دليل ماسة
أكثر الروابط استخداما
ارتباك في صفوف معارضة الخارج السورية. وهو ارتباك بدا واضحا في تعثر ولادة «مجلس وطني انتقالي» سوري، يفترض فيه أن يجمع في إطار واحد معارضتي الداخل والخارج تحت سقف واحد، ويقدم للأسرة الدولية رافعة سورية تبرر احتمالات تدخل دبلوماسي.
ووحده توصيف الإطار «بالانتقالي» كفى لتظهير ارتباك وجوه سورية معارضة بارزة، استدركت الأمر ونفت علمها المسبق بتشكيله. ذلك أن التوصيف يخاطر باستدعاء تدخل خارجي، ويذكر بمجلس انتقالي وطني آخر، لم يستطع أن يقود الثورة ضد نظامه إلى النصر إلا تحت أجنحة طائرات حلف شمال الأطلسي.
إطلاقه الحصري من «الجزيرة» من دون غيرها، وكما تبين في ما بعد، من دون إعلام مسبق لكثيرين من الأسماء المعارضة، استدعى تساؤلا مشروعا لدى وجوه المعارضة في فرنسا، عما إذا كانت الفضائية الأوسع انتشارا في الوطن العربي تعبر أيضا عن إلحاح رسمي قطري، يستعجل المعارضة السورية في الخارج، توحيد صفوفها، ولم شمل مؤتمراتها في اسطنبول وبروكسل وأنتاليا، في مجلس واحد، يبلور قيادة خارجية واضحة، يمكن أصدقاءها انتزاع الاعتراف بها أوروبيا وأميركيا وعربيا، ممثلا للحراك الشعبي السوري.
ورغم المسارعة في باريس إلى دفن المبادرة، بسبب تحفظات، بدا اغلبها شكليا، ويتعلق بطريقة الإعلان عن المجلس. ففي أكثر من محفل أكد المعارض السوري البارز برهان غليون، الذي وضعه الإعلان على رأس المجلس الانتقالي رفضه الفكرة، لوجود أسماء مرفوضة، ولإحالة تسمية الانتقالي الواضحة إلى السابقة الليبية التي تجعل من التدخل العسكري الخارجي، وليس الثورة الشعبية السلمية، عنصرا حاسما في إسقاط النظام. ولكنه قال أيضا إن همي الأول «هو أن اجعل من هذه المبادرة نقطة انطلاق من اجل إقامة جبهة معارضة قوية وحقيقية».
وتعتقد المعارضة السورية في باريس أن رجل الأعمال السوري المعارض كمال سنقر هو من عمل على تشكيل «المجلس الوطني الانتقالي»، في محاولة لوضع المعارضين في الخارج أمام مسؤولياتهم. وقدم سنقر منذ بداية الحراك، تمويلا واسعا لكي تنعقد مؤتمرات انتاليا واسطنبول.
وتعود معارضة سنقر إلى أكثر من عقدين عندما انتزع مقربون بارزون من النظام وكالته الحصرية لسيارات مرسيدس في دمشق، فانتقل منها إلى دبي مركز عمله الحالي. وضم سنقر إلى المجلس المعلن 94 معارضا، 52 منهم من معارضة الداخل، و42 من وجوه المعارضة السورية الخارجية ـ أحزابها وتنسيقياتها.
وبغض النظر عن مآل الإعلان عن مجلس انتقالي وطني سوري، ومواراته في الثرى بسرعة، إلا أن المحاولة لم تلق ردودا سلبية، كما لم يلق الغرض الإستراتيجي من إعلانها، أي اعتراف أوروبي وأميركي وعربي بممثل «شرعي» صدى علنيا، لأنه يمكن لمن أعلنوا فقدان الرئيس بشار الأسد شرعيته، أن يخاطبوا عبر أشخاصه الشعب السوري.
ويتيح الإعلان عن مجلس موحد للمعارضة السورية، بعيدا عن السيناريو الليبي، إيجاد نقطة ارتكاز شرعية سورية، للالتفاف على معضلة الفيتو الروسي، وكتلة الهند والبرازيل والصين وجنوب أفريقيا، التي تمنع استصدار أي قرار إدانة للنظام السوري، كما تعيق إسباغ الشرعية الدولية على أي سيناريو للتدخل في سوريا، مهما تضاءل شأنه. وعبرت وزيرة الخارجية الأميركية هيلاري كلينتون عن مأزق انقسام المعارضة السورية، والحاجة إليها «لأن الضغوط الدولية، ضد الأسد، تحتاج إلى معارضة منظمة وهي غير موجودة».
وبحثا عن مخرج للالتفاف على العقدة الروسية وغيرها في مجلس الأمن الدولي، كان لافتا إعلان وزير الخارجية الفرنسية ألان جوبيه، للمرة الأولى منذ اندلاع الاحتجاجات في سورية، عن «عزمنا تطوير اتصالاتنا بالمعارضة السورية».
وكان دبلوماسي فرنسي أجاب «السفير» عن رأيه بالمجلس الوطني الانتقالي واحتمال نيله اعترافا فرنسيا، بالقول «إننا نتابع الأمر وسنرى». وإذا كان من المبكر القول ما ستؤول إليه المواقف الدولية الأخرى، إلا أن متابعة الموقف الفرنسي مهمة جدا. فبفضل سبقه الولايات المتحدة إلى الصدام مع النظام السوري، لا سيما في طلب مبكر إلى مجلس الأمن لإدانة سوريا، وترؤس حملة العقوبات في الاتحاد الأوروبي، أصبح الكلام الدبلوماسي الفرنسي بصدد سوريا، معارضة ونظاما، عامل ضغط كبيرا على الدبلوماسيات الأوروبية والأميركية، ومؤشرا على المنحى الذي ستسلكه هذه الدبلوماسيات، ولو بعد حين.
والحال إن تدرج المواقف الأميركية من مطالبة الأسد بالإصلاح، فقيادة مرحلة انتقالية، ففقدان الشرعية على لسان الرئيس باراك أوباما، فالتنحي كما قالت كلينتون، ليس سوى المآل الطبيعي لمواقف انطلقت من أوروبا وفرنسا خصوصا. وخصت الخارجية الأميركية المعارضة السورية، في الساعات الأخيرة، بموقف أكثر تفاؤلا. وقال المتحدث باسمها مارك تونر إن «المعارضة في سوريا يمكن أن تقودها معارضة ذات مصداقية، لقد أصبحت كيانا أكثر تمثيلا للمجتمع السوري، ونرى تنسيقا أوضح في صفوفها بين الداخل والخارج. لكن هناك طريقا لا بد من قطعه».
يمكن الحديث عن سيناريوهين يتقدمان محاولات التنسيق والتقارب بين أطياف المعارضة السورية، السيناريو الأول وتمثله عدة شخصيات بارزة في دمشق وباريس تعتمد على وضع مشروع إعلان مبادئ مؤسس للجمهورية الثانية، يؤكد ويعرض مقومات الدولة الديموقراطية المدنية ومشروع الانتقال الديموقراطي في مؤتمرين متوازيين في دمشق وبرلين، بحضور قوي لما يسمى الشرعية التاريخية (الأحزاب الديموقراطية المعروفة قبل آذار 2011) والشرعية الشبابية (بحضور التعبيرات المختلفة لائتلاف شباب الثورة والحركات والتنسيقيات الميدانية) في مؤتمر جامع داخل البلاد تدعو له الكتلة الأكبر، أي هيئة التنسيق الوطني لقوى التغيير الديموقراطي. ويمكن بعد ذلك تكوين جسم وطني قوي وفق آليات الحد الأدنى الديموقراطية. وكان معارضون سوريون قد طلبوا من دبلوماسيين إيرانيين التقوهم في أوروبا، حث حليفهم النظام السوري، على ضمان انعقاد هذا المؤتمر كاختبار لجدية الإيرانيين في مواصلة التحدث إلى المعارضة، وتفكيرها بالتوسط، وخلال استطلاعها مواقف المعارضين من العلاقة مع إيران والمقاومة.
أما السيناريو الثاني، فيعتمد بالأساس على لجنة تحضيرية تشكلت في باريس، وفي معركة مع الوقت مع مؤتمر المعارضة المقرر في دمشق في 16 أيلول الحالي.
وقد قدم ركن بارز في المبادرة الثانية مطالعة مختصرة، تستجيب برأيه لضرورة توحيد المعارضة، وترتكز إلى حل جميع الهيئات التي انبثقت عن مؤتمرات انتاليا وبروكسل واسطنبول.
وفي الآتي تنشر «السفير» مقدمة الخطة التي طرحت على النقاش في نطاق ضيق ومحدود:
منذ الشهر الأول للثورة ظهرت الحاجة لإطار سياسي جامع يعمل على تنسيق علاقات الثورة الداخلية بين القوى المتعددة، الميدانية والسياسية، وبينها وبين القوى الإقليمية والدولية، ويبلور خطها السياسي وشعاراتها، ويرسم إستراتيجيتها، ويحدد الخيارات الرئيسية لها. وقد زاد الشــعور بهذه الحاجة مع تطور الثورة وتزايد المكاســب والتحديات معا.
وجاءت أولى محاولات التأليف بين قوى المعارضة من المعارضة السياسية نفسها. وكانت ثمرتها تشكيل هيئة التنسيق الوطنية للتغيير الديموقراطي المعروفة. لكن الهيئة تأخرت، ولم تنجح في ضم جميع الأطراف. وقبل أن تظهر بدأت محاولات تكوين إطار جامع من خارج المعارضة الحزبية. ومنذ مؤتمر أنتاليا ولدت محاولات عديدة يجمعها منهج واحد وهو عقد مؤتمرات تختار فيها الشخصيات من قبل أصحاب المبادرة. لكن بدل توحيد قوى المعارضة أو تكوين تآلف واسع منها أنتجت هذه الصيغة نتائج عكسية. فصارت المؤتمرات قوى جديدة تزيد في الشعور بانقسام المعارضة وتشتتها. والسبب أن هذه المحاولات لم تبدأ بتوحيد القوى السياسية والميدانية القائمة على الأرض وحل المشكلات والتناقضات والخلافات التي تمزقها، وإنما أرادت أن تتجاوزها من خلال مؤتمرات تقوم على قوائم تضم عينات مختارة، حسب معايير مختلفة، من جميع الأطراف والاتجاهات، يأمل أصحابها أن تمثل القوى السياسية والشعبية عموما.
وأصبحنا أمام مجموعة من المؤتمرات التي تشكل لفيفا من الشخصيات التي تعبر عن تيارات مختلفة، لكنها متوازية ومتنافسة. وقد أدى فشل هذا المنهج إلى انتقال المبادرة إلى صفوف التنسيقيات الميدانية التي أخذت على عاتقها، مع إعلان المجلس الوطني الانتقالي، توحيد المعارضة أو تكوين إطار للعمل المشترك لكن بالمنهج نفسه، أعني فرض قائمة من الشخصيات وفرضها على الشعب والمعارضة معا.
المصدر :
الماسة السورية
اكتب تعليق
كل الحقول التي عليها علامة (*) مطلوبة