دليل ماسة
أكثر الروابط استخداما
وحدهم المفرطون في رومانسيتهم كانوا يتوقعون للمغامرة القطرية ـ التركية أن تنجح حيث فشل المسعى السوري ـ السعودي الذي كان يملك من «الامتيازات» ما يفوق غيره.
ولم يكن كلام الأمير سعود الفيصل حول سحب يد السعودية والتحذير من خطر الانفصال والتقسيم، سوى إعلان مبكر عن المصير المحتوم الذي كان ينتظر «جنين» الجهد القطري ـ التركي بعد ساعات من ولادته... فما هي قصة هذا الجهد منذ انطلاقته من دمشق وصولا إلى رفع الغطاء عنه في بيروت؟
خلال اجتماع القمة الثلاثية السورية - القطرية - التركية في دمشق، التي تقرر خلالها إيفاد وزيري خارجية قطر وتركيا إلى بيروت، توجه الرئيس بشار الأسد إلى المجتمعين، بالقول: هناك شبه اتفاق كامل جرى إتمامه بيني وبين الملك عبد الله، قبل أن يتم تجميده، ولذا لا بد من أن ننسق في أي خطوة مع جلالة الملك، وأنا أقترح الاتصال به الآن لوضعه في أجواء ما توصلنا إليه وفي أجواء التحرك الذي تقرر القيام به مع الأطراف اللبنانية.
هنا، استأذن وزير الخارجية القطري الشيخ حمد بن جاسم أمير قطر للاتصال بالملك السعودي، وخرج بالفعل من قاعة الاجتماع حيث اتصل بالأمير عبد العزيز بن عبد الله وأبلغه بأن «قمة دمشق تتطلع لمباركة جلالة الملك للمسعى الهادف لاحتواء الوضع اللبناني المتأزم».
استمهل الأمير عبد العزيز بعض الوقت لإعطائه الجواب، وما كادت تمر خمس دقائق حتى عاود «الأمير» الاتصال بالمسؤول القطري وأبلغه بأن الملك عبد الله يحيي المجتمعين ويبارك جهدهم.
تحت هذه المظلة، وصل بن جاسم والوزير التركي أحمد داود أوغلو إلى بيروت، حيث كان ينتظرهم «سيناريو لبناني» للأحداث. في المطار، كان الرئيس سعد الحريري في استقبالهما. بعد التحية والسلام، رغب رئيس حكومة تصريف الأعمال في أن يستغل كل دقيقة ممكنة في ربع الساعة الأخير المتاح أمام خيار التسوية.
أخرج الحريري من جيبه ورقة تتضمن قراءته للتفاهم السوري ـ السعودي وأعطاها إلى بن جاسم الذي حملها وأوغلو إلى الرئيس نبيه بري في عين التينة.
انطلق الوسيطان من بنود الورقة في نقاشهما مع بري الذي سرعان ما لاحظ أن مضمونها «مشوّه»، ويختلف عن المحتوى الأصلي للاتفاق السوري ـ السعودي، كما اطلع عليه. لم يحتج بري إلى وقت طويل حتى يكتشف أن جوهر ما يريده الحريري هو ضمان إعادة تكليفه بتشكيل الحكومة مسبقا، على أن يسدد متوجباته في الحل بعد التكليف والتأليف، الأمر الذي لم يكن واردا في حسابات المعارضة، تحت وطأة أزمة الثقة القائمة بينها وبين الحريري، فكيف إذا كان هذا الطرح يأتي بعد إنجاز القرار
الاتهامي الذي رسم صدوره خطا فاصلا بين مرحلتين.
فوجئ بري بداية بالصياغة المعتمدة في مستهل الورقة، حيث ورد أن «الرئيس المكلف يتعهد من خلال مجلس الوزراء» بأن يفعل كذا وكذا. لفت رئيس المجلس ضيفيه إلى أن هذه العبارة لا يمكن أن تمر بأي حال من الأحوال، لأن المطلوب من الحريري الالتزام بتعهداته قبل التكليف، لا بعده، بحيث تحل عبارة «يتعهد رئيس حكومة تصريف الأعمال» بأن يفعل كذا وكذا، بدلا من الصيغة المطاطة المقترحة والتي قد يستغرق تنفيذها وقتا طويلا في حال جرى تكليف الحريري وتعذر عليه التأليف سريعا، ليكون بذلك قد حصل من المعارضة على مبتغاه من دون أن يفي بما هو متوجب عليه.
ولم تكن النقاط الأخرى في الورقة التي حملها معهما الوسيطان القطري والتركي أفضل حالا مما سبق، إذ إن إحداها تلحظ «وقف الحملات الإعلامية على رئيس فرع المعلومات العقيد وسام الحسن والمدير العام لقوى الأمن الداخلي اللواء أشرف ريفي ومدعي عام التمييز القاضي سعيد ميرزا وسائر أعضاء فريق رئيس الحكومة»، كما جاء حرفيا في النص المقترح.
استهجن بري الصيغة التي تؤذي الحريري نفسه لأنها تعني أنه يقر بأن الحسن وريفي وميرزا هم أعضاء في فريقه وليسوا مسؤولين في الدولة، عدا عن أن النص المطروح فضفاض ويحوي قيودا ضمنية، فإذا تعرض أي وزير أو نائب محسوب على الحريري للانتقاد مستقبلا قد يخرج من يقول إن المعارضة خرقت اتفاق وقف الحملات الإعلامية.
نظر بري إلى بن جاسم وأوغلو، وقال لهما مبتسما: سأسدي خدمة مجانية للرئيس الحريري وسأقترح تصحيحا لهذه النقطة يخدمه بالدرجة الأولى، ويلحظ «وقف الحملات الإعلامية المتبادلة» بدلا مما هو مطروح.
نقطة أخرى في الورقة أثارت استغراب بري وتتعلق بتعديل طريقة التصويت في مجلس قيادة قوى الأمن، لصالح تعزيز دور اللواء ريفي، علما أن المعارضة كانت قد رفضت هذا المطلب الذي حاول الحريري تحقيقه خلال المفاوضات التي جرت تحت سقف المسعى السوري ـ السعودي.
وحسب المعلومات، فإن هذا البند هو من البنود القليلة التي ظلت عالقة في مشروع التفاهم، وعندما كان يقال إن هذا التفاهم يحتاج إلى لمسات أخيرة لإنجازه، كانت وضعية مجلس قيادة قوى الأمن هي المقصود.
المصدر :
السفير /عماد مرمل
اكتب تعليق
كل الحقول التي عليها علامة (*) مطلوبة