دليل ماسة
أكثر الروابط استخداما
قد يكون ردّ فعل إسرائيل وتداعياته وقلقها من الآتي، حيال حادثة الناقورة وما أعقبها، أكثر أهمية من جهة تل أبيب من دلالات الحادثة نفسها. الظهور بصورة المتردد والمرتدع عن الرد، بل وحتى «العجز»، كما سمّته صحيفة «هآرتس» أمس، والاكتفاء بالتحذير بلا أفعال، من شأنه أن يرتد سلباً، ويحفز الاعداء على تكرار الحادثة، بل ويمكن أن يحدد «الرد أو عدم الرد، قواعد اللعبة» الجديدة على الحدود.
وقد بدت إسرائيل حريصة جداً على عدم التسبب بأي تصعيد أمني، وحرص مسؤولوها على تخفيف التوتر الى حده الأدنى. وبحسب المتحدث العسكري، فإن «التوجه هو العمل على إعادة الوضع الى طبيعته وعدم تأجيجه». ويأتي ذلك على نقيض كل تهديدات إسرائيل السابقة بأن ردّها سيكون مزلزلاً، وقد يتسبب باندلاع الحرب في حال تعرضت لاعتداء من لبنان.
صورة إسرائيل المترددة والممتنعة عن الرد انعكست أمس في تحليلات وتعليقات الاعلام العبري الذي أبقى حادثة الناقورة في صدر اهتماماته، مقابل الصمت شبه الرسمي لتل أبيب. وبرز أمس تحذير القناة الثانية في التلفزيون العبري التي طالبت بعدم الاكتفاء بالتهديد، والمبادرة الى الرد، مشيرة الى أن «رداً إسرائيلياً حازماً وشديداً ومناسباً، من شأنه أن يحدد قواعد اللعبة على الحدود الشمالية التي تشهد تغييراً ميدانياً وتغييراً في جوهر القوات العاملة في الطرف الثاني من الحدود». وبحسب القناة «على إسرائيل أن تدرك خطورة ما حصل، وإذا لم ترد فسنشهد حوادث مشابهة مراراً وتكراراً في هذه المنطقة، وضمن عنوان أن جندياً ما قام بالهجوم، وبمبادرة ذاتية منه».
بدورها، حذرت «هآرتس» من إمكان تكرار الحادث، رغم تأكيدها أن الجندي اللبناني الذي أطلق النار «لم يعمل بتفويض من حزب الله، أو من الحكومة اللبنانية»، مشيرة الى أن «سيناريو كهذا قد يتكرر في المستقبل، وليس فقط من حدود لبنان، بل أيضاً من حدود دول مجاورة». وبحسب معلق الشؤون العسكرية في الصحيفة، عاموس هرئيل، فإن «الرد الإسرائيلي المنضبط»، الذي حصل حتى الآن، ينبع من الواقع الاستراتيجي على طول الحدود، حيث تدرك إسرائيل جيداً أنه يصعب استهداف الجيش اللبناني، رداً على اعتداء جندي وبمبادرة منه، ومن دون أن يكون مرسلاً من حزب الله.
وتساءلت صحيفة «معاريف» عن أسباب مسارعة الجيش الإسرائيلي الى اتهام «جندي لبناني متمرد» بتنفيذ الهجوم وبمبادرة منه، و«هل جاء ذلك نتيجة تحقيق سريع وواضح، أم أن ادعاءً كهذا كان مريحاً للجيش، لأن اتهام حزب الله بالمسؤولية سيلزمه بالرد، وفي أعقاب الرد قد نتسبب بتصعيد أمني كبير، أما إذا تمسك الجيش بما قاله، فمن الممكن أن يتمالك نفسه، ويتفادى مواجهة واسعة مع حزب الله».
وهاجمت الصحيفة أداء الجيش اللبناني، وقالت إنه «ليس أكثر من جيش دفاع لحزب الله»، مشيرة الى أن وحداته المنتشرة على الحدود لا تعرقل أنشطة الحزب ولو قليلاً، حيث يواصل عناصره التجوال في منطقة السياج الحدودي مع إسرائيل بملابس مدنيّة، و«تحت رعاية الجيش اللبناني، يبني ناشطو حزب الله شبكة واسعة تحت الأرض من الأنفاق القتاليّة، التي سيستخدمونها في المعركة الكبرى (ضد إسرائيل)، كما أنه لم يمنع انتشار ترسانة الصواريخ الضخمة في القرى الجنوبية، التي باتت أكبر بكثير مما كانت عليه عشية حرب عام 2006».
صحيفة «جيروزاليم بوست»، وتحت عنوان «ضبط النفس»، حذرت من أن حوادث مشابهة في المستقبل قد تتسبب بتصعيد أمني واسع «يتخلله تبادل لإطلاق النار والقصف من قبل حزب الله والجيش الإسرائيلي»، مشيرة الى أن قادة رفيعي المستوى في الجيش يتلمسون جيداً استعدادات حزب الله الواسعة النطاق، في مقابل استعداد الجيش الإسرائيلي نفسه، للمواجهة الأشمل.
ورغم أن الصحيفة شددت على أن «منسوب الردع الإسرائيلي مرتفع» تجاه حزب الله، أكدت في المقابل أن «ضبط النفس» الذي أبداه الجيش في أعقاب الحادثة، وامتناعه عن «الرد الانتقامي»، مردهما إلى أنه لا مصلحة لكلا الجانبين في التصعيد وعدم الاستقرار الامني.
وبرز أمس موقفان لضابطين سابقين في الجيش الإسرائيلي، خبرا جيداً الساحة اللبنانية وتعقيداتها، وبشكل أساسي حدود استخدام القوة ومحاذيرها ضد لبنان. وفي مقابلة مع الاذاعة العبرية، أعرب رئيس مجلس الأمن القومي السابق ورئيس شعبة التخطيط والعمليات سابقاً في الجيش الإسرائيلي، اللواء غيورا ايلاند، عن اعتقاده بأن «الحادث أمر محبط للغاية، لكني لست واثقاً إن كان هناك ما يمكن فعله أمام دولة كلبنان، وأمام جهات موجودة في الساحة اللبنانية، إذ ليس لدى إسرائيل الكثير مما يمكن أن تفعله حالياً».
بدوره، توقف ضابط الاستخبارات الرئيسي في قيادة المنطقة الشمالية سابقاً، اللواء في الاحتياط داني روتشيلد، أمام العبارة الواردة في بيان الجيش الإسرائيلي، أن «إسرائيل تحتفظ لنفسها بحق الرد في الزمان والمكان المناسبين»، والتي سمّاها الشعار الذي يخفي مجموعة من الاعتبارات، و«في مقدمتها الموقف السياسي، وما هو الرد، والى أين يمكن أن يقود، وما هو الهدف من ورائه»، مضيفاً في اتصال مع الاذاعة العسكرية أن «المؤسسة السياسية شريكة في اتخاذ قرار من هذا النوع، وتتدخل فيه انطلاقاً من اعتباراتها ومصالحها السياسية».
يعلون: الجيش اللبناني أبلغنا أنه سيعاقب الجندي
أعلن وزير الدفاع الإسرائيلي موشيه يعلون أن الجيش اللبناني أبلغ إسرائيل نيته معاقبة الجندي الذي أطلق النار على الحدود اللبنانية ـــ الإسرائيلية الأحد الماضي. وأشار خلال جولة له في غور الأردن أمس إلى أنه «خلال اللقاء الذي جرى بين ضباط الارتباط التابعين للجيشين اللبناني والإسرائيلي، بمشاركة من اليونيفيل، عرض الجيش اللبناني نتائج التحقيق حول الحادثة، ويبدو أن المسألة تتعلق بجندي متمرد اتخذ قراراً ذاتياً بترك الموقع الذي يقع على بضع عشرات الامتار من السياج، وفتح النار، وللأسف أدى ذلك الى مقتل العريف أول شلومو كوهين». وقال يعلون إن الجيش اللبناني تعهد لإسرائيل بأن الجندي سيعاقب «كونه ذهب أبعد مما هو مسموح به». ولدى سؤاله هل طلبت إسرائيل محاكمته؟ أجاب بأن «ذلك أمر طبيعي، وخلال اللقاء طلبنا منهم التعامل معه كما يجري التعامل مع أي جندي متمرد، وإعلامنا بالنتائج»، مضيفاً أن «الحكومة والجيش اللبنانيين مسؤولان عن سيادتهما، وأيضاً عن عدم خرق سيادتنا».
المصدر :
يحيى دبوق -
اكتب تعليق
كل الحقول التي عليها علامة (*) مطلوبة