دليل ماسة
أكثر الروابط استخداما
تعيش المملكة السعودية اليوم حالة إرباك شديدة. الخبر في ظاهره لا يحمل جديداً. «الربيع العربي» أدخل الأنظمة الديكتاتورية بما فيها الملكية، في حالة عصاب غير مسبوقة. لكن معضلة الرياض اليوم ذات طبيعة خاصة: كيف يمكنها تجاوز عدائها التاريخي مع حركة «الإخوان المسلمين» التي تعيش عصرها الذهبي عربياً؟ وكيف تتعامل، بمخاوفها المتجذرة، مع حركة تجد نفسها اليوم وإياها في خندق واحد في سوريا ودول أخرى من جهة، وتستشعر خطر إسلامها السياسي يهدّد نظامها الملكي الذي ضمن استمراريته برداء شرعية «احتكاره» السلطة الدينية... والحدود الواضحة بين السياسة والدين في تعامله مع التيار السلفي الداخلي من جهة اخرى؟
فصول العداء التاريخي
لا يمكن استقراء الانقسام الإيديولوجي والسياسي الحالي بين المؤسسة السياسية السعودية وحركة «الإخوان المسلمين» خارج الجذور الممتدة في تاريخ كل من الطرفين.
في الواقع، تتبع غالبية سكان المملكة المذهب الوهابي، نسبة إلى محمد بن عبد الوهاب صاحب الإيديولوجية الوهابية التي يفترض انها تسعى لـ«تطهير» العقيدة وتنقية الممارسات الدينية في الإسلام. وقد ارتكزت الوهابية على تفسيرات محمد بن عبد الوهاب المتشددة لتعاليم السلف الصالح (صحابة الرسول ومن تلاه بعد جيلين). ووفقاً للنظرة السلفية، فإن أي انحراف عن صلب مبادئ الرسول الدينية مرفوض رفضاً قاطعاً ويمثل لوثة ينبغي اسئصالها. كان العام 1744 مفصليا، حيث شهد نشوء تحالف وثيق بين محمد بن عبد الوهاب ومؤسس الدولة السعودية الأولى محمد بن سعود، ومع إدارة آل سعود للشؤون السياسية للدولة، كان بإمكان سلالة بن عبد الوهاب والمقربين منه أن يمارسوا سلطتهم من خلال المؤسسة الدينية، من دون الحاجة للانخراط في النشاط السياسي.
في المقابل، تبنت حركة «الإخوان المسلمين»، منذ تأسيسها في العام 1928 على يد حسن البنا، نهجاً أكثر تكيفاً تجاه الإسلام، حيث مزجت بين الفكر السياسي الغربي الحديث والتقاليد الإسلامية. وخلافا للسلفيين الذين كانوا خارج فلك السياسة، سعى «الإخوان» لإقامة دولة إسلامية في أنحاء العالمين العربي والإسلامي لاحتواء صعود القومية العربية العلمانية.
عند تأسيس المملكة العربية السعودية في العام 1932، كانت حركة «الإخوان» في مصر تعيش مراحلها الأولى، ولم تكن تمثل أي خطر على العائلة المالكة في السعودية، لكن مع تمدد الحركة، كظاهرة سياسية منظمة، بدأت العائلة المالكة تستشعر خطر انتشار «الإخوان» الذين كانوا يمثلون بدعوتهم إلى نظام جمهوري إسلامي تناقضاً صارخاً مع النظام الملكي السعودي.
وقبل الانغماس في مواجهة خطر «الإخوان» الصاعد، جاءت الناصرية في العام 1952، بتوجهها القومي العلماني اليساري، لتوحد مصالح «الإخوان» والعائلة المالكة في السعودية، إذ حاولت الأخيرة استخدام الحركة لاحتواء «ظاهرة» عبد الناصر، وأمنت في المقابل لقادتها الملجأ من قمع النظام. ومن بين هؤلاء القادة، كان محمد قطب، شقيق المفكر الإسلامي الذي يعد من الأكثر تأثيراً في القرن العشرين، سيد قطب.
كان لجوء قادة «الإخوان» إلى المملكة وراء ما حصل من تبادل فكري بين السلفيين و«الإخوان» الذين وجدوا أنفسهم في خندق واحد لمحاربة الناصرية المدعومة سوفياتياً. وكانت أفغانستان ساحة المعركة الأكثر وضوحاً، حيث حمل فيها السلفيون و«الإخوان» أفكاراً مشتركة أثمرت في عدد من الأحيان مركبات فكرية جديدة. وفي هذا الإطار، يؤكد صاحب كتاب «في مواجهة التشدد» حمزة المزيني لـ«السفير» مسؤولية «الإخوان» عن تنظيم التشدد كبرنامج سياسي في المملكة، إذ كان التشدد على ايدي السلفيين غير فاعل وغير سياسي قبل أن يأتي «الإخوان».
وفي وقت حافظت الحركة، بشكل أو بآخر، على طابعها الأساسي خلال تلك الفترة، تأثرت السلفية، التي كانت خالية إلى حدّ كبير من الفلسفة السياسية، بشدة بأفكار سيد قطب ما أضعف شبكة الدعم السلفية في المملكة. وربما يكون أبرز مثال على هذه الديناميكية، تلك العلاقة التي نشأت بين أسامة بن لادن وعبد الله عزام، الباحث الفلسطيني في جماعة الإخوان وزعيم المقاتلين العرب في أفغانستان خلال الثمانينيات. وبفعل أفكار عزام وتوجيهاته، خضعت السلفية لتحول جذري. ولم يكن بن لادن قد تبنى حينها الفكر الجهادي بعد تأثره بأيمن الظواهري في العام 1990.
وفي العام 1979، شكلت الثورة الإسلامية تحدياً للمملكة، حيث أنتجت نموذجا لقيام دولة إسلامية وفق النمط الحديث عززت فرضية أن يحكم الإخوان المسلمون وفقاً لأطر تناقض الحكم الإسلامي في السعودية.
ما لم تستطع السعودية تفاديه هو انتشار الأفكار الإسلامية، وقد تجسدت هذه الأفكار بصورتها الصارخة بعد حرب الخليج في العام 1991. فبعد اجتياح صدام حسين للكويت لتغيير ميزان القوى في الخليج، اعتمدت السعودية على أميركا لضمان أمنها القومي. ووجد النظام الملكي نفسه حينها عرضة لسيل من الانتقادات من الكثيرين في المؤسسة الدينية السعودية فضلاً عن المجتمع المدني بعد أن كشفت الحرب عن مكامن الضعف والخلل المتأصلة في المملكة. ونمت بشدة دعوات الإصلاح بين مجموعة من علماء الدين السنة الذين طالبوا بحق التعبير عن الرأي وانتقاد الحكومة وتوسيع دائرة الحكم إلى أبعد من العائلة الحاكمة، فضلاً عن المطالبة بتقديم الحكام السعوديين إلى المساءلة عن قراراتهم. وقد عُرف التيار الإصلاحي حينها بكلمة الصحوة.
تعقيدات «11 أيلول»
في تقرير أعده مركز «ستراتفور»، يعتبر أن تفجيرات «11 أيلول» وضعت العائلة المالكة في موقف حرج إزاء الغرب لاضطرارها لتفسير موقف «القاعدة» السلفي المتشدد أمام واشنطن التي لم تكن قادرة على تمييز الاختلافات داخل التيار السلفي نفسه، محمّلة السعودية مسؤولية احتواء هذه النسخة المتطرفة من السلفية.
وفي العام 2003، مع تحول السعودية إلى هدف رئيسي للحركة الجهادية، كانت هناك حاجة ملحة لإصلاح جذري في التيار السلفي. وبُذل في هذا الإطار جهد غير مسبوق لإعادة إحياء تحالف المملكة التاريخي مع العلماء. وقد نجح هؤلاء في الاستفادة من جميع الشبكات الدينية والقبلية والأمنية والتجارية، التي كانت تعتمد عليها «القاعدة» لنسج علاقاتها، لمحاربة التنظيم من خلال التأكيد على انحرافه عن الإيديولوجية السلفية التقليدية.
وما زاد الأمور تعقيداً، بحسب «ستراتفور»، كان المطالبات المستمرة من إدارة بوش للتحول نحو إصلاحات ديموقراطية. ومن وجهة نظر السعودية، كان الانفتاح الديموقراطي سيساعد على شرعنة إيديولوجية الإسلام السياسي لـ«لإخوان» وسيزعزع بالتالي الحكم الملكي.
تحديات «الربيع العربي»
قبل العام 2011، كانت المملكة قادرة على إدارة هذه المروحة من التحديات. لكن الحراك العربي الذي اجتاح المنطقة خلال العام الماضي شكل تهديداً وجودياً للنظام الملكي.
يؤكد الخبير في الإسلام السياسي فائق بولوط لـ«السفير» أن السعودية لم تستعدّ يوماً لأن يحتل «الإخوان» المشهد السياسي، ومع «وقوع الواقعة» شعرت الرياض بأن زمانها، كمركز الجاذبية للحركات الدينية، قد ولى. فالسعودية كانت دائماً تقدم نفسها على أنها المسؤولة عن الأراضي المقدسة ومركز الإسلام.
معضلة السعودية وصلت إلى ذروة تعقدها مع اندلاع الأزمة السورية. ففي الأخيرة وجدت الرياض فرصة ذهبية لاحتواء إيران التي تهدد بالتمدد الشيعي. لكن التحدي الذي واجهته المملكة هنا كان تعارض سياسة الاحتواء التي تتبعها ضدّ إيران في سوريا مع سياسة احتواء الإسلام كإيديولوجيا سياسية على أراضيها. وانطلاقاً مما أحرزه «الإخوان» من تقدم سياسي في العالم العربي جعلهم الخيار الأمثل لملء فراغ السلطة في الدول الاستبدادية، من مصر إلى تونس إلى المغرب، لم يكن الأمر مختلفاً في سوريا. وبحسب تقرير «ستراتفور» كانت «المملكة مأخوذة بإغراء إضعاف النفوذ الإيراني في المنطقة، لكن لم تتمكن من تجاهل واقع أن «إخوان» سوريا كانوا كذلك الطرف الأبرز في المعارضة».
وهكذا يضيف التقرير»وجدت المملكة نفسها عالقة بين الدوافع الاستراتيجية لاحتواء إيران والضرورات الاستراتيجية المتعلقة باحتواء الإسلاميين كقوة سياسية. وقد وضعت هذه المعضلة السعودية في مواجهة تركيا وحلفائها الذين يدعمون سقوط الأسد ووصول الإخوان إلى الحكم، وفقاً لتجربة «العدالة والتنمية» التركية المنفتحة على الأفكار العلمانية والنموذج الاسلامي المعتدل، في وجه السعودية التي لا تريد أكثر من تهميش الإخوان في المعارضة السورية».
وفي هذا الإطار، لجأت السعودية إلى أساليب تكتيكية قديمة، حيث حولت دعمها إلى السلفيين لتحجيم نفوذ الإخوان المسلمين. وهذا ما يؤكده بولوط مستشهداً بوصول الكتلة السلفية إلى البرلمان في مصر، ما أحدث مفاجأة كبيرة للمصريين والمنطقة العربية، علماً بأن تقارير كشفت مؤخراً عن حجم الدعم السعودي والقطري الكبير الذي تلقاه السلفيون في مصر.
هذه الاستراتيجية، بحسب «ستراتفور»، تحمل في طياتها الكثير من المخاطر. فالسلفيون خاضوا مؤخراً غمار السياسة بعكس تنظيم «الإخوان» الذي ولد كحركة سياسية لم ينفك يطور فكره السياسي. من هنا، لا يمكن إنكار ما حققه السلفيون من نجاح لكن ذلك لا يخولهم منافسة إيديولوجية الإخوان بالفعالية المطلوبة».
مخاطر تقبل «الإخوان»
في الماضي، كان بإمكان السعودية أن تعول على الأنظمة العربية في سوريا ومصر والأردن والعراق لكبح جماح «الإخوان»، أما الآن فحتى في الدول التي لم تمس أنظمتها القائمة لم يعد بالإمكان الإمعان في السياسات المتبعة، إذ لا بد من تقديم تنازلات سياسية للإسلاميين خوفاً من خلق صراعات داخل المنزل (المغرب مثال).
من هنا، تدور نقاشات حامية في أروقة المملكة اليوم حول كيفية التعامل مع تهديد الإخوان، حيث يستشعر أفراد العائلة الحاكمة أن لا سبيل سوى التوصل إلى تسويات مع الحركة.
لكن الأمر لا يقتصر فقط على السياسة الخارجية، بحسب «ستراتفور» الذي يرى أنه إن قررت المملكة الانفتاح على «الإخوان» في الخارج، فستكون مسألة وقت فقط قبل أن تواجه جرأة صعود الحركة الإصلاحية داخل المنزل. وينقسم أفراد العائلة المالكة بشدة حول كيفية إدارة هذه المعضلة. فالملك عبد الله وآل فيصل منفتحون على ديموقراطية سلفية محدودة، في حين أن الأمير نايف والسديريين عموماً يظهرون تحفظاً بشأن الإصلاح ويريدون رؤية الخطوط الدينية والسياسية للمملكة محددة بوضوح، بشكل يتماشى مع مبادئها الاساسية.
من جهته، يؤكد بولوط أن المملكة، بما يعرف عنها من تجنبها الصدام المباشر، قد تلجأ إلى المصالحة مع «الإخوان»، أو بتعبير أدق إلى «شراء بعض قادة الحركة عبر تعويضات وتنازلات معينة بحيث لا تفتح جبهة علنية وتضمن تقارب المصالح... ومحاولاتها التفاوض مع طالبان من تحت الطاولة، خير دليل على ذلك».
المصدر :
الماسة السورية
اكتب تعليق
كل الحقول التي عليها علامة (*) مطلوبة