دليل ماسة
أكثر الروابط استخداما
قبل مقتل الزعيم الليبي الراحل «معمر القذافي» بأيام، تداول إعلام ربيع الدم العربي خبراً عن قيام («كتيبة من القوات الخاصة القطرية» بمساعدة «الثوار» بالبحث عن القذافي في مدينة سرت). ما أشبه اليوم بالأمس، إذ بدا الهدف من هذا الأسلوب التضخيمي لفكرة وجود «قوات خاصة قطرية فاعلة» مماثلاً لما يتم تداوله اليوم عن توقيع المشيخة مع السلطنة العثمانية الجديدة اتفاقية تتيح نشراً متبادلاً للقوات في البلدين.
عملياً، لا يبدو في مشيخة قطر حالياً متَّسع لوجود قوات حليفة إضافية، باعتبار أن القواعد الأميركية تغطي ما تيسر من مساحتها. كذلك الأمر فإن مشيخةً تلجأ في كأس العالم الأخيرة لكرة اليد إلى تجنيس منتخبٍ كاملٍ بمن فيهم الجماهير المشجِّعة، من أين لها أن تُرسل قوات لحماية «السلطنة العثمانية الجديدة»؟!
لكن في ذات الوقت، فإن مثل هذه المعطيات تبدو وكأنها تثير العديد من التساؤلات حول الهدف من اتفاق كهذا بين حكومة «العدالة والتنمية» صاحبة حلم استعادة السلطنة المندثرة، وحليفتها القائمة أساساً عل منح الجنسية مقابل الارتزاق، حتى لو كان هذا الأمر مرتبطاً بفكرة تشكيل «قوات قطرية»، تحديداً إن إصرار «العدالة والتنمية» على تصديق الاتفاق من البرلمان قبل الانتخابات القادمة قد يكون نابعاً من أهمية هذا الاتفاق بالنسبة لمجرى الأحداث في المنطقة ككل.
قد يبدو هذا الاتفاق- وما قد يتبعه من اتفاقيات مع مشيخات أخرى- مرتبطاً أساساً بالاتفاق الأميركي- التركي لتدريب ما يسمونها «قوات المعارضة السورية المعتدلة» على الأراضي التركية، مع التذكير أن هذا الاتفاق يتم تأجيله أميركياً حسب صعود وهبوط بورصة التفاوض.
بالتأكيد كان السجال حول طبيعة المتدربين هو الأساس، فبعد قيام جبهة النصرة بإنهاء «حركة حزم»، بدا لهم أن الحل هو بتبديل صورة جبهة النصرة من تنظيمٍ إرهابي إلى «تنظيمٍ معتدل»، والأخطر أنهم- وحسب الاتفاق الذي تم بين قطر وتركيا- قد يشرِّعون جلب المرتزقة بداعي أنهم «قوات قطرية» للعمل على أطراف الحدود، تحديداً أن الولايات المتحدة تراوغ في موضوع تحديد هوية المتدربين وانتمائهم لأن ليس لديها ما تخسره إن كانت في النهاية ستكسب من خلال اتفاقها مع الأتراك إطالة مدى الحرب بالقدر الذي يمكّنها من تحقيق أمرين:
الأول هو استنزاف «العدو» عسكرياً بالزج بهؤلاء كوقودٍ للنيران المشتعلة، مهما علت التصريحات «التطمينية» عن استعدادها لحمايتهم داخل الأراضي السورية، تحديداً وبعد الكلام الذي أطلقه الجنرال ديمبسي تزامناً مع زيارة كيري للرياض في محاولةٍ منه لطمأنة الحلفاء، عاد مسؤول في البنتاغون وقلّل من أهميته.
الأمر الثاني، هو محاولة الولايات المتحدة ابتزاز أذنابها، عبر القول لهم: إن «الأمر لي» في النهاية، وأنَّ سكوتها عن قيام جبهة النصرة بإنهاء «حركة حزم» سيقابله قبول الآخرين بإستراتيجيةٍ أميركيةٍ هدفها الأساسي إطالة مدى الحرب بالقدر الذي يمكّنها من الحصول على ما يُرضيها في أكثر من ملف.
كذلك الأمر، قد يبدو هذا الاتفاق (بين مشيخة قطر وتركيا) في مكانٍ ما، هو بداية المحاولات البائسة لخلق توازناتٍ جديدةٍ في المنطقة، تلك المحاولات التي لا تقتصر فقط على فكرة انفتاح «آل سعود» على السلطنة العثمانية الجديدة، لكنّها قد تبدو مرتبطةً بشكلٍ أو بآخر لما يروج له السيسي لفكرة تشكيل قوة عربية مشتركة لمحاربة الإرهاب.
بالتأكيد يبدو الهدف من هذه القوة خلق حيِّز جغرافي يمكِّن هذه القوى من مواجهة ما تسميه تصاعد النفوذ الإيراني في المنطقة، والأهم محاولة لجم الاندفاعة الأميركية باتجاه إيران لدرجةٍ بات فيها حديث التعاون بين الولايات المتحدة وإيران في العراق يُقلقهم، وهو ما دفع بوزير خارجية «آل سعود» للطلب علناً من الولايات المتحدة التدخل عسكرياً في العراق، ليس لهدف حماية العراقيين ولكن بقصد وقف التعاون مع إيران باعتبار أن تدخلاً كهذا سينسف ما بينهما من تفاهم حول داعش كـ«عدو مشترك».
انتقل هؤلاء من موجة الطلب من الولايات المتحدة التشدّد في المفاوضات مع إيران، إلى موجة انتظار إعلان الاتفاق، تحديداً بعد أن بدأت بوادره تلوح في الأفق بما فيها ما يتردد في الأوساط الإعلامية عن قبول إيران بعدة طروحات كانت في السابق حجر عثرة، من بينها تعديل التصاميم بما يتيح تخفيض إنتاج «البلوتونيوم» في مفاعل «آراك»، وتصدير الكمية التي سيتم الاتفاق عليها من اليورانيوم المُنتج في مفاعلاتها النووية إلى روسيا.
من هذا المنطلق كان رئيس وزراء العدو «بنيامين نتنياهو» يصرّ على إلقاء كلمته أمام الكونغرس الأميركي. ليس صحيحاً أن إصراره كان بدافع تحقيق نقاطٍ في السباق الانتخابي، لأن اللعب على وتر العلاقة مع الولايات المتحدة ضربٌ من الجنون، كما أن ما وصفته الصحافة الأميركية بأن كلمة نتنياهو «أشبه بإساءةٍ للديمقراطيين وللبيت الأبيض» هو أمرٌ قد يدفع ثمنه الجمهوريون في الانتخابات الرئاسية القادمة، لكن كلمة نتنياهو أمام الكونغرس كانت فعلاً «صرخةَ في واد».
لم يقف نتنياهو في الكونغرس كمرشحٍ لرئاسة الوزراء «الإسرائيلية»، لكنّه كان أشبه بموفدٍ خاصٍ لما يُسمى بـ«مجلس التعاون الخليجي»، إذ لم يكن ينقصه إلا «دشداشة» سعود الفيصل و«شماخ» وزير خارجية الإمارات «-المحنك جداً-. أمّا مضمون الخطاب فهو نقل ما يتشاركه معهم من هواجس وتخوفات بطريقةٍ مباشرةٍ، فالمطالب والتخوفات ذاتها، والعداء للجهات ذاتها، لكن هل «سبق السيف العذل»، لدرجةٍ باتوا فيها وكأنهم بغيبوبةٍ سياسية لا يعرفون كيف يصحون منها؟
بالتأكيد كان نتنياهو يخطب في الكونغرس وعينه على ما يجري في الجنوب السوري، فبحسب ما يتم تداوله إن وصول الجيش العربي السوري إلى «تلة الحارة» الإستراتيجية بات خطاً أحمر. لا نعلم إن كانت خطة السيسي المتعلقة بتشكيل جيشٍ عربي لمكافحة الإرهاب ستنطلق من التعاون مع الكيان الصهيوني، تحديداً إن زمن منح التأشيرات لـ«إسرائيليين» لدخول مصر عاد منذ يومين، والقضاء على الإرهاب في سيناء قد يتطلب تعاوناً مع الكيان الصهيوني في هذا المجال، لكن ماذا لو قرر هذا الجيش- على سبيل الافتراض- محاربة الإرهاب في الجنوب السوري، فهل سينسق مع الكيان الصهيوني الذي يدعم النصرة؟!
إنَّ حالة الغيبوبة السياسية تلك يبدو أنها أصابت أيضاً الرئيس الفرنسي فرانسوا هولاند عندما خرج حتى «درج الاليزيه الخارجي» لاستقبال المواطن التركي «خالد الخوجة» الذي تم تعيينه رئيساً لائتلافٍ سوري معارض. بدا الخوجة أمام الاليزيه كما بدت- وستبدو- القوات الخاصة القطرية، عبارةً عن هالةٍ إعلاميةٍ لا أكثر. لكن هولاند أصرَّ أن يوقع نفسه في مغالطةٍ يجب الوقوف عندها مطولاً، إذ إنه قال للوفد بأن دعم فرنسا السياسي والعملياتي سيكون «لقوى المعارضة الديمقراطية التي تقف في الصف الأول في محاربة داعش»، فهل هناك من يذكِّر فرانسوا هولاند أن «عبد الجبار العكيدي» أحد قياديي ما يُسمى «الجيش السوري الحر» الذي يتبع للائتلاف الذي يستقبله هولاند استقبال الزعماء، اعترف بمقابلةٍ تلفزيونيةٍ موثقةٍ بأن العلاقة كما سماها (مع الأخوة في الدولة الإسلامية أكثر من جيدة). هذا دون أن ننسى أن صواريخ «ميلان» الفرنسية تم استخدامها من قبل جبهة النصرة (المُسماة بقرارٍ من مجلس الأمن كمنظمة إرهابية) عند اقتحام «خان العسل» في حلب.
كذلك الأمر فإن حالة اللاوعي تلك انتقلت لمن لا يزال يتساءل:
كيف يتساقط 18 قيادياً من جبهة النصرة بضربةٍ جويةٍ لسلاح الجو السوري في منطقةٍ من المفترض أنها ساحة آمنة من «عملاء النظام»، في الوقت الذي أغرقوا فيه وسائل الإعلام المأجورة بكل تصنيفاتها عن أكاذيب حول الخلافات بين «قادة الأجهزة الأمنية السورية»!
كل هذا التخبط الذي يعيشونه يبدو أنه الوحيد القادر على شرحه هو الجيش العربي السوري وحلفاؤه، تحديداً إذا ما استمر المرتزقة مستسلمين لفكرة المثل الشعبي: «تلقوا أربعين ضربة على غفلة».
قد تكون تلك إحداها، وقد تكون الثانية ما يجري في ريف اللاذقية، وسيتلوها الكثير، أمّا الختام فقد يكون مرتبطاً بما كتبه «روبرت فيسك» منذ أيام... «آل سعود» لا يخافون إلا من أنفسهم...
المصدر :
الماسة السورية
اكتب تعليق
كل الحقول التي عليها علامة (*) مطلوبة