حيثما حلّ التدخل الأجنبيّ في الوطن العربيّ يلاحظ المرء بالإضافة إلى الدمار والقتل الناتجين منه آثاراً سياسية عميقة تدوم طويلاً بعد انتهائه ومنها:

1 - تفكيك الدولة الوطنية ومؤسساتها.

2 - حلّ الجيش الوطني وجهاز الشرطة.

3 - انتشار دعوات ونزعات انفصال الأقاليم والنواحي الإدارية.

4 - ازدياد عبث القوى الإقليمية والدولية بتفاصيل الحياة اليومية للبلد.

5 - انفلات حبل الأمن الداخليّ على مستوى الجريمة العادية والاغتيالات العشوائية والمنهجية.

6 - اشتعال الفتن المحلية الموضعية والحروب الأهلية.

7 - وقوع موجات هجرة كبيرة إما بسبب التدخل الأجنبي وإما بسبب آثاره السياسية سالفة الذكر أو بسبب الاثنين معاً.

يمكن أن نلاحظ مثل ذلك التكرار النمطي للظاهرة في العراق ثم في ليبيا كنتاج مباشر للتدخل الأجنبي كما يمكن أن نلاحظه في السودان كنتاج للتدخل الأجنبي غير المباشر ويبدو أننا على وشك أن نشهده في اليمن في ظل «حركة الملاحة» للطائرات الأميركية بلا طيار وكنا على وشك أن نشهده في سورية على نطاق أكبر بكثير لو تحوّل التدخل غير المباشر فيها إلى عدوان مباشر وهذا ما تم إجهاضه في ربع الساعة الأخير.

نلاحظ في تلك الحالات كلها أن التدخل الخارجي بأشكاله المختلفة يتمّ تحت غطاء «الديموقراطية» و»حقوق الإنسان» و»حقوق الأقليات الطائفية والعرقية» ولا مانع من نقل الخطاب الإعلامي على الطلب من الحديث عن «مظلومية الشيعة» في العراق إلى «مظلومية السنة» في سورية إلى «مظلومية الأقباط» في مصر إلى «مظلومية الأفارقة» في السودان إلى «مظلومية الأمازيغ» في المغرب العربي... وقبلها إلى «مظلومية المسلمين» في يوغوسلافيا خارج العالم العربي.

كما نلاحظ في كل حالات التدخل الأجنبي المباشر أو غير المباشر تركيز الخطاب الإعلامي على فرد هو رئيس الدولة غالباً خاصة في الأنظمة المنحدرة من تراث تحرّر وطنيّ أو قوميّ وعلى شيطنة ذلك الرئيس حتى تخاله أسوأ من ولدته امرأة يوماً حتى يأتي دور الرئيس الذي يليه. فإذا قبل ذلك الرئيس التجاوب مع مشروع التفكيك لإنقاذ نفسه أو إذا قبل التنحي فإن الضغط عليه كفرد قد يخفّ لكنّ مشروع التفكيك نفسه يستمرّ بالضرورة.

من البديهيّ أن التدخل الأجنبي يشتغل بالأدوات المتاحة ولا يخلقها من فراغ. ففي المجتمعات التي لم تمرّ في مراحل الثورة الصناعية والنهضة والتنوير أي التي لم تذب فيها الطوائف والإثنيات والنزعات الجهوية في نسيج اجتماعي واحد ينتج «مواطناً» فحسب ودولة وطنية أو التي أجهض التدخل الأجنبي المباشر نهضتها وتحرّرها القومي أو لم تتمكن دولها المستقلة عن الاستعمار أن تحقق مثل تلك النهضة وذلك التحرر فإن النكوص إلى الحالة الطائفية والعرقية والجهوية والعشائرية أي النكوص إلى حالة التفكيك يظلّ مشروعاً كامناً يتطلّب تحويله إلى حقيقة كائنة الشروع في تفكيك الدولة الوطنية ومؤسساتها.

هذه الدولة وتلك المؤسسات التي لم تعجبنا لأننا أصحاب مشروع قومي أكبر باتت اليوم مستهدفة في وجودها. فالتفكيك وكسر الحواجز السيادية هما في آنٍ واحد مشروع الشركات متعدية الحدود التي تريد استباحة العالم استثمارياً وتجارياً بلا حسب ولا رقيب وهو في بلادنا مشروع الحركة الصهيونية التي لن تعرف الأمان الإستراتيجي إلاّ إذا تمّ تحديث اتفاقية سايكس-بيكو وإعادة تفكيك المنطقة إلى شذرات.

الدول العربية ليست سواسية بالتأكيد وهناك فرقٌ جوهريٌ بين تلك المتمتعة بهامش من الاستقلالية عن الغرب سورية نموذجاً وتلك التابعة للغرب. من الواضح أيضاً أن الموقف من أي قوة أو شخصية أو دولة يتحدّد بناءً على مكان ودرجة اصطفافها على جنبات التناقض المركزي مع الطرف الأميركي-الصهيوني. لكن المفارقة اليوم أن كل قوة مركزية متماسكة في المنطقة باتت مستهدفة وكل جيش وطني فالمشروع الأمريكي-الصهيوني هو التفكيك ودول التجزئة التي أقيمت لتكون عائقاً أمام مشروع التحرّر والنهوض القومي الدول القُطرِية المقيتة بعيوبها الكثيرة باتت اليوم بالرغم منها عائقاً موضوعياً أمام مشروع التفكيك علماً أنها نتاج لنسخته الأولى قبل مئة عام لأن المطلوب اليوم تفكيكٌ أدهى وأمر.

نلاحظ في المقابل ظاهرة معولمة اليوم مناهضة لكلّ شكل من أشكال الوطنية والقومية هي الظاهرة التكفيرية الظلامية التي تخوض حرباً شعواء ضد الجيش الوطني والدولة الوطنية حيثما وجدت بغضّ النظر عن سياسات تلك الدولة تقريباً أي حتى لو كانت تابعة للغرب! وذاك ما نلاحظه من اليمن إلى المغرب العربي... وحيثما انهارت الدولة كما في الصومال أو ليبيا أو العراق فإنها تعمل حثيثاً لمنع إعادة تأسيسها. وحيثما أدّت التناقضات المحلية والتدخل الخارجي لإضعاف الدولة وسيادتها فإنها تعمّق حالة الضعف تلك موجهةً ألوف الشبّان المغرّر بهم لاستهداف صغار الجنود والشرطة بطريقة لا يمكن أن تكون عشوائية.

حول هذه النقطة تحديداً يجب أن يُطرح السؤال الآتي: كيف تستطيع حركة يفترض أن الغرب يعاديها ويحاصرها منذ عقدين أن تفتح دزينة من الجبهات المشتعلة يومياً من اليمن إلى العراق إلى سورية فسيناء والصومال وتونس والجزائر؟! من الذي يموّل ويسلّح ويدرّب ويغطّي تلك الظاهرة لوجستياً؟! لو فكرنا فقط في التموين الغذائي لعشرات ألوف الهاربين من القانون من القائم عليه وكيف يوصله بتلك الكميات إلى أماكن محظورة؟!

فهل نجح الغرب في اختراق تلك الحالة وإعادة توجيهها في قناة مشروعه لإعادة تفكيك بلادنا وغيرها مثل روسيا والصين أم أن الظاهرة التي انتجها أساساً لمحاربة حركات التحرّر الوطني في العالم الثالث ومحاصرة الشيوعية والتي بدا للحظة أنها أفلتت منه وراحت تستهدفه قد عادت إلى بيت الطاعة؟!

بلى ثمة طائرات أميركية من دون طيار في اليمن وحربٌ مستعرة في أفغانستان... لكنّ الثقل الأساسيّ اليوم للتكفيريين الظلاميين موجّه ضدّ الدول والجيوش العربية لا الغرب! ويصبّ تحديداً في طاحونة مشروع التفكيك.

  • فريق ماسة
  • 2013-11-12
  • 12475
  • من الأرشيف

حرب التكفيريين ضدّ الدول والجيوش الوطنية

حيثما حلّ التدخل الأجنبيّ في الوطن العربيّ يلاحظ المرء بالإضافة إلى الدمار والقتل الناتجين منه آثاراً سياسية عميقة تدوم طويلاً بعد انتهائه ومنها: 1 - تفكيك الدولة الوطنية ومؤسساتها. 2 - حلّ الجيش الوطني وجهاز الشرطة. 3 - انتشار دعوات ونزعات انفصال الأقاليم والنواحي الإدارية. 4 - ازدياد عبث القوى الإقليمية والدولية بتفاصيل الحياة اليومية للبلد. 5 - انفلات حبل الأمن الداخليّ على مستوى الجريمة العادية والاغتيالات العشوائية والمنهجية. 6 - اشتعال الفتن المحلية الموضعية والحروب الأهلية. 7 - وقوع موجات هجرة كبيرة إما بسبب التدخل الأجنبي وإما بسبب آثاره السياسية سالفة الذكر أو بسبب الاثنين معاً. يمكن أن نلاحظ مثل ذلك التكرار النمطي للظاهرة في العراق ثم في ليبيا كنتاج مباشر للتدخل الأجنبي كما يمكن أن نلاحظه في السودان كنتاج للتدخل الأجنبي غير المباشر ويبدو أننا على وشك أن نشهده في اليمن في ظل «حركة الملاحة» للطائرات الأميركية بلا طيار وكنا على وشك أن نشهده في سورية على نطاق أكبر بكثير لو تحوّل التدخل غير المباشر فيها إلى عدوان مباشر وهذا ما تم إجهاضه في ربع الساعة الأخير. نلاحظ في تلك الحالات كلها أن التدخل الخارجي بأشكاله المختلفة يتمّ تحت غطاء «الديموقراطية» و»حقوق الإنسان» و»حقوق الأقليات الطائفية والعرقية» ولا مانع من نقل الخطاب الإعلامي على الطلب من الحديث عن «مظلومية الشيعة» في العراق إلى «مظلومية السنة» في سورية إلى «مظلومية الأقباط» في مصر إلى «مظلومية الأفارقة» في السودان إلى «مظلومية الأمازيغ» في المغرب العربي... وقبلها إلى «مظلومية المسلمين» في يوغوسلافيا خارج العالم العربي. كما نلاحظ في كل حالات التدخل الأجنبي المباشر أو غير المباشر تركيز الخطاب الإعلامي على فرد هو رئيس الدولة غالباً خاصة في الأنظمة المنحدرة من تراث تحرّر وطنيّ أو قوميّ وعلى شيطنة ذلك الرئيس حتى تخاله أسوأ من ولدته امرأة يوماً حتى يأتي دور الرئيس الذي يليه. فإذا قبل ذلك الرئيس التجاوب مع مشروع التفكيك لإنقاذ نفسه أو إذا قبل التنحي فإن الضغط عليه كفرد قد يخفّ لكنّ مشروع التفكيك نفسه يستمرّ بالضرورة. من البديهيّ أن التدخل الأجنبي يشتغل بالأدوات المتاحة ولا يخلقها من فراغ. ففي المجتمعات التي لم تمرّ في مراحل الثورة الصناعية والنهضة والتنوير أي التي لم تذب فيها الطوائف والإثنيات والنزعات الجهوية في نسيج اجتماعي واحد ينتج «مواطناً» فحسب ودولة وطنية أو التي أجهض التدخل الأجنبي المباشر نهضتها وتحرّرها القومي أو لم تتمكن دولها المستقلة عن الاستعمار أن تحقق مثل تلك النهضة وذلك التحرر فإن النكوص إلى الحالة الطائفية والعرقية والجهوية والعشائرية أي النكوص إلى حالة التفكيك يظلّ مشروعاً كامناً يتطلّب تحويله إلى حقيقة كائنة الشروع في تفكيك الدولة الوطنية ومؤسساتها. هذه الدولة وتلك المؤسسات التي لم تعجبنا لأننا أصحاب مشروع قومي أكبر باتت اليوم مستهدفة في وجودها. فالتفكيك وكسر الحواجز السيادية هما في آنٍ واحد مشروع الشركات متعدية الحدود التي تريد استباحة العالم استثمارياً وتجارياً بلا حسب ولا رقيب وهو في بلادنا مشروع الحركة الصهيونية التي لن تعرف الأمان الإستراتيجي إلاّ إذا تمّ تحديث اتفاقية سايكس-بيكو وإعادة تفكيك المنطقة إلى شذرات. الدول العربية ليست سواسية بالتأكيد وهناك فرقٌ جوهريٌ بين تلك المتمتعة بهامش من الاستقلالية عن الغرب سورية نموذجاً وتلك التابعة للغرب. من الواضح أيضاً أن الموقف من أي قوة أو شخصية أو دولة يتحدّد بناءً على مكان ودرجة اصطفافها على جنبات التناقض المركزي مع الطرف الأميركي-الصهيوني. لكن المفارقة اليوم أن كل قوة مركزية متماسكة في المنطقة باتت مستهدفة وكل جيش وطني فالمشروع الأمريكي-الصهيوني هو التفكيك ودول التجزئة التي أقيمت لتكون عائقاً أمام مشروع التحرّر والنهوض القومي الدول القُطرِية المقيتة بعيوبها الكثيرة باتت اليوم بالرغم منها عائقاً موضوعياً أمام مشروع التفكيك علماً أنها نتاج لنسخته الأولى قبل مئة عام لأن المطلوب اليوم تفكيكٌ أدهى وأمر. نلاحظ في المقابل ظاهرة معولمة اليوم مناهضة لكلّ شكل من أشكال الوطنية والقومية هي الظاهرة التكفيرية الظلامية التي تخوض حرباً شعواء ضد الجيش الوطني والدولة الوطنية حيثما وجدت بغضّ النظر عن سياسات تلك الدولة تقريباً أي حتى لو كانت تابعة للغرب! وذاك ما نلاحظه من اليمن إلى المغرب العربي... وحيثما انهارت الدولة كما في الصومال أو ليبيا أو العراق فإنها تعمل حثيثاً لمنع إعادة تأسيسها. وحيثما أدّت التناقضات المحلية والتدخل الخارجي لإضعاف الدولة وسيادتها فإنها تعمّق حالة الضعف تلك موجهةً ألوف الشبّان المغرّر بهم لاستهداف صغار الجنود والشرطة بطريقة لا يمكن أن تكون عشوائية. حول هذه النقطة تحديداً يجب أن يُطرح السؤال الآتي: كيف تستطيع حركة يفترض أن الغرب يعاديها ويحاصرها منذ عقدين أن تفتح دزينة من الجبهات المشتعلة يومياً من اليمن إلى العراق إلى سورية فسيناء والصومال وتونس والجزائر؟! من الذي يموّل ويسلّح ويدرّب ويغطّي تلك الظاهرة لوجستياً؟! لو فكرنا فقط في التموين الغذائي لعشرات ألوف الهاربين من القانون من القائم عليه وكيف يوصله بتلك الكميات إلى أماكن محظورة؟! فهل نجح الغرب في اختراق تلك الحالة وإعادة توجيهها في قناة مشروعه لإعادة تفكيك بلادنا وغيرها مثل روسيا والصين أم أن الظاهرة التي انتجها أساساً لمحاربة حركات التحرّر الوطني في العالم الثالث ومحاصرة الشيوعية والتي بدا للحظة أنها أفلتت منه وراحت تستهدفه قد عادت إلى بيت الطاعة؟! بلى ثمة طائرات أميركية من دون طيار في اليمن وحربٌ مستعرة في أفغانستان... لكنّ الثقل الأساسيّ اليوم للتكفيريين الظلاميين موجّه ضدّ الدول والجيوش العربية لا الغرب! ويصبّ تحديداً في طاحونة مشروع التفكيك.

المصدر : البناء /د. إبراهيم علوش


اكتب تعليق

كل الحقول التي عليها علامة (*) مطلوبة