منذ بدأت التطورات الأخيرة في مصر ومطالبة التظاهرات الكبرى برحيل الرئيس محمد مرسي، احتلت الأخبار المصرية عناوين الصحف الإسرائيلية. وطفحت وسائل الإعلام الإسرائيلية بالتقارير والتحليلات، التي تغطي التطورات من الجوانب كلها تقريباً.

ولكن بالرغم من تلك التغطية، يغيب الموقف الرسمي الإسرائيلي عن كل ما يجري هناك، باستثناء إشارات عابرة إلى أن تحريك القوات المصرية في شبه جزيرة سيناء وقرب الحدود تم بموافقة إسرائيلية.

ولكن غياب الموقف الإسرائيلي الرسمي لا يعني أن حكومة بنيامين نتنياهو لا تتابع الوضع والتطورات في مصر بشكل مكثف، فثمة إدراك واسع في الأوساط الإسرائيلية الرسمية بأن الوضع في مصر كفيل بأن يترك أثراً بالغ الأهمية على كل ما يجري في المنطقة العربية، فمصر كانت ولا تزال الحجر الزاوية في النظام الإقليمي والعربي عموماً، وركيزة الاستقرار أو اضطراب الأوضاع.

ولكنّ الصمت الرسمي ينطلق في الغالب من إيمان بأنه من الأفضل لإسرائيل، ألا تظهر البتة في الصورة المصرية، خصوصاً أن الإدارة الأميركية والاتحاد الأوروبي، لا ينفكان عن إطلاق المواقف. ولا شك في أن المواقف الأميركية والأوروبية لا تجري بعيداً عن التشاور مع إسرائيل.

ومع ذلك، فإن المواقف الإسرائيلية تجاه التطورات في مصر ليست مجرد تحليل ولا توصيف، وإنما هي في الأصل تعبير عن مصلحة. وهنا لا بد أولاً من الإشارة إلى نقاط عدة تشكل مدخلاً لتعريف المصلحة وسبل التعاطي معها. وأول هذه النقاط هي الموقف من حكم «الإخوان المسلمين». إذ ترى إسرائيل في هذه الجماعة خطراً يصعب التعاطي معه، وأنه لا ينبغي قياس خطرهم وفق كلامهم اليوم، وإنما وفق أفعالهم في المستقبل. وبالعكس ترى إسرائيل في الجيش المصري، على الأقل كما هو حتى الآن، خصوصاً في ظل علاقاته الأميركية، جهة يمكن التعامل معها راهناً ومستقبلاً.

وفي المقابل فإن التيارات الليبرالية والعلمانية ليست جهة مجربة، وبالتالي لا يمكن الركون إليها. وبين هذه وتلك تكمن مصلحة إسرائيلية في عدم شيوع الديموقراطية في مصر وبقاء الخطر الإسلامي كفزاعة وكجسر للعلاقة مع حلفاء إقليميين ودوليين مؤقتين ودائمين.

وفي كل الأحوال، من المؤكد أن إسرائيل الرسمية تنطلق من زاويتين تبدوان ظاهرياً وكأنهما متناقضتان، لكنهما تكملان بعضهما بعضاً. الأولى تقول بعدم الظهور انطلاقاً من الرغبة في حصر اهتمامات الشعب المصري بنفسه وعلى قاعدة أن مشاكله الداخلية أكبر من أن تحلّ، على الأقل بالسرعة التي ينتظرها الكثيرون. فقد أشار يؤآف ليمور في «إسرائيل اليوم»، وهي الصحيفة الأقرب لنتنياهو، في مقالة بعنوان «بقاؤنا خارج الصورة أفضل لنا». وكتب بوجوب أن تعرف إسرائيل حجمها وتترك للولايات المتحدة محاولة إعادة بناء مكانتها في الشرق الأوسط في ظل خشية أميركية وإسرائيلية من شيوع الفوضى والتطرف في مصر.

وبحسب عمير ربابورات في «معاريف»، فإن الإسرائيليين في مداولاتهم الداخلية قالوا منذ البداية إن حكم «الإخوان المسلمين سيفهم الشعب أن ليس القرآن ما سيحل مشاكل البطالة والمجاعة». وفي محاولته الرد على سؤال إن كان فشل «الإخوان» في مصر ضاراً أم مفيداً لإسرائيل، كتب ربابورات أن الجواب مختلط «ففشل حكم الإخوان جيد لإسرائيل على المدى البعيد نظراً لخط الإخوان الأيديولوجي والخطر الذي يحيق باتفاق السلام مع إسرائيل إن استقر حكمهم. غير أن الجواب على المدى القصير ضار بإسرائيل، لأن الفوضى خطرة والإخوان أثبتوا براغماتيتهم، وكانوا حتى الآن عامل استقرار».

أما الزاوية الثانية فعبر عنها بوضوح رئيس مجلس الأمن القومي الإسرائيلي الأسبق الجنرال غيورا آيلاند في مقالة نشرها في «يديعوت أحرنوت». ومعروف أن هناك نصاً توراتياً يقول بأن «عمل الصديقين يقوم به الأشرار»، بمعنى أن أفعال الأعداء كثيراً ما تخدمنا ليس أقل من فعلنا. وبعدما عدّد مخاطر الفوضى في مصر، يشير إلى أن الفوضى لا تشكل خطراً استراتيجياً على إسرائيل، وأنها على العكس تحسّن وضعها الاستراتيجي كما هو الحال حالياً إزاء سوريا.

ويوحي آيلاند، انطلاقاً من الحالة السورية، بأن الجيش سيُصاب بالشلل ويخسر أسلحته مثلما سيخسر الاقتصاد قاعدته، وكل ذلك يسهم في زيادة الانقسام العربي. واعتبر أن إسرائيل نفضت يدها من الحديث عن إعادة هضبة الجولان جراء ما يجري فيها حالياً. وفي المقابل، فإن حال الجيش المصري مختلفة لأنه في كل الأحوال، مع مرسي وبعده، سيبقى وبسبب علاقاته الأميركية، يحاول منع «انتقال الأحداث إلى أرضنا».

وشدد آيلاند على أن كل من سيحكم في مصر سيبقى مشغولاً بالتطورات الداخلية ولن يكون خطراً كبيراً على إسرائيل من التحوّل ضدها. وخلص إلى «أننا قبل سنة كنا نبكي لتولي الاخوان المسلمين الحكم وخشينا دعمهم لحماس، وها هو ذا حكمهم يتضعضع، ويمكن أن نبدأ بسحب تعبيرات القلق من العام الماضي».

  • فريق ماسة
  • 2013-07-03
  • 6281
  • من الأرشيف

إسرائيل تراقب الحدث المصري عن بُعد

منذ بدأت التطورات الأخيرة في مصر ومطالبة التظاهرات الكبرى برحيل الرئيس محمد مرسي، احتلت الأخبار المصرية عناوين الصحف الإسرائيلية. وطفحت وسائل الإعلام الإسرائيلية بالتقارير والتحليلات، التي تغطي التطورات من الجوانب كلها تقريباً. ولكن بالرغم من تلك التغطية، يغيب الموقف الرسمي الإسرائيلي عن كل ما يجري هناك، باستثناء إشارات عابرة إلى أن تحريك القوات المصرية في شبه جزيرة سيناء وقرب الحدود تم بموافقة إسرائيلية. ولكن غياب الموقف الإسرائيلي الرسمي لا يعني أن حكومة بنيامين نتنياهو لا تتابع الوضع والتطورات في مصر بشكل مكثف، فثمة إدراك واسع في الأوساط الإسرائيلية الرسمية بأن الوضع في مصر كفيل بأن يترك أثراً بالغ الأهمية على كل ما يجري في المنطقة العربية، فمصر كانت ولا تزال الحجر الزاوية في النظام الإقليمي والعربي عموماً، وركيزة الاستقرار أو اضطراب الأوضاع. ولكنّ الصمت الرسمي ينطلق في الغالب من إيمان بأنه من الأفضل لإسرائيل، ألا تظهر البتة في الصورة المصرية، خصوصاً أن الإدارة الأميركية والاتحاد الأوروبي، لا ينفكان عن إطلاق المواقف. ولا شك في أن المواقف الأميركية والأوروبية لا تجري بعيداً عن التشاور مع إسرائيل. ومع ذلك، فإن المواقف الإسرائيلية تجاه التطورات في مصر ليست مجرد تحليل ولا توصيف، وإنما هي في الأصل تعبير عن مصلحة. وهنا لا بد أولاً من الإشارة إلى نقاط عدة تشكل مدخلاً لتعريف المصلحة وسبل التعاطي معها. وأول هذه النقاط هي الموقف من حكم «الإخوان المسلمين». إذ ترى إسرائيل في هذه الجماعة خطراً يصعب التعاطي معه، وأنه لا ينبغي قياس خطرهم وفق كلامهم اليوم، وإنما وفق أفعالهم في المستقبل. وبالعكس ترى إسرائيل في الجيش المصري، على الأقل كما هو حتى الآن، خصوصاً في ظل علاقاته الأميركية، جهة يمكن التعامل معها راهناً ومستقبلاً. وفي المقابل فإن التيارات الليبرالية والعلمانية ليست جهة مجربة، وبالتالي لا يمكن الركون إليها. وبين هذه وتلك تكمن مصلحة إسرائيلية في عدم شيوع الديموقراطية في مصر وبقاء الخطر الإسلامي كفزاعة وكجسر للعلاقة مع حلفاء إقليميين ودوليين مؤقتين ودائمين. وفي كل الأحوال، من المؤكد أن إسرائيل الرسمية تنطلق من زاويتين تبدوان ظاهرياً وكأنهما متناقضتان، لكنهما تكملان بعضهما بعضاً. الأولى تقول بعدم الظهور انطلاقاً من الرغبة في حصر اهتمامات الشعب المصري بنفسه وعلى قاعدة أن مشاكله الداخلية أكبر من أن تحلّ، على الأقل بالسرعة التي ينتظرها الكثيرون. فقد أشار يؤآف ليمور في «إسرائيل اليوم»، وهي الصحيفة الأقرب لنتنياهو، في مقالة بعنوان «بقاؤنا خارج الصورة أفضل لنا». وكتب بوجوب أن تعرف إسرائيل حجمها وتترك للولايات المتحدة محاولة إعادة بناء مكانتها في الشرق الأوسط في ظل خشية أميركية وإسرائيلية من شيوع الفوضى والتطرف في مصر. وبحسب عمير ربابورات في «معاريف»، فإن الإسرائيليين في مداولاتهم الداخلية قالوا منذ البداية إن حكم «الإخوان المسلمين سيفهم الشعب أن ليس القرآن ما سيحل مشاكل البطالة والمجاعة». وفي محاولته الرد على سؤال إن كان فشل «الإخوان» في مصر ضاراً أم مفيداً لإسرائيل، كتب ربابورات أن الجواب مختلط «ففشل حكم الإخوان جيد لإسرائيل على المدى البعيد نظراً لخط الإخوان الأيديولوجي والخطر الذي يحيق باتفاق السلام مع إسرائيل إن استقر حكمهم. غير أن الجواب على المدى القصير ضار بإسرائيل، لأن الفوضى خطرة والإخوان أثبتوا براغماتيتهم، وكانوا حتى الآن عامل استقرار». أما الزاوية الثانية فعبر عنها بوضوح رئيس مجلس الأمن القومي الإسرائيلي الأسبق الجنرال غيورا آيلاند في مقالة نشرها في «يديعوت أحرنوت». ومعروف أن هناك نصاً توراتياً يقول بأن «عمل الصديقين يقوم به الأشرار»، بمعنى أن أفعال الأعداء كثيراً ما تخدمنا ليس أقل من فعلنا. وبعدما عدّد مخاطر الفوضى في مصر، يشير إلى أن الفوضى لا تشكل خطراً استراتيجياً على إسرائيل، وأنها على العكس تحسّن وضعها الاستراتيجي كما هو الحال حالياً إزاء سوريا. ويوحي آيلاند، انطلاقاً من الحالة السورية، بأن الجيش سيُصاب بالشلل ويخسر أسلحته مثلما سيخسر الاقتصاد قاعدته، وكل ذلك يسهم في زيادة الانقسام العربي. واعتبر أن إسرائيل نفضت يدها من الحديث عن إعادة هضبة الجولان جراء ما يجري فيها حالياً. وفي المقابل، فإن حال الجيش المصري مختلفة لأنه في كل الأحوال، مع مرسي وبعده، سيبقى وبسبب علاقاته الأميركية، يحاول منع «انتقال الأحداث إلى أرضنا». وشدد آيلاند على أن كل من سيحكم في مصر سيبقى مشغولاً بالتطورات الداخلية ولن يكون خطراً كبيراً على إسرائيل من التحوّل ضدها. وخلص إلى «أننا قبل سنة كنا نبكي لتولي الاخوان المسلمين الحكم وخشينا دعمهم لحماس، وها هو ذا حكمهم يتضعضع، ويمكن أن نبدأ بسحب تعبيرات القلق من العام الماضي».

المصدر : الماسة السورية


اكتب تعليق

كل الحقول التي عليها علامة (*) مطلوبة