دليل ماسة
أكثر الروابط استخداما
المفارقة العجيبة هي أن يتلقى رئيس الديبلوماسية الأميركية هنري كيسنجر خبر حصوله على جائزة «نوبل للسلام» وهو جالس في أحد اجتماعات «حرب تشرين»، وليس أي اجتماع بل انه كان ينسق خططاً لإيصال المزيد من الطائرات الحربية إلى إسرائيل. وليس ذلك فقط، فإن السخرية تكمن أيضاً في أن الرئيس الأميركي ريتشارد نيكسون، صاحب إحدى أشهر الفضائح في تاريخ الإدارة الأميركية أي فضيحة «ووترغاريت»، كان يطمح الى الحصول عليها لنفسه، وفقاً لوثائق الخارجية الأميركية، التي تبين بوضوح «شماتة» كيسنجر من رئيسه، بقوله «رئيسي غاضب لأنه ظن أنه من سيحصل عليها».
وتستكمل «السفير» نشر وثائق الخارجية الأميركية خلال سنوات السبعينيات، وخصوصاً حول «حرب تشرين» في أروقة الديبلوماسية الأميركية.
سلاح النفط
وتبين الوثائق أنه منذ يوم التاسع من الحرب (15 تشرين الأول)، وبعد مد إسرائيل بجسر جوي من الدعم العسكري، لجأ كيسنجر إلى تحضير خطة احتياطية إذا لجأت الدول العربية لأي تحرك «نفطي». وفي اتصال مع أحد كبار رجال النفط في الولايات المتحدة روبرت أندرسون، حذر الأخير وزير الخارجية من أن الملك فيصل صديق الولايات المتحدة، ولكنه لا يعتقد أنه سيكون قادراً على احتواء الناشطين السعوديين إذا استمرت واشنطن في مناصرة فريق على حساب آخر. أما جواب كيسنجر فكان ببساطة «إذا هزم السوفيات إسرائيل، فإن مستقبل فيصل ليس له قيمة».
وفي خضم زحمة الحرب، تدخل وزير الخارجية السابق دين راسك لإعطاء بعض النصائح «لوريثه». ويقول له «أردت فقط أن أتأكد أن أحداً ذكرك بسياستنا خلال هذا الربع من القرن عبر دعم السياسات المستقلة لدول الشرق الأوسط بطريقة أو بأخرى، وخذ ما حصل في الكويت، ولبنان، والأردن، والسعودية، ودمام، ومصر، والمغرب، وتونس والجزائر... أما لماذا أذكر هذا، فلأني اكتشفت خلال أحاديث خاصة مع الاستخبارات العربية أنهم ليسوا مقتعنين بذلك». ومن ثم يسأل راسك «هل تتوقع تحركا عربيا موحدا لقطع النفط؟». ويأتيه الجواب «لا».
وربما في محاولة لإرضاء دولة النفط الأكبر في الخليج، تحدث كيسنجر مع نظيره السعودي عمر السقاف في الـ16 من الشهر لينقل له دعوة لزيارة الملك إلى واشنطن بعد انتهاء الحرب.
وفي الـ17 من تشرين الأول، بدا أن العرب فرحون بالأميركيين، وهذا تحديداً ما نقله كيسنجر لنيكسون بعد لقاء الأخير مع أربعة من وزراء خارجية الدول النفطية، هم أحمد طيب بنهيمة (المغرب)، وصباح أحمد الجابر الصباح (الكويت)، وعمر السقاف (السعودية)، وعبد العزيز بوتفليقة (الجزائر). وقد وصف هؤلاء نيكسون بالرجل «العظيم». وبالتالي، فإن تلك الإيجابية جعلت كيسنجر يعتقد بالقدرة على التوصل إلى وقف إطلاق نار خلال ثلاثة أو أربعة أيام.
ومن المعروف أنه في هذا اليوم، قررت الدول العربية التصعيد عبر سلاح النفط، وخفض الإنتاج بواقع خمسة في المئة شهرياً.
ولأن اللقاء كان «ناجحاً جداً» بعكس ما توقعت الصحافة، بحسب المكالمة بين نيكسون وكيسنجر، فإن الرجلين سخرا من ذلك على اعتبار أن ما حصل تزامن مع الدعم العسكري الأميركي لإسرائيل، «وفي وقت كان تحط فيه الطائرات الأميركية في إسرائيل كل نصف ساعة»، بحسب تعبير وزير الخارجية.
وتزامن ذلك مع الحديث عن مشروع قرار في مجلس الأمن على أساس القرار 242، ولكن بالطبع بحسب رضا الإسرائيليين، وهم مصرون على عدم العودة إلى حدود العام 1967.
الطرح السوفياتي
في الـ18 من تشرين الأول، حدد الروس في رسالة من الأمين العام للحزب الشيوعي ليونيد بريجنيف إلى نيكسون مطالبهم الثلاثة في القرار المرتقب. وهي كما نقلها السفير الروسي أناتولي دوبرينن لكيسنجر، أولاً وقف إطلاق نار فوري وكل العمليات العسكرية في المواقع التي وصلت إليها القوات؛ ثانياً، البدء مباشرة مع وقف إطلاق النار بانسحاب القوات الإسرائيلية من الأراضي العربية المحتلة إلى الخطوط المحددة في القرار 242 وإتمام الانسحاب في أقل وقت ممكن؛ ثالثاً، البدء مباشرة بالمشاورات اللازمة للتوصل إلى سلام مشرف في الشرق الأوسط. إلى ذلك، طلب السوفيات أن تختصر محادثات التسوية مستقبلاً عليهم وعلى الأميركيين فقط، من دون تدخل من باقي دول مجلس الأمن.
وبعد يوم واحد فقط، دعا الروس كيسنجر إلى زيارة موسكو للتشاور، وقد وافقت الإدارة الأميركية، إلا أن كيسنجر كان مقتنعاً بأنه ذاهب للبحث في وقف إطلاق النار وليس أكثر من ذلك.
بين القاهرة وتل أبيب
بدا أن الأميركيين بدأوا يشعرون بتغير السياسة المصرية، وتنقل إحدى الوثائق عن دايفيد روكفيلير، وهو أحد رجال الأعمال والسياسة الأميركيين، أنه أصبح من الواضح «أن السادات بدأ يشعر بالضغط... ومن الواضح أنه يتحرك بعيداً عن الاشتراكية، وقد أوجد لجنة لمساعدة الأشخاص على إنشاء استثمارات خاصة... وقد عين إحدى أكثر الشخصيات المحافظة فيها». وبالنتيجة، فإن كيسنجر كان مقتنعاً بأن «فرص التسوية الديبلوماسية أفضل من أي وقت مضى».
حافظ كيسنجر طوال تلك الفترة على ثقته بفوز إسرائيل، بالرغم من أنهم «يواجهون وقتاً صعباً». وفي الـ17 من تشرين الأول تلقى مكالمة من السفير الإسرائيلي في واشنطن سيمشا دينيتز، ينقل له فيها رسالة من وزير الدفاع الإسرائيلي موشي ديان، حيث إن الأخير أراد طمأنة حلفائه الأميركيين بأن الوضع على الجبهة المصرية جيد جداً، وبالتالي «ليس هناك ضرورة لتوسل أحد». وفي الرسالة ذاتها، نقل دينيتز فرح رئيسة الحكومة الإسرائيلية غولدا مائير حين رأت الطائرات الأميركية تهبط في مطار تل أبيب.
المصدر :
الماسة السورية /إعداد ربى الحسيني
اكتب تعليق
كل الحقول التي عليها علامة (*) مطلوبة