في مثل هذا اليوم من العام الماضي، كان الشارع السوري يغلي، بعد أن أمسى سعر صرف الدولار مقابل الليرة السورية 220 ليرة..

بعد مضي اثني عشر شهرا، سيصبح غدا سكان العاصمة على 620 ليرة سورية (على الأقل) للدولار الواحد..

قفزات، هي أكبر من أن تكون طبيعية في بلد الحرب، وأسرع من الحدث وتطوراته الميدانية والاقتصادية، وبكل تأكيد أوسع بكثير من جيبة المواطن..

أتحدث بكل ثقة، وبكل قهر، وأنا الذي أسيرُ يوميا في أزقة الشام، وأسمع أحاديث من تبقى من السكان، في السرفيس والتكسي والسوق والجامعة والوزارات والمؤسسات الحكومية والخاصة..

لا أعتقد أن المواطن الدمشقي بات يتأمّل شيئا من حكومة خانته في أعتى ظروفه، ووضعت أثقالا على ظهره المكسور أصلا، ولطالما جهد (بعض موظفي الحكومة) لعرقلة أموره أو سحب الضرائب منه..

ولا أعتقدُ أيضا، أن المواطن سيطلبُ من الحكومة إيقاف التبعات الاقتصادية للحرب التي تمرّ بها البلاد، ولن يطلب، ولم يطلب يوما أن يعود الدولار للخمسين ولا للمئة.. بات يدرك تماما أن الأمر أكبر من إدّعاء السيطرة..

لكن، ما أجزمه أنه من حقي، ومن حق كل دمشقي وسوري، أن يفهم ما يجري.. فقط أن نفهم لا أكثر..

من حقي كصحافي، ووكطالب، وكشاب، وكسوري بقي داخل البلاد، ومن حق أبي كموظف متقاعد، وأمي كربّة منزل، وأصدقائي، وحتى الجنود المقاتلون الذين بفضلهم أنتم على كراسيكم، من حقهم جميعا أن يدركوا ما يحصل، فأفترض أن الجميع مواطنين، وأن الحكومة ووزارءها هم موظفون في "خدمتنا"!

مُعيبٌ جدا هذا الهروب، وكانت الحكومة –على الأقل- تلقى احتراما بين جمهورها، لو تجرّأ أحدٌ على الخروج والاعتراف بالضعف، بدل الهروب نحو الأمام، وإطلاق الوعود والأكاذيب..

ولو كانت -على الأقل- صريحة واضحة تشرح بالأرقام السبب والمسبب، والفعل ورد الفعل..

معيبٌ جدا أن يردّ عليّ اليوم أحد المسؤولين ويقول لي "اليوم عطلة رسمية ولا يمكنني الإجابة عن أسئلتك" وكأن الحرب تقف عند يوم عطلة معاليك، أو أن سعر الصرف سيتجمّد حتى تعود لمكتبك..

ولا زالت ذاكرتنا طريّة، نذكر جدا حين رفعت الحكومة سعر الخبز والمازوت والبنزين والغاز، كان ذلك في ليل يوم جمعة، أي يوم عطلة رسمية، وخارج أوقات الدوام التي نشطت الحكومة حينها لإصدار قرار تحت جنح الظلام..

لا يطلبُ أحد من الحكومة اليوم إيقاف الصعود، لكن من حقنا المطالبة بإيقاف الانهيار، أو الجنون في صعود سعر الصرف.. من مئتين وعشرن ليرة إلى ستمئة وعشرين ليرة، ثلاثة اضعاف خلال سنة، ألا تستحق اجتماعا طارئا للحكومة؟ أو مؤتمرا صحافيا؟

ألا تستحق اعترافا صريحا بالعجز؟ والاستقالة ربما؟ لوزير أو وزيرين أو كامل الحكومة؟

سيقولون هناك عوامل وظروف؟ طيب، أنا معكم، نحن جميعا معكم وسنحاول فهم هذه الظروف واستيعابها، لكن ألا نستأهل نحنُ الشعب أن ندرك أو نفهم شيئا منها من قبلكم! أليست هذه الظروف علينا جميعا؟ أم هي على الدراويش والفقراء فحسب..

لطالما أن هذه الحكومة محدودة الصلاحيات السياسية، فأين هي من أزمة المواطن الاقتصادية؟

أليس من الظلم أن نحمّل الحرب شمّاعة الانهيار الاقتصادي، وكأن النزاهة تدرّس في مؤسساتنا الحكومية؟

ألا يرى ويسمع ويعلم الجميع كمية الفساد والسرقة الموجودة تحت مظلة الحرب، وسبّبت الكثير من المآسي في الأسعار والأسواق..

نعم، الحرب موجودة، وجميعنا ندفع الثمن، لكن هنالك حربا مضاعفة على المواطن المستضعف الذي بقي هنا..

أتحدث، وفي قلبي غصة، فأنا ربما قد يتغير أسلوب حياتي قليلا، قد أتحول لركوب السرفيس بدل التكسي، وقد أستنغني عن اللحم والعصير، وأعيد ترتيب حساباتي الشهرية الأخرى.. لكن ماذا سيفعل من كان يسير على أقدامه ليوفّر أجرة الركوب.. أو كان يعيش على وجبة واحدة!..

تسألني؟ سأخبرك.. سيسرق أو يقتل أو يرتشي أو ينتحر... وستزيد الجرائم والفساد.. ولن يترك أحد أطفاله يموتون جوعا..

وأما إذا سألتني عن الحل! فلم اسمع يوما أن شعوبا تقدّم حلولا لحكوماتها.. من المفترض أن الحالة عكسية..

ولكن سأكون أكثر طوباوية.. أنا والكثير من الخبراء الاقتصاديين وغيرهم مستعدين لتقديم الحل..

لكن، قبل أن تسمعوا لنا كلاما.. أسمعونا صوتكم.. صمتكم يقتلنا مرتين..

... ماهر المونس.. مواطن سوري موجوع

  • فريق ماسة
  • 2016-05-06
  • 3378
  • من الأرشيف

صمتكم يقتلنا..

في مثل هذا اليوم من العام الماضي، كان الشارع السوري يغلي، بعد أن أمسى سعر صرف الدولار مقابل الليرة السورية 220 ليرة.. بعد مضي اثني عشر شهرا، سيصبح غدا سكان العاصمة على 620 ليرة سورية (على الأقل) للدولار الواحد.. قفزات، هي أكبر من أن تكون طبيعية في بلد الحرب، وأسرع من الحدث وتطوراته الميدانية والاقتصادية، وبكل تأكيد أوسع بكثير من جيبة المواطن.. أتحدث بكل ثقة، وبكل قهر، وأنا الذي أسيرُ يوميا في أزقة الشام، وأسمع أحاديث من تبقى من السكان، في السرفيس والتكسي والسوق والجامعة والوزارات والمؤسسات الحكومية والخاصة.. لا أعتقد أن المواطن الدمشقي بات يتأمّل شيئا من حكومة خانته في أعتى ظروفه، ووضعت أثقالا على ظهره المكسور أصلا، ولطالما جهد (بعض موظفي الحكومة) لعرقلة أموره أو سحب الضرائب منه.. ولا أعتقدُ أيضا، أن المواطن سيطلبُ من الحكومة إيقاف التبعات الاقتصادية للحرب التي تمرّ بها البلاد، ولن يطلب، ولم يطلب يوما أن يعود الدولار للخمسين ولا للمئة.. بات يدرك تماما أن الأمر أكبر من إدّعاء السيطرة.. لكن، ما أجزمه أنه من حقي، ومن حق كل دمشقي وسوري، أن يفهم ما يجري.. فقط أن نفهم لا أكثر.. من حقي كصحافي، ووكطالب، وكشاب، وكسوري بقي داخل البلاد، ومن حق أبي كموظف متقاعد، وأمي كربّة منزل، وأصدقائي، وحتى الجنود المقاتلون الذين بفضلهم أنتم على كراسيكم، من حقهم جميعا أن يدركوا ما يحصل، فأفترض أن الجميع مواطنين، وأن الحكومة ووزارءها هم موظفون في "خدمتنا"! مُعيبٌ جدا هذا الهروب، وكانت الحكومة –على الأقل- تلقى احتراما بين جمهورها، لو تجرّأ أحدٌ على الخروج والاعتراف بالضعف، بدل الهروب نحو الأمام، وإطلاق الوعود والأكاذيب.. ولو كانت -على الأقل- صريحة واضحة تشرح بالأرقام السبب والمسبب، والفعل ورد الفعل.. معيبٌ جدا أن يردّ عليّ اليوم أحد المسؤولين ويقول لي "اليوم عطلة رسمية ولا يمكنني الإجابة عن أسئلتك" وكأن الحرب تقف عند يوم عطلة معاليك، أو أن سعر الصرف سيتجمّد حتى تعود لمكتبك.. ولا زالت ذاكرتنا طريّة، نذكر جدا حين رفعت الحكومة سعر الخبز والمازوت والبنزين والغاز، كان ذلك في ليل يوم جمعة، أي يوم عطلة رسمية، وخارج أوقات الدوام التي نشطت الحكومة حينها لإصدار قرار تحت جنح الظلام.. لا يطلبُ أحد من الحكومة اليوم إيقاف الصعود، لكن من حقنا المطالبة بإيقاف الانهيار، أو الجنون في صعود سعر الصرف.. من مئتين وعشرن ليرة إلى ستمئة وعشرين ليرة، ثلاثة اضعاف خلال سنة، ألا تستحق اجتماعا طارئا للحكومة؟ أو مؤتمرا صحافيا؟ ألا تستحق اعترافا صريحا بالعجز؟ والاستقالة ربما؟ لوزير أو وزيرين أو كامل الحكومة؟ سيقولون هناك عوامل وظروف؟ طيب، أنا معكم، نحن جميعا معكم وسنحاول فهم هذه الظروف واستيعابها، لكن ألا نستأهل نحنُ الشعب أن ندرك أو نفهم شيئا منها من قبلكم! أليست هذه الظروف علينا جميعا؟ أم هي على الدراويش والفقراء فحسب.. لطالما أن هذه الحكومة محدودة الصلاحيات السياسية، فأين هي من أزمة المواطن الاقتصادية؟ أليس من الظلم أن نحمّل الحرب شمّاعة الانهيار الاقتصادي، وكأن النزاهة تدرّس في مؤسساتنا الحكومية؟ ألا يرى ويسمع ويعلم الجميع كمية الفساد والسرقة الموجودة تحت مظلة الحرب، وسبّبت الكثير من المآسي في الأسعار والأسواق.. نعم، الحرب موجودة، وجميعنا ندفع الثمن، لكن هنالك حربا مضاعفة على المواطن المستضعف الذي بقي هنا.. أتحدث، وفي قلبي غصة، فأنا ربما قد يتغير أسلوب حياتي قليلا، قد أتحول لركوب السرفيس بدل التكسي، وقد أستنغني عن اللحم والعصير، وأعيد ترتيب حساباتي الشهرية الأخرى.. لكن ماذا سيفعل من كان يسير على أقدامه ليوفّر أجرة الركوب.. أو كان يعيش على وجبة واحدة!.. تسألني؟ سأخبرك.. سيسرق أو يقتل أو يرتشي أو ينتحر... وستزيد الجرائم والفساد.. ولن يترك أحد أطفاله يموتون جوعا.. وأما إذا سألتني عن الحل! فلم اسمع يوما أن شعوبا تقدّم حلولا لحكوماتها.. من المفترض أن الحالة عكسية.. ولكن سأكون أكثر طوباوية.. أنا والكثير من الخبراء الاقتصاديين وغيرهم مستعدين لتقديم الحل.. لكن، قبل أن تسمعوا لنا كلاما.. أسمعونا صوتكم.. صمتكم يقتلنا مرتين.. ... ماهر المونس.. مواطن سوري موجوع

المصدر : الماسة السورية


اكتب تعليق

كل الحقول التي عليها علامة (*) مطلوبة