يختصر مصدر عربي لـ«السفير» حصيلة الأيام الأخيرة من رحلات المبعوث العربي والدولي إلى سوريا الأخضر الإبراهيمي إلى دمشق فموسكو قالقاهرة، بأنها لم تدفع بالإبراهيمي خطوة واحدة إلى الأمام، سوى أنها أنقذت مهمته من النسيان.

فخلال لقائه بالرئيس السوري لم يقدم الإبراهيمي سوى ما أتاحه له هامش التقارب الروسي ـ الأميركي في لقاءي جنيف ودبلن، بجس نبض الرئيس الأسد ومدى استعداده للدخول في عملية سياسية تراكمية، تبدأ بحكومة انتقالية ونقل صلاحيات وتنتهي بإخراجه من المشهد السياسي قبل أن تطرح ملفات أخرى لا تزال تحت الطاولة، كملف المحكمة الدولية الذي سيظل ملفاً مؤجلاً إلى حين نضوج الظروف السياسية والدولية والحقوقية الضرورية لطرحه، باعتبار أن طرح جميع الملفات دفعة واحدة سيؤدي إلى المخاطرة بإسقاط كل احتمالات التسوية السياسية، هي في الأصل هشة، و«الانتحار ديبلوماسياً».

وفضلاً عن عرض ما اعتبره اتصالات دولية وعربية تدعم ما جاء به، عرض الإبراهيمي حكومة انتقالية وافق عليها الأسد، وبصلاحيات موسعة، وطالب بوقت لدراسة مطالب أخرى والرد عليها.

 

لكن الإبراهيمي نفسه لم يأت إلى الاجتماع القصير في دمشق إلى جوهر المهمة التي جعلت الأميركيين يوافقون على ابتعاثه مع الروس: الصلاحيات التي تجعل من الحكومة الانتقالية قادرة على إجراء إعادة هيكلة الجيش والأمن، وهما عصب النظام السوري، وهو ما يرفضه الرئيس السوري. أما تحديد موعد واضح لخروج الأسد من السلطة، فهو ملف لم يفاتح به الإبراهيمي مضيفه السوري في أي لحظة من اللقاء بينهما.

وقدم الديبلوماسي الجزائري فكرتين لتجاوز الاستعصاء الرئاسي، وتفادي تفجير مهمته بمطالبة الأسد بالتنحي في سياق تشكيل الحكومة الانتقالية: تقصير ولاية الرئيس السوري بإجراء انتخابات مبكرة في الأشهر المقبلة، أو تحويل سوريا نحو النظام البرلماني، لنسف صلاحيات الرئيس من الخارج، بعد تحصنه بها داخلياً للبقاء في منصبه. ورفض الرئيس السوري فكرة الإبراهيمي الأولى تقديم موعد الانتخابات من ربيع العام 2014 إلى منتصف العام المقبل.

وكان طموح الإبراهيمي هو تقصير ولاية الأسد عاماً كاملاً لتجاوز مشكلة مطالبته بالتنحي وبقائه على رأس البلاد عاماً ونصف العام، وإيجاد ظروف مؤاتية لوقف القتال ونشر قوات مراقبة وقف إطلاق النار، وإعادة الجيش إلى ثكناته وإطلاق المعتقلين، وتنفيذ أجندة جنيف كاملة. وهو ما ابلغه نائب وزير الخارجية السوري فيصل المقداد إلى الجانب الروسي، عندما سبق بساعات، إلى موسكو، الإبراهيمي لتوضيح موقف الأسد من المطالب التي يحملها الإبراهيمي.

وفي موسكو أبلغ الإبراهيمي مرة ثانية من الجانب الروسي أن الرئيس السوري إذ يوافق على حكومة انتقالية إلا انه يرفض استبعاده خلال المرحلة الانتقالية من مناصبه، ..من دون أن يصل النقاش إلى التفاصيل. كما أن الإبراهيمي ابلغ في موسكو وفي دمشق أن الرئيس السوري يعتزم خوض غمار الانتخابات الرئاسية ربيع العام 2014، أي أن أياً من المطالب الجوهرية التي يحملها والتي تعطي مهمته معناها الخاص لم تحقق أي اختراق.

ويروج الإبراهيمي، منذ أن غادر موسكو، لفكرته الثانية بتحويل النظام في سوريا إلى نظام برلماني، لإفراغ المنصب الرئاسي والصلاحيات الممنوحة للرئيس من أي معنى، وتجاوز عقبة تنحي الأسد، منذ الآن، فيصبح بقاء الأسد رئيساً وترشحه إلى الرئاسة ربيع عام 2014 غير ذي شأن.

 

إلا أن المحاولة الإبراهيمية تشبه وضع العربة أمام الحصان، فليس من اختصاص الحكومة الانتقالية تغيير النظام السياسي من رئاسي حصري إلى برلماني حكومي، لكنها قادرة على الحكم بموجب إعلان دستوري محدود، وبناء على إعلان رئاسي بنقل الصلاحيات. ويعود إلى مجلس تأسيسي سوري منتخب حق تغيير آليات عمل المؤسسات السورية أو إلى مجلس الشعب الحالي.

وقبل نهاية الشهر المقبل يعود الروس والأميركيون والإبراهيمي إلى جنيف لتقييم مشترك لأيام الإبراهيمي الدمشقية، مع ثوابت لم تتغير: الأسد لن يخرج في منتهى أي عملية انتقالية، ولن يتنازل عن صلاحياته لأي حكومة انتقالية، إلا بضمانات: البقاء في منصبه حتى ربيع العام 2014، والحق في المشاركة في أي انتخابات تلي المرحلة الانتقالية كائناً من كان يقودها.

وكان الإبراهيمي كرر، في القاهرة أمس، تحذيره من «صوملة وجحيم» في سوريا إذا لم يتم إيجاد حل سياسي قريباً للأزمة يستند على «اتفاق جنيف»، موضحاًُ أن لديه «مقترحاً يمكن أن يتبناه المجتمع الدولي» لإنهاء الأزمة «يتضمن وقف إطلاق النار وتشكيل حكومة كاملة الصلاحيات وخطوات تؤدي إلى انتخابات إما رئاسية أو برلمانية، وأرجح أن تكون برلمانية لأن السوريين سيرفضون النظام الرئاسي»وفق تعبيره.

وحول إصرار المعارضة على رحيل الأسد قبل الحديث عن أي حل للأزمة، قال الإبراهيمي «من حق المعارضة السورية أن تطالب برحيل رئيسها اليوم قبل الغد، ولكن كيف؟، هم يتحدثون بذلك منذ أكثر من عامين».

وأعلن وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف، خلال مؤتمر صحافي مع الإبراهيمي في موسكو، أن «هناك إجماعاً على القول بأن فرص التوصل إلى حل سياسي ما زالت متوافرة». وأوضح «قال الأسد مراراً إنه لا ينوي الذهاب إلى أي مكان، وإنه سيبقى في منصبه حتى النهاية، وليس ممكناً تغيير هذا الموقف». وأضاف «عندما تقول المعارضة إن رحيل الأسد هو وحده الذي سيسمح لها ببدء حوار حول مستقبل بلدها فإننا نعتقد أن هذا خطأ، بل ويؤدي إلى نتائج عكسية. تكلفة هذا الشرط المسبق هو أرواح المزيد من المواطنين السوريين».

 

  • فريق ماسة
  • 2012-12-30
  • 3504
  • من الأرشيف

الإبراهيمي و«جـسّ نبـض» دمشـق وموسـكو: كيف حاذر نحر مهمته؟ وماذا سمع من الأسد؟

يختصر مصدر عربي لـ«السفير» حصيلة الأيام الأخيرة من رحلات المبعوث العربي والدولي إلى سوريا الأخضر الإبراهيمي إلى دمشق فموسكو قالقاهرة، بأنها لم تدفع بالإبراهيمي خطوة واحدة إلى الأمام، سوى أنها أنقذت مهمته من النسيان. فخلال لقائه بالرئيس السوري لم يقدم الإبراهيمي سوى ما أتاحه له هامش التقارب الروسي ـ الأميركي في لقاءي جنيف ودبلن، بجس نبض الرئيس الأسد ومدى استعداده للدخول في عملية سياسية تراكمية، تبدأ بحكومة انتقالية ونقل صلاحيات وتنتهي بإخراجه من المشهد السياسي قبل أن تطرح ملفات أخرى لا تزال تحت الطاولة، كملف المحكمة الدولية الذي سيظل ملفاً مؤجلاً إلى حين نضوج الظروف السياسية والدولية والحقوقية الضرورية لطرحه، باعتبار أن طرح جميع الملفات دفعة واحدة سيؤدي إلى المخاطرة بإسقاط كل احتمالات التسوية السياسية، هي في الأصل هشة، و«الانتحار ديبلوماسياً». وفضلاً عن عرض ما اعتبره اتصالات دولية وعربية تدعم ما جاء به، عرض الإبراهيمي حكومة انتقالية وافق عليها الأسد، وبصلاحيات موسعة، وطالب بوقت لدراسة مطالب أخرى والرد عليها.   لكن الإبراهيمي نفسه لم يأت إلى الاجتماع القصير في دمشق إلى جوهر المهمة التي جعلت الأميركيين يوافقون على ابتعاثه مع الروس: الصلاحيات التي تجعل من الحكومة الانتقالية قادرة على إجراء إعادة هيكلة الجيش والأمن، وهما عصب النظام السوري، وهو ما يرفضه الرئيس السوري. أما تحديد موعد واضح لخروج الأسد من السلطة، فهو ملف لم يفاتح به الإبراهيمي مضيفه السوري في أي لحظة من اللقاء بينهما. وقدم الديبلوماسي الجزائري فكرتين لتجاوز الاستعصاء الرئاسي، وتفادي تفجير مهمته بمطالبة الأسد بالتنحي في سياق تشكيل الحكومة الانتقالية: تقصير ولاية الرئيس السوري بإجراء انتخابات مبكرة في الأشهر المقبلة، أو تحويل سوريا نحو النظام البرلماني، لنسف صلاحيات الرئيس من الخارج، بعد تحصنه بها داخلياً للبقاء في منصبه. ورفض الرئيس السوري فكرة الإبراهيمي الأولى تقديم موعد الانتخابات من ربيع العام 2014 إلى منتصف العام المقبل. وكان طموح الإبراهيمي هو تقصير ولاية الأسد عاماً كاملاً لتجاوز مشكلة مطالبته بالتنحي وبقائه على رأس البلاد عاماً ونصف العام، وإيجاد ظروف مؤاتية لوقف القتال ونشر قوات مراقبة وقف إطلاق النار، وإعادة الجيش إلى ثكناته وإطلاق المعتقلين، وتنفيذ أجندة جنيف كاملة. وهو ما ابلغه نائب وزير الخارجية السوري فيصل المقداد إلى الجانب الروسي، عندما سبق بساعات، إلى موسكو، الإبراهيمي لتوضيح موقف الأسد من المطالب التي يحملها الإبراهيمي. وفي موسكو أبلغ الإبراهيمي مرة ثانية من الجانب الروسي أن الرئيس السوري إذ يوافق على حكومة انتقالية إلا انه يرفض استبعاده خلال المرحلة الانتقالية من مناصبه، ..من دون أن يصل النقاش إلى التفاصيل. كما أن الإبراهيمي ابلغ في موسكو وفي دمشق أن الرئيس السوري يعتزم خوض غمار الانتخابات الرئاسية ربيع العام 2014، أي أن أياً من المطالب الجوهرية التي يحملها والتي تعطي مهمته معناها الخاص لم تحقق أي اختراق. ويروج الإبراهيمي، منذ أن غادر موسكو، لفكرته الثانية بتحويل النظام في سوريا إلى نظام برلماني، لإفراغ المنصب الرئاسي والصلاحيات الممنوحة للرئيس من أي معنى، وتجاوز عقبة تنحي الأسد، منذ الآن، فيصبح بقاء الأسد رئيساً وترشحه إلى الرئاسة ربيع عام 2014 غير ذي شأن.   إلا أن المحاولة الإبراهيمية تشبه وضع العربة أمام الحصان، فليس من اختصاص الحكومة الانتقالية تغيير النظام السياسي من رئاسي حصري إلى برلماني حكومي، لكنها قادرة على الحكم بموجب إعلان دستوري محدود، وبناء على إعلان رئاسي بنقل الصلاحيات. ويعود إلى مجلس تأسيسي سوري منتخب حق تغيير آليات عمل المؤسسات السورية أو إلى مجلس الشعب الحالي. وقبل نهاية الشهر المقبل يعود الروس والأميركيون والإبراهيمي إلى جنيف لتقييم مشترك لأيام الإبراهيمي الدمشقية، مع ثوابت لم تتغير: الأسد لن يخرج في منتهى أي عملية انتقالية، ولن يتنازل عن صلاحياته لأي حكومة انتقالية، إلا بضمانات: البقاء في منصبه حتى ربيع العام 2014، والحق في المشاركة في أي انتخابات تلي المرحلة الانتقالية كائناً من كان يقودها. وكان الإبراهيمي كرر، في القاهرة أمس، تحذيره من «صوملة وجحيم» في سوريا إذا لم يتم إيجاد حل سياسي قريباً للأزمة يستند على «اتفاق جنيف»، موضحاًُ أن لديه «مقترحاً يمكن أن يتبناه المجتمع الدولي» لإنهاء الأزمة «يتضمن وقف إطلاق النار وتشكيل حكومة كاملة الصلاحيات وخطوات تؤدي إلى انتخابات إما رئاسية أو برلمانية، وأرجح أن تكون برلمانية لأن السوريين سيرفضون النظام الرئاسي»وفق تعبيره. وحول إصرار المعارضة على رحيل الأسد قبل الحديث عن أي حل للأزمة، قال الإبراهيمي «من حق المعارضة السورية أن تطالب برحيل رئيسها اليوم قبل الغد، ولكن كيف؟، هم يتحدثون بذلك منذ أكثر من عامين». وأعلن وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف، خلال مؤتمر صحافي مع الإبراهيمي في موسكو، أن «هناك إجماعاً على القول بأن فرص التوصل إلى حل سياسي ما زالت متوافرة». وأوضح «قال الأسد مراراً إنه لا ينوي الذهاب إلى أي مكان، وإنه سيبقى في منصبه حتى النهاية، وليس ممكناً تغيير هذا الموقف». وأضاف «عندما تقول المعارضة إن رحيل الأسد هو وحده الذي سيسمح لها ببدء حوار حول مستقبل بلدها فإننا نعتقد أن هذا خطأ، بل ويؤدي إلى نتائج عكسية. تكلفة هذا الشرط المسبق هو أرواح المزيد من المواطنين السوريين».  

المصدر : السفير - محمد بلوط


اكتب تعليق

كل الحقول التي عليها علامة (*) مطلوبة