أكثرت الصحف الإسرائيلية من التعامل مع الغارات، التي شنها سلاح الجو الإسرائيلي على العاصمة السورية، من دون أن تنسب ذلك إلى «مصادر أجنبية» بسبب عدم إعلان حكومة بنيامين نتنياهو رسمياً مسؤوليتها عن هذه الغارات. وكان مميزاً يوم أمس مسارعة صحيفة «إسرائيل اليوم» المقربة من الحكومة لنشر نتائج استطلاع أظهر أن حوالي 80 في المئة من الإسرائيليين يؤيدون الغارات على سوريا، وأن نجم وزير الدفاع الإسرائيلي الجديد موشي يعلون، صعد بعدها.

وكان التبرير الأكبر للغارات قد جاء بقلم كبير معلقي «إسرائيل اليوم» دان مرغليت، الذي أشار إلى أن «ثمة مواجهات ليس من الصواب الإحجام عنها». وأشار إلى أن «الشمال الساخن برد هذا الاسبوع بعدما مرّ القيظ، إذ أظهر هجوم من الجو في كانون الثاني، نُسب لإسرائيل، أن الأخيرة لن تسمح بدخول أنواع سلاح متطور من ايران الى لبنان من دون أن تسأل رأي السيد (الى الآن) بشار الأسد»، مضيفاً «وحسمت الحكومة آنذاك ترددها تجاه مسألة الهجوم من الجو من دون التحليق في سماء سوريا. ونجح الردع الى هذه الأيام، وهناك أساس للأمل في أن ينجح هذه المرة أيضاً».

وبحسب مرغليت «قد تجعل موجة الهجمات الحالية ايران وحزب الله يغلقان مسار التهريب كما نجحت اسرائيل حقاً في تجفيف الطريق البحري من إيران مروراً بالسودان إلى غزة، فلم توجد منذ أشهر طويلة أمواج في البحر الجنوبي. أما اذا وقعت عملية رد على اسرائيل فسيقف الإيرانيون خلفها لأن الأسد غير معني بالصراع. وهو يعلم أن إسرائيل لا تقف الى جانب المتمردين، بل على عكس ذلك تقريباً».

وبديهي أن هناك من يخالفون مرغليت الرأي، ويتحفظون تجاه الغارات أو حتى يعارضونها. وفي مقابلة مع رئيس الاستخبارات العسكرية الأسبق أوري ساغي، الذي يُعتبر بين أبرز المختصين الإسرائيليين في الشأن السوري، طالب بالحذر عند التعامل مع سوريا.

وفي نظر ساغي، فإن إسرائيل «تقترب من الخط الأحمر الذي لا يعود بوسع السوريين والإيرانيين عنده ضبط أنفسهم تجاه العمليات الوقائية الإسرائيلية في سوريا ولبنان». فالعمليات المركزة ضد شحنات صاروخية يمكن أن تتدحرج إلى مواجهة عسكرية، ولذلك «فإننا لم نقترب من الخط السلبي، لكننا اقتربنا بشكل مقلق من النقطة التي ننتقل فيها من عمل وقائي إلى حدث يفتح سيرورة. والفارق كبير. سوريا وإسرائيل تقتربان من مواجهة عسكرية». وطالب ساغي الإسرائيليين بتخيل أن السوريين قرروا أن يهاجموا تل أبيب مثلاً بالصواريخ، فما الذي كان سيحصل.

وفي نوع من الرد على المزاج الشائع في الشارع الإسرائيلي بعد الغارات، قال ساغي «حسناً، بوسع المواطن في الشارع أن يرى العملية ولا يرى السياق، وهو راض عن ذلك، ولكن الوضع قد يكون خطيراً».

وأياً يكن الحال، فإن المراسل العسكري لـ«يديعوت» أليكس فيشمان اعتبر الغارات الإسرائيلية «معمودية نار». وأشار إلى تحقيق محرج جرى هذا الأسبوع في العاصمة الأميركية لمعرفة من قام بتسريب معلومات من دولة صديقة تفيد بأن اسرائيل هاجمت في نهاية الاسبوع الماضي في دمشق شحنة الصواريخ الإيرانية المرسلة الى «حزب الله».

وبحسب رأي فيشمان، فإن الحرج في البنتاغون كان مضاعفاً، «فلم يُعرّض تسريب النبأ مصالح دولة صديقة، ويُفسد علاقات الثقة بين اسرائيل والولايات المتحدة فقط، بل إنه كان في اسرائيل في تلك الايام حقاً نائب وزير الدفاع الأميركي لشؤون السياسة جيمس ميلر. وكانت تلك زيارة عمل عادية، وهي جزء من الحوار الإستراتيجي بين جهازي الدفاع. ومن المنطق أن نفترض بالطبع أن الأحداث في سوريا كانت هي الموضوع الساخن في تلك المباحثات. وفي حين كان الطرفان يتبادلان الآراء في سرية، باع شخص ما من تلك المكاتب في واشنطن، التي يخدم فيها ميلر، إسرائيل بثمن بخس، وأسوأ من ذلك أنه يُعرضها للخطر».

عموماً، رأى فيشمان أنه «في نهاية الأسبوع الأخير بلغت علاقات اسرائيل بسوريا نقطة غليان، وهو ما فرض على اسرائيل سلسلة خطوات مثل إلغاء عمليات وتقليص تدريبات عسكرية من أجل تبريد الحدود. ومن الواضح تماماً أن هذا التسريب لم يسبب لإسرائيل ضرراً سياسياً فقط بل ضرراً عملياتياً أيضاً». ولاحظ فيشمان أن «تسريب المعلومة من الأميركي الحقير، الذي عرّض اسرائيل لخطر مواجهة عسكرية مع جاراتها، أبرز موضوعاً أكثر خطراً، وهو هل توجد أصلاً سياسة إسرائيلية في مواجهة ما يجري في سوريا؟ واذا كانت توجد، فمن الذي يشرف عليها؟».

ويقول فيشمان إنه «في صيف العام 2012 بدأت في التجمع في الغرب معلومات عن أن ايران تُعد صواريخ فاتح 110 إس، للتصدير ومن جملة المصدَّر اليهم حزب الله، وحدث ذلك في الاسبوع الماضي. وعلى حسب الأنباء الأجنبية المنشورة هوجم مخزن قرب مطار دمشق ومواقع اخرى في المدينة. أي أن جزءاً من الشحنة المرسلة نُقل للخزن، وكان جزء منها يُعد لإرساله الى لبنان، ويوجد هنا إنجاز استخباري غير عادي للكشف عن نيات تهريب وسائل قتالية في الوقت المناسب».

ويضيف فيشمان بشكل لافت أن «هناك في اسرائيل من يقولون إنه فُتحت أمامنا نافذة فرص واسعة في سوريا تُمكّن من محاولة اصابة منظومات سلاح خطيرة قد يستعملها كل نظام معادٍ في المستقبل في سوريا لتقع في أيدي منظمة ارهابية مثل حزب الله أو القاعدة»، موضحاً أنه «يزعم من يؤيدون نظرية نافذة الفرص أن لإسرائيل قدرة عسكرية على تدمير هذه المخازن مع دفع ثمن محتمل إزاء الضعف السوري، وكلما كان ذلك أبكر فهو أفضل. ولم يتحول هذا التصور قط الى سياسة لأنه لا يخدم المصلحة الاسرائيلية في عدم التدخل في اسقاط الأسد. إن كل العمليات التي نُفذت الى الآن لمنع تسرب سلاح اشكالي في سوريا أو في اماكن اخرى كانت سرية. لكن عملية واسعة النطاق على مخازن سلاح في سوريا لا يمكن أن تكون سرية. وإن عملية كهذه قد تُشعل الجبهة الشمالية خلافاً للمصلحة الإسرائيلية، وتسقط نظام الأسد في وقت غير مريح لإسرائيل».

ووفقاً لفيشمان فإن «سمة السياسة الاسرائيلية الرئيسة في سوريا هي السرية، فما لم يُدخلوا أصابعهم في عيني الأسد تستطيع اسرائيل الاستمرار في العمل في سوريا في مواجهة وسائل قتالية ايرانية تُنقل الى حزب الله». ويتساءل «هل الهجوم المدوي على صواريخ في مخازن في وسط دمشق مرة بعد اخــرى هــو بمــثابة إدخـــال أصـــابـــع فـــي العينـــين؟ أهــذه هـــي الحـــالـــة التـــي تستحــق أن تُضيـــع فيــها اســرائيل المدافـــع الثقـــيلة فــي مواجــهة الأســد؟».

ورأى محلل «يديعوت» أن السوريين «بلعوا الهجوم في الليلة بين الخميس والجمعة الماضية واتهموا المتمردين. لكن لم يكن التسريب الأميركي وحده هو الذي وجه الأصابع نحو اسرائيل. فقد كان لمخططي الهجوم كما يبدو عوامل اضطرارية موضوعية، ولم تترك الخطة العملياتية للسوريين خياراً سوى اتهام اسرائيل».

أما في «اسرائيل اليوم»، فكتب أهرون لبيدوت مبيناً الفارق بين إسرائيل والولايات المتحدة في كل ما يتعلق بالعمل العسكري في سوريا. وأشار على وجه الخصوص إلى التعقيد الذي وصف به رئيس الأركان المشتركة الأميركية الجنرال مارتين ديمبسي الدفاعات الجوية السورية وكثافتها، على اعتبار أنها «تحد جدي»، واختراقها ممكن «لكنه يتطلب وقتاً وموارد كبيرة». واعتبر أنه قبل جفاف حبر هذه الكلمات كانت إسرائيل قد أغارت على أهداف في محيط دمشق من دون أن تتعرض لأي خسائر.

وبعدما يعرض لبيدوت توجه سوريا نحو تطوير قدراتها الصاروخية الدفاعية والهجومية على حد سواء إزاء إدراكها لعجزها عن مجاراة التفوق الجوي الإسرائيلي، أوضح أنها أنفقت من أجل ذلك مليارات الدولارات. ومؤخراً باتت سوريا تمتلك منظومة «سام 17» الروسية المتقدمة والدقيقة. ولكن إسرائيل، في المقابل، عمدت إلى تطوير قدرات أخرى قادت فعلياً إلى خلق فجوة تقنية كبيرة مع سوريا.

ونقل لبيدوت عن مسؤول رفيع المستوى في سلاح الجو الإسرائيلي قوله إن «لإسرائيل اليوم قدرة على أن تضرب آلاف الأهداف كل يوم. والتأليف بين المعلومات الاستخبارية وقوة النيران يمنحنا قدرة لا تكاد تتصور». ويضيف أن ما فعلته في الماضي 120 طائرة تستطــيع ان تفــعله اليوم عشر أو 20 طائرة فقط.

ويخلص لبيدوت إلى أن «الأحداث الاخيرة أثبتت ان هذا التفوق التقني ليس نظرياً، وأن له وجهاً عملياً جداً أيضاً»، فالغارة الأخيرة نفذت حسب التقديرات بتقنية تُعرف باسم «صوِّب»، وبالانكليزية «ستاند أوف»، أي الهجوم من بعيد. وبالتالي فإن صورة الهجوم هذه تُمكّن من إلقاء ذخيرة ذكية مثل صاروخ بوباي من انتاج رفائيل، في حين لا تكون الطائرة تطير فوق الهدف بل تطلقه من بعيد ويقطع طريقه الى الهدف بصورة مستقلة. وهكذا يمكن لطائرات سلاح الجو أن تخترق «أفضل دفاع جوي في العالم» حول حوض دمشق وتعود الى قواعدها بسلام.

 

  • فريق ماسة
  • 2013-05-10
  • 2582
  • من الأرشيف

تقييم إسرائيلي للغارات على سورية: ترحيب... وقلق من التداعيات

أكثرت الصحف الإسرائيلية من التعامل مع الغارات، التي شنها سلاح الجو الإسرائيلي على العاصمة السورية، من دون أن تنسب ذلك إلى «مصادر أجنبية» بسبب عدم إعلان حكومة بنيامين نتنياهو رسمياً مسؤوليتها عن هذه الغارات. وكان مميزاً يوم أمس مسارعة صحيفة «إسرائيل اليوم» المقربة من الحكومة لنشر نتائج استطلاع أظهر أن حوالي 80 في المئة من الإسرائيليين يؤيدون الغارات على سوريا، وأن نجم وزير الدفاع الإسرائيلي الجديد موشي يعلون، صعد بعدها. وكان التبرير الأكبر للغارات قد جاء بقلم كبير معلقي «إسرائيل اليوم» دان مرغليت، الذي أشار إلى أن «ثمة مواجهات ليس من الصواب الإحجام عنها». وأشار إلى أن «الشمال الساخن برد هذا الاسبوع بعدما مرّ القيظ، إذ أظهر هجوم من الجو في كانون الثاني، نُسب لإسرائيل، أن الأخيرة لن تسمح بدخول أنواع سلاح متطور من ايران الى لبنان من دون أن تسأل رأي السيد (الى الآن) بشار الأسد»، مضيفاً «وحسمت الحكومة آنذاك ترددها تجاه مسألة الهجوم من الجو من دون التحليق في سماء سوريا. ونجح الردع الى هذه الأيام، وهناك أساس للأمل في أن ينجح هذه المرة أيضاً». وبحسب مرغليت «قد تجعل موجة الهجمات الحالية ايران وحزب الله يغلقان مسار التهريب كما نجحت اسرائيل حقاً في تجفيف الطريق البحري من إيران مروراً بالسودان إلى غزة، فلم توجد منذ أشهر طويلة أمواج في البحر الجنوبي. أما اذا وقعت عملية رد على اسرائيل فسيقف الإيرانيون خلفها لأن الأسد غير معني بالصراع. وهو يعلم أن إسرائيل لا تقف الى جانب المتمردين، بل على عكس ذلك تقريباً». وبديهي أن هناك من يخالفون مرغليت الرأي، ويتحفظون تجاه الغارات أو حتى يعارضونها. وفي مقابلة مع رئيس الاستخبارات العسكرية الأسبق أوري ساغي، الذي يُعتبر بين أبرز المختصين الإسرائيليين في الشأن السوري، طالب بالحذر عند التعامل مع سوريا. وفي نظر ساغي، فإن إسرائيل «تقترب من الخط الأحمر الذي لا يعود بوسع السوريين والإيرانيين عنده ضبط أنفسهم تجاه العمليات الوقائية الإسرائيلية في سوريا ولبنان». فالعمليات المركزة ضد شحنات صاروخية يمكن أن تتدحرج إلى مواجهة عسكرية، ولذلك «فإننا لم نقترب من الخط السلبي، لكننا اقتربنا بشكل مقلق من النقطة التي ننتقل فيها من عمل وقائي إلى حدث يفتح سيرورة. والفارق كبير. سوريا وإسرائيل تقتربان من مواجهة عسكرية». وطالب ساغي الإسرائيليين بتخيل أن السوريين قرروا أن يهاجموا تل أبيب مثلاً بالصواريخ، فما الذي كان سيحصل. وفي نوع من الرد على المزاج الشائع في الشارع الإسرائيلي بعد الغارات، قال ساغي «حسناً، بوسع المواطن في الشارع أن يرى العملية ولا يرى السياق، وهو راض عن ذلك، ولكن الوضع قد يكون خطيراً». وأياً يكن الحال، فإن المراسل العسكري لـ«يديعوت» أليكس فيشمان اعتبر الغارات الإسرائيلية «معمودية نار». وأشار إلى تحقيق محرج جرى هذا الأسبوع في العاصمة الأميركية لمعرفة من قام بتسريب معلومات من دولة صديقة تفيد بأن اسرائيل هاجمت في نهاية الاسبوع الماضي في دمشق شحنة الصواريخ الإيرانية المرسلة الى «حزب الله». وبحسب رأي فيشمان، فإن الحرج في البنتاغون كان مضاعفاً، «فلم يُعرّض تسريب النبأ مصالح دولة صديقة، ويُفسد علاقات الثقة بين اسرائيل والولايات المتحدة فقط، بل إنه كان في اسرائيل في تلك الايام حقاً نائب وزير الدفاع الأميركي لشؤون السياسة جيمس ميلر. وكانت تلك زيارة عمل عادية، وهي جزء من الحوار الإستراتيجي بين جهازي الدفاع. ومن المنطق أن نفترض بالطبع أن الأحداث في سوريا كانت هي الموضوع الساخن في تلك المباحثات. وفي حين كان الطرفان يتبادلان الآراء في سرية، باع شخص ما من تلك المكاتب في واشنطن، التي يخدم فيها ميلر، إسرائيل بثمن بخس، وأسوأ من ذلك أنه يُعرضها للخطر». عموماً، رأى فيشمان أنه «في نهاية الأسبوع الأخير بلغت علاقات اسرائيل بسوريا نقطة غليان، وهو ما فرض على اسرائيل سلسلة خطوات مثل إلغاء عمليات وتقليص تدريبات عسكرية من أجل تبريد الحدود. ومن الواضح تماماً أن هذا التسريب لم يسبب لإسرائيل ضرراً سياسياً فقط بل ضرراً عملياتياً أيضاً». ولاحظ فيشمان أن «تسريب المعلومة من الأميركي الحقير، الذي عرّض اسرائيل لخطر مواجهة عسكرية مع جاراتها، أبرز موضوعاً أكثر خطراً، وهو هل توجد أصلاً سياسة إسرائيلية في مواجهة ما يجري في سوريا؟ واذا كانت توجد، فمن الذي يشرف عليها؟». ويقول فيشمان إنه «في صيف العام 2012 بدأت في التجمع في الغرب معلومات عن أن ايران تُعد صواريخ فاتح 110 إس، للتصدير ومن جملة المصدَّر اليهم حزب الله، وحدث ذلك في الاسبوع الماضي. وعلى حسب الأنباء الأجنبية المنشورة هوجم مخزن قرب مطار دمشق ومواقع اخرى في المدينة. أي أن جزءاً من الشحنة المرسلة نُقل للخزن، وكان جزء منها يُعد لإرساله الى لبنان، ويوجد هنا إنجاز استخباري غير عادي للكشف عن نيات تهريب وسائل قتالية في الوقت المناسب». ويضيف فيشمان بشكل لافت أن «هناك في اسرائيل من يقولون إنه فُتحت أمامنا نافذة فرص واسعة في سوريا تُمكّن من محاولة اصابة منظومات سلاح خطيرة قد يستعملها كل نظام معادٍ في المستقبل في سوريا لتقع في أيدي منظمة ارهابية مثل حزب الله أو القاعدة»، موضحاً أنه «يزعم من يؤيدون نظرية نافذة الفرص أن لإسرائيل قدرة عسكرية على تدمير هذه المخازن مع دفع ثمن محتمل إزاء الضعف السوري، وكلما كان ذلك أبكر فهو أفضل. ولم يتحول هذا التصور قط الى سياسة لأنه لا يخدم المصلحة الاسرائيلية في عدم التدخل في اسقاط الأسد. إن كل العمليات التي نُفذت الى الآن لمنع تسرب سلاح اشكالي في سوريا أو في اماكن اخرى كانت سرية. لكن عملية واسعة النطاق على مخازن سلاح في سوريا لا يمكن أن تكون سرية. وإن عملية كهذه قد تُشعل الجبهة الشمالية خلافاً للمصلحة الإسرائيلية، وتسقط نظام الأسد في وقت غير مريح لإسرائيل». ووفقاً لفيشمان فإن «سمة السياسة الاسرائيلية الرئيسة في سوريا هي السرية، فما لم يُدخلوا أصابعهم في عيني الأسد تستطيع اسرائيل الاستمرار في العمل في سوريا في مواجهة وسائل قتالية ايرانية تُنقل الى حزب الله». ويتساءل «هل الهجوم المدوي على صواريخ في مخازن في وسط دمشق مرة بعد اخــرى هــو بمــثابة إدخـــال أصـــابـــع فـــي العينـــين؟ أهــذه هـــي الحـــالـــة التـــي تستحــق أن تُضيـــع فيــها اســرائيل المدافـــع الثقـــيلة فــي مواجــهة الأســد؟». ورأى محلل «يديعوت» أن السوريين «بلعوا الهجوم في الليلة بين الخميس والجمعة الماضية واتهموا المتمردين. لكن لم يكن التسريب الأميركي وحده هو الذي وجه الأصابع نحو اسرائيل. فقد كان لمخططي الهجوم كما يبدو عوامل اضطرارية موضوعية، ولم تترك الخطة العملياتية للسوريين خياراً سوى اتهام اسرائيل». أما في «اسرائيل اليوم»، فكتب أهرون لبيدوت مبيناً الفارق بين إسرائيل والولايات المتحدة في كل ما يتعلق بالعمل العسكري في سوريا. وأشار على وجه الخصوص إلى التعقيد الذي وصف به رئيس الأركان المشتركة الأميركية الجنرال مارتين ديمبسي الدفاعات الجوية السورية وكثافتها، على اعتبار أنها «تحد جدي»، واختراقها ممكن «لكنه يتطلب وقتاً وموارد كبيرة». واعتبر أنه قبل جفاف حبر هذه الكلمات كانت إسرائيل قد أغارت على أهداف في محيط دمشق من دون أن تتعرض لأي خسائر. وبعدما يعرض لبيدوت توجه سوريا نحو تطوير قدراتها الصاروخية الدفاعية والهجومية على حد سواء إزاء إدراكها لعجزها عن مجاراة التفوق الجوي الإسرائيلي، أوضح أنها أنفقت من أجل ذلك مليارات الدولارات. ومؤخراً باتت سوريا تمتلك منظومة «سام 17» الروسية المتقدمة والدقيقة. ولكن إسرائيل، في المقابل، عمدت إلى تطوير قدرات أخرى قادت فعلياً إلى خلق فجوة تقنية كبيرة مع سوريا. ونقل لبيدوت عن مسؤول رفيع المستوى في سلاح الجو الإسرائيلي قوله إن «لإسرائيل اليوم قدرة على أن تضرب آلاف الأهداف كل يوم. والتأليف بين المعلومات الاستخبارية وقوة النيران يمنحنا قدرة لا تكاد تتصور». ويضيف أن ما فعلته في الماضي 120 طائرة تستطــيع ان تفــعله اليوم عشر أو 20 طائرة فقط. ويخلص لبيدوت إلى أن «الأحداث الاخيرة أثبتت ان هذا التفوق التقني ليس نظرياً، وأن له وجهاً عملياً جداً أيضاً»، فالغارة الأخيرة نفذت حسب التقديرات بتقنية تُعرف باسم «صوِّب»، وبالانكليزية «ستاند أوف»، أي الهجوم من بعيد. وبالتالي فإن صورة الهجوم هذه تُمكّن من إلقاء ذخيرة ذكية مثل صاروخ بوباي من انتاج رفائيل، في حين لا تكون الطائرة تطير فوق الهدف بل تطلقه من بعيد ويقطع طريقه الى الهدف بصورة مستقلة. وهكذا يمكن لطائرات سلاح الجو أن تخترق «أفضل دفاع جوي في العالم» حول حوض دمشق وتعود الى قواعدها بسلام.  

المصدر : الماسة السورية


اكتب تعليق

كل الحقول التي عليها علامة (*) مطلوبة