت أقصى جهدها وأن الحصار مسؤولية "الجيش السوري الحرّ" وحده دون سواه. لذا كانت مفاجأة المفاوضين كبيرة (سواء كانت حقيقية أم لا) حين علموا بأن الصحافيين الثلاثة الذين حاولنا إخراجهم بالإضافة إلى صحافي رابع لم يرغب بالمساعدة قد عبروا خطوط عصابات "الجيش السوري الحرّ"، وتلك المرتبطة بالجيش السوري الوطني، وانتقلوا بوسائلهم الخاصة إلى لبنان! ويضيف ميسان في تقريره، بعد فترة من الارتباك وبعد التحقق من أن المفاوضين الروس الذين كانوا يعملون بشكلٍ موازٍ لم يتمكنوا من إنجاز أي تقدّمٍ علم أن "كوماندوس" من دولة غربية كبيرة قام بإخراج الصحافيين الأربعة وربّما أشخاص آخرين في الوقت الذي كنا نخاطر فيه بحياتنا دون جدوى. في هذه الحالة لا شيء يمنعني من التحدّث عن خلفيات هذه المسألة. سأستثني في هذه المقالة فقط أسماء الموظفين والأشخاص المشاركين من جهة النظام فقط لكي أحافظ على قدرتهم على العمل من أجل السلام وذلك على الرغم من أن ذكر بعض التفاصيل كان من أجل فائدة تعليمية كبيرة لقرّائنا. لا شكّ لدي بأن الناجين من بابا عمرو سوف ينشرون روايتهم لما حصل وذلك بهدف دعم الرواية الأطلسية لما يجري في سورية. سوف يستمرون في الكذب كما فعلوا طوال الوقت لذا أريد أولاً أن أشهد على ما شاهدته بأمّ العين وذلك لأعطل نسيج الأكاذيب الذي يحيكونه لنا. وفق الرواية الإعلامية الحالية لقد تمّ قمع "ثورة" بوحشية. وصحافيون غربيون تدفعهم فقط رغبتهم في نقل الحقيقة حضروا وشاهدوا ليشهدوا. تقهقر المتمردون تدريجياً ليتحصنوا في النهاية في حيّ بابا عمرو حيث بقوا ثلاثة أسابيع تحت وابل من الرصاص والقذائف. وتمّ قصف مركزهم الإعلامي الأربعاء 22 شباط 2012. خلال هذا القصف قتل كل من ماري كولفن (سانداي تايمز) وريمي أوشليك (إي بي 3 بريس) في حين جُرح كل من إيديث بوفيه (لو فيغارو ماغازين) وبول كانروي (سانداي تايمز). بقي معهما ويليام دانييلز (سابقاً في فغارو ماغازين والآن في تايم ماغازين) أما خافيير إسبينوزا (إل موندو) فانفصل عن المجموعة. قام الناجون بتسجيل أربعة تسجيلات مصورة على الانترنت وسردوا من خلالها قصة غريبة (هذه هي الرواية الأطلسية). قصة موت ماري كولسن وريمي أوشليك علمنا بموت ماري كولسن وريمي أوشليك من تسجيل بثّته عصابات ما يسمى بـ"الجيش السوري الحرّ"، وتمّ العثور على جثّتيهما بعد سقوط الإمارة والتعرّف عليهما من قبل السفير الفرنسي والسفير البولوني ممثلاً نظيره الأميركي. اشتهرت ماري كولسن بأزيائها الأنيقة والتناقض الذي كانت تستثمره جيّداً بين نعومة ملابسها النسائية وصرامة الضمادة التي تخفي عينها المفقودة. التصوير الذي يظهر الجثتين من الخلف فقط حقيقي وأكّدته وسائل إعلامية كثيرة بثّته. يبدو الصحفيان في الزيّ العسكري ومن المفترض أن نسأل هنا لماذا لم يولّد هذا التفصيل، غير المناسب لصحفيين غير مقاتلين متواجدين في ساحة معركة، أسئلة لدى الرأي العام أو اعتراض لدى أبناء المهنة. الجريحان إيديث بوفيه وبول كونروي في المستوصف في التسجيل الثاني قدّم ممثّل الهلال الأحمر السوري في "الإمارة" طبيب الأسنان الدكتور علي، الذي كرّس نفسه بشجاعة للجرحى، إيديث بوفيه وبول كونروي وهما مستلقيان على سريرين في مستوصف في مستشفى. ثم أدلى عنصر من "الجيش السوري الحر" يطلق على نفسه اسم "الدكتور محمد" ويرتدي مريولاً أزرق وسماعة بتصريح "ثوري". لا بد من الانتباه هنا إلى ثلاثة عناصر في التسجيل: إيديث بوفيه ترفض الإفصاح عن هويتها على الرغم من وضوحها أمام المشاهدين وتحاول إخفاء وجهها. بول كونروي يبدو قلقاً وغير موافق على ما يجري. "الدكتور محمد" نجم من نجوم التسجيلات المصوّرة لدى "المعارضة السورية" وهو يلعب دور طبيب "ثوري" وهو ليس طبيباً. يتحدث بلغة مبهمة تخلو من أية تعابير طبّية لكنها ممتلئة بالمصطلحات السلفية. كل الأمور تشير إلى أن "دكتور محمد" استغل الفرصة والطبيب الحقيقي والصحافيين لترتيب مسرحية تبالغ في تصوير الوضع بشكلٍ مخذٍ. رسالة أخرى من بول كونروي من حجرته في تسجيل ثالث يبدو المصوّر البريطاني بول كونروي منفرداً ومستلقياً على كنبة بعد أن تلقى العلاج وهو يطلب المساعدة ويؤكد أنه ضيف لا سجين. وهو يبدو مرتبكاً كما في المرة الأولى ويحاول تمرير بعض التلميحات إلى المستمعين. فهو يدعو "المؤسسات الدولية" إلى التدخّل بما "أنها تعمل للغاية عينها في الميدان". من هي هذه "المؤسسات الدولية" التي بإمكانها إخراجه من الإمارة؟ لا يمكن إلا أن تكون وكالات عامة سواء كانت عالمية مثل تلك التابعة للأمم المتحدة أو وطنية مثل وكالات الاستخبارات. وماذا تعني عبارة "تعمل للغاية عينها في الميدان"؟ لا يمكن أن يقصد نشاطات الأمم المتحدة لأنها لا تمارس الصحافة. التفسير الوحيد الممكن هو أنه يطلب مساعدة وكالات استخبارات حليفة مذكراً بانتمائه إلى وكالة استخبارات بريطانية. بخلاف ماري كولسن التي كان يرافقها كمصوّر لمقالاتها في "سانداي تايمز" لا يرتدي بول كونروي الزيّ العسكري في ميدان المعركة لكنّه ليس بحاجة إليه كي يعرّف عن نفسه. يتدخل هنا "دكتور محمد" ليبلغنا تشخيصه بأن بول كونروي أصيب في ساقه بصاروخ غراد. ويرينا ساقاً مضمدة بضمادات ممتلئة بالدماء. على الرغم من خطورة الإصابة وحداثتها لا تبدو الساق منتفخة أبداً. يبدو أن "دكتور محمد" يستحق اسمه إذا أنه على الرغم من غياب أية دراسة طبية لديه إلا إنه قادر على القيام بمعجزات علمية. في نهاية حديثه يضيف بول كونروي رسالة لتطمين "عائلته والأصدقاء في إنكلترا" "أنا بخير" وإذا كان المعنى الضمني قد خفي على "دكتور محمد" إلا أن من يعرفون أن بول كونروي إيرلندي من الشمال وليس إنكليزياً لن يصعب عليهم تفكيك كلامه. يتوجّه "المصوّر" في حديثه إلى وكالة الاستخبارات العسكرية البريطانية التي يعمل لديها لكي يلفت نظرها إلى أن هذه المهزلة لا يجب أن تخدعهم فهو بصحة جيّدة. هذه المرة يبدو أن بول كونروي هو من يستخدم مسرحية "دكتور محمد" ليمرّر رسالته في حين تعجزه إصابته عن الحركة    البناء

المصدر : الماسة السورية


اكتب تعليق

كل الحقول التي عليها علامة (*) مطلوبة