هل كان علينا ان ننتظر 18 عاما كي نفتح أدراج الرئيس حافظ الأسد ونخرج منها بعض الوثائق والاسرار .. ونتحدث عن الرجل بانصاف ونعطيه أهم لقب يحوز عليه قائد عالمي كبير .. “الرجل الذي لم يوقّع” .. وهذا الوصف هو الذي يختزل كل شيء كمعادلة فيثاغورثية و معادلة نيوتونية و معادلة اينشتاينية كلها جمعت في عبارة واحدة لها ثقل كل المعادلات السابقة مجتمعة : الرجل الذي لم يوقع !!! عبارة اجترحتها قناة الميادبن في برنامج وثائقي مهم قادم عن الرئيس الراحل حافظ الأسد ..

هاجمت الرجل في حياته وبعد مماته كل كلاب الحي ونبحته كل الجراء .. ورشقه كل غلمان العرب بالحجارة .. وكل مرتزقة الصحافة غرزوا أقلامهم في لحمه كالخناجر حتى لم يبق فيه شبر لايخلو من ضربة قلم أو رمح صحيفة .. وهاجمه كل الذين يوقعون .. وكل الذين يقبضون ويقايضون .. حتى لم تعد جماهير العرب تذكر شيئا عن حافظ الاسد سوى انه اسم مرتبط بأحداث حماة .. وسجن تدمر .. ومرتبط بالديكتاتورية .. ومرتبط بأنه نسخة معدلة وأذكى عن صدام حسين ومقابره الجماعية .. وأنه لم يطلق رصاصة على الجولان .. بل وانه سلم الجولان .. وقيل كل شيء عن الرئيس الراحل .. كل شيء الا شيئ واحد .. هو يختصر كل شيء .. ويختصر كل الحكاية وكل الأزمات التي عاصرته وحاصرته من أول تمرد في حماة الى آخر تمرد في الربيع النفطي العربي .. ويفسر كل هذا العداء والحقد الدولي والعربي عليه .. انه الرجل الذي لم يوقع أي اتفاق مع اسرائيل والرجل الذي لم يسمح لعلم اسرائيل ان يخفق في سماء أهم عاصمة عربية وأول عاصمة اسلامية على الاطلاق .. دمشق عاصمة العصر الأموي ..

كل ماقيل من كراهية بحق الرجل كان سببه أنه لم يوقع .. وكل الترويج لأحداث حماة على انها الصفحة السوداء كان لأنه لم يوقع .. وكل الحقد على اسمه وسيرته سببه انه لم يوقع .. وكل مانال سورية من ظلم وطعن وغدر حتى اليوم سببه ببساطة أن هذا الرجل لم يوقع ولم يمنح التاريخ فرصة ان يتمتع برؤية حبر قلمه يخط توقيعا على معاهدة سلام مع عدو سيرحل عن الارض ان عاجلا أو آجلا .. ويضم دمشق الى القافلة اليهودية وبضاعة شايلوك .. ولم يمنح الاسرائيليين فرصة لقائه ومصافحته .. بل وحرّم على وفود السلام السورية في واي بلانتيشن وحذرها من ان تصافح اي اسرائيلي اثناء المحادثات ..

كم حاول العالم كله أن يقبل هذا الرجل بأن ينضم الى قافلة التطبيع والتوقيع .. لكنه كان يعرف انه لو وقع العالم كله واعترف باسرائيل فان بقاء الرئيس السوري من بين شخصيات العالم التي ترفض التوقيع مع القطيع فانه سيحرج العالم كله أخلاقيا .. لأن كل العالم في قرارة نفسه يدرك ان اسرائيل باغية وظالمة وسارقة وكريهة وكاذبة ودولة بلطجة ولصوصية .. وكل سياسي في العالم يدرك ذلك في أعماق نفسه ولايجرؤ على البوح .. ولكنه سيحس بالحرج ان هناك من امتلك الشجاعة والبأس كيلا يكون جزءا من القطيع اليهودي ..

لو وقّع الرجل لتغير التاريخ كله ولكان كتاب “السيرة الأسدية” يتحدثون عن الرجل الذي كان ان يكون رسولا في سورية وعن الرجل الذي بكته الارض عند رحيله .. وسميت باسمه الشوارع في نيويورك ولندن وباريس وتل ابيب وطوكيو .. وطبعت الطوابع المخلدة له الى جانب ألفريد نوبل ..

ولكن في نفس الوقت لو وقع حافظ الأسد لتغير معنى دمشق .. ومعنى أن نكون سوريين .. وسقطت فلسطين في البحر .. وسقطت بعدها سورية في البحر .. وسقط الشرق .. وسقطت الجغرافيا .. وصار العرب والمسلمون ونبيهم ودينهم وتاريخهم خرافة ..

وهنا يأتي السؤال الكبير .. وهو ان كنا في سورية تجنبنا الحرب الكبرى علينا في ربيع العرب المشؤوم لو كان هذا الرجل قد وقع مايراد له أن يوقعه ووفر علينا هذا الثمن الهائل .. وكأن هناك من يقول: أما كان أنجى لنا لو وقع هذا الرجل ؟؟ وماهو الأجدى لنا بعد اليوم .. أن نوقع ونتبنى شعار سورية أولا .. ام لانوقع ونتبنى شعار سورية فوق الجميع الذي كان شعار الرئيس حافظ الأسد في سياسته ومواقفه؟؟ ..

قد لاأبالغ ان قلت بأن كل الحروب تخاض من اجل كلمات .. وتقرر الهزائم والانتصارات عندما تهزم الشعارات الشعارات .. فالجيوش والدبابات لاتستسلم بل شعارات الجيوش .. والجنود لايحملون السيوف والرماح والبنادق في الحرب بل الكلمات أيضا تخوض الحرب وتتبارز مع الكلمات .. ورايات الاستسلام البيضاء هي في الحقيقة كلمات ترفع على أسنة الرماح وتصلب معلنة الهزيمة وانه تم التضحية بها لتشبه المسيح على الصليب الذي كان يشبه راية بيضاء رفعها البشر على سارية الصليب وهم يستسلمون لكلمات الشيطان ..

أخشى ماكنت أخشاه ان ننجز في الحرب التي شنت على سورية نصرا عسكريا ولكن أن نتعرض لأخطر اختراق فكري وايديولوجي في صعود شعار سورية أولا على حساب شعار سورية فوق الجميع .. وأقصد فعلا الجميع في الشرق .. فالغدر العربي والحقد الذي أظهره العرب على السوريين لايبدو ان اظهاره بهذا الشكل الفاقع كان بريئا .. بل كان المقصود منه عزل الشعور السوري لينكفئ على نفسه ويرفع شعار النأي بالنفس الذي لايجسده الا شعار (سورية أولا) .. بل ان الخطيئة التي استدرجت لها حماس كانت أكبر فخ وقع فيه الفلسطينيون الحمساويون وقاموا بتنفيذه بسذاجة مطلقة كمن يطعن قلبه الموجود في صدر آخر .. فالتركيز الاعلامي الخليجي على مواقف حماس كان يقصد منه ليس اخراج حماس من سورية بل اخراج كل فلسطين من الضمير السوري الشعبي .. وتحويل فلسطين في الوعي السوري الى مصدر للكارثة كان يمكننا تجنبه لو وقّع الرئيس حافظ الاسد وتركنا يومها القضية الفلسطينية ونأينا بأنفسنا كما نأى السادات بمصر وكما نأى المعتدلون العرب والخلايجة عن فلسطين .. وكانت كلمات فيصل القاسم الموجهة للعامة من السوريين وغيرهم (هلكتو ربنا بفلسطين) هي عملية زرع لفكرة جديدة في الوعي ترمي باللائمة على عدم التوقيع على أي سلام مع اسرائيل من أجل فلسطين وكان المقصود أن يقول كل سوري في نفسه: هانحن ندفع ثمن هذا الموقف والقرار .. ولم تكن هذه الفكرة المستهترة بلاصراع مع الاسرائيليين تقدر على النمو و

  • فريق ماسة
  • 2018-07-17
  • 12343
  • من الأرشيف

حافظ الأسد .. الرجل الذي رفض التوقيع .. فجعل سورية فوق الجميع

هل كان علينا ان ننتظر 18 عاما كي نفتح أدراج الرئيس حافظ الأسد ونخرج منها بعض الوثائق والاسرار .. ونتحدث عن الرجل بانصاف ونعطيه أهم لقب يحوز عليه قائد عالمي كبير .. “الرجل الذي لم يوقّع” .. وهذا الوصف هو الذي يختزل كل شيء كمعادلة فيثاغورثية و معادلة نيوتونية و معادلة اينشتاينية كلها جمعت في عبارة واحدة لها ثقل كل المعادلات السابقة مجتمعة : الرجل الذي لم يوقع !!! عبارة اجترحتها قناة الميادبن في برنامج وثائقي مهم قادم عن الرئيس الراحل حافظ الأسد .. هاجمت الرجل في حياته وبعد مماته كل كلاب الحي ونبحته كل الجراء .. ورشقه كل غلمان العرب بالحجارة .. وكل مرتزقة الصحافة غرزوا أقلامهم في لحمه كالخناجر حتى لم يبق فيه شبر لايخلو من ضربة قلم أو رمح صحيفة .. وهاجمه كل الذين يوقعون .. وكل الذين يقبضون ويقايضون .. حتى لم تعد جماهير العرب تذكر شيئا عن حافظ الاسد سوى انه اسم مرتبط بأحداث حماة .. وسجن تدمر .. ومرتبط بالديكتاتورية .. ومرتبط بأنه نسخة معدلة وأذكى عن صدام حسين ومقابره الجماعية .. وأنه لم يطلق رصاصة على الجولان .. بل وانه سلم الجولان .. وقيل كل شيء عن الرئيس الراحل .. كل شيء الا شيئ واحد .. هو يختصر كل شيء .. ويختصر كل الحكاية وكل الأزمات التي عاصرته وحاصرته من أول تمرد في حماة الى آخر تمرد في الربيع النفطي العربي .. ويفسر كل هذا العداء والحقد الدولي والعربي عليه .. انه الرجل الذي لم يوقع أي اتفاق مع اسرائيل والرجل الذي لم يسمح لعلم اسرائيل ان يخفق في سماء أهم عاصمة عربية وأول عاصمة اسلامية على الاطلاق .. دمشق عاصمة العصر الأموي .. كل ماقيل من كراهية بحق الرجل كان سببه أنه لم يوقع .. وكل الترويج لأحداث حماة على انها الصفحة السوداء كان لأنه لم يوقع .. وكل الحقد على اسمه وسيرته سببه انه لم يوقع .. وكل مانال سورية من ظلم وطعن وغدر حتى اليوم سببه ببساطة أن هذا الرجل لم يوقع ولم يمنح التاريخ فرصة ان يتمتع برؤية حبر قلمه يخط توقيعا على معاهدة سلام مع عدو سيرحل عن الارض ان عاجلا أو آجلا .. ويضم دمشق الى القافلة اليهودية وبضاعة شايلوك .. ولم يمنح الاسرائيليين فرصة لقائه ومصافحته .. بل وحرّم على وفود السلام السورية في واي بلانتيشن وحذرها من ان تصافح اي اسرائيلي اثناء المحادثات .. كم حاول العالم كله أن يقبل هذا الرجل بأن ينضم الى قافلة التطبيع والتوقيع .. لكنه كان يعرف انه لو وقع العالم كله واعترف باسرائيل فان بقاء الرئيس السوري من بين شخصيات العالم التي ترفض التوقيع مع القطيع فانه سيحرج العالم كله أخلاقيا .. لأن كل العالم في قرارة نفسه يدرك ان اسرائيل باغية وظالمة وسارقة وكريهة وكاذبة ودولة بلطجة ولصوصية .. وكل سياسي في العالم يدرك ذلك في أعماق نفسه ولايجرؤ على البوح .. ولكنه سيحس بالحرج ان هناك من امتلك الشجاعة والبأس كيلا يكون جزءا من القطيع اليهودي .. لو وقّع الرجل لتغير التاريخ كله ولكان كتاب “السيرة الأسدية” يتحدثون عن الرجل الذي كان ان يكون رسولا في سورية وعن الرجل الذي بكته الارض عند رحيله .. وسميت باسمه الشوارع في نيويورك ولندن وباريس وتل ابيب وطوكيو .. وطبعت الطوابع المخلدة له الى جانب ألفريد نوبل .. ولكن في نفس الوقت لو وقع حافظ الأسد لتغير معنى دمشق .. ومعنى أن نكون سوريين .. وسقطت فلسطين في البحر .. وسقطت بعدها سورية في البحر .. وسقط الشرق .. وسقطت الجغرافيا .. وصار العرب والمسلمون ونبيهم ودينهم وتاريخهم خرافة .. وهنا يأتي السؤال الكبير .. وهو ان كنا في سورية تجنبنا الحرب الكبرى علينا في ربيع العرب المشؤوم لو كان هذا الرجل قد وقع مايراد له أن يوقعه ووفر علينا هذا الثمن الهائل .. وكأن هناك من يقول: أما كان أنجى لنا لو وقع هذا الرجل ؟؟ وماهو الأجدى لنا بعد اليوم .. أن نوقع ونتبنى شعار سورية أولا .. ام لانوقع ونتبنى شعار سورية فوق الجميع الذي كان شعار الرئيس حافظ الأسد في سياسته ومواقفه؟؟ .. قد لاأبالغ ان قلت بأن كل الحروب تخاض من اجل كلمات .. وتقرر الهزائم والانتصارات عندما تهزم الشعارات الشعارات .. فالجيوش والدبابات لاتستسلم بل شعارات الجيوش .. والجنود لايحملون السيوف والرماح والبنادق في الحرب بل الكلمات أيضا تخوض الحرب وتتبارز مع الكلمات .. ورايات الاستسلام البيضاء هي في الحقيقة كلمات ترفع على أسنة الرماح وتصلب معلنة الهزيمة وانه تم التضحية بها لتشبه المسيح على الصليب الذي كان يشبه راية بيضاء رفعها البشر على سارية الصليب وهم يستسلمون لكلمات الشيطان .. أخشى ماكنت أخشاه ان ننجز في الحرب التي شنت على سورية نصرا عسكريا ولكن أن نتعرض لأخطر اختراق فكري وايديولوجي في صعود شعار سورية أولا على حساب شعار سورية فوق الجميع .. وأقصد فعلا الجميع في الشرق .. فالغدر العربي والحقد الذي أظهره العرب على السوريين لايبدو ان اظهاره بهذا الشكل الفاقع كان بريئا .. بل كان المقصود منه عزل الشعور السوري لينكفئ على نفسه ويرفع شعار النأي بالنفس الذي لايجسده الا شعار (سورية أولا) .. بل ان الخطيئة التي استدرجت لها حماس كانت أكبر فخ وقع فيه الفلسطينيون الحمساويون وقاموا بتنفيذه بسذاجة مطلقة كمن يطعن قلبه الموجود في صدر آخر .. فالتركيز الاعلامي الخليجي على مواقف حماس كان يقصد منه ليس اخراج حماس من سورية بل اخراج كل فلسطين من الضمير السوري الشعبي .. وتحويل فلسطين في الوعي السوري الى مصدر للكارثة كان يمكننا تجنبه لو وقّع الرئيس حافظ الاسد وتركنا يومها القضية الفلسطينية ونأينا بأنفسنا كما نأى السادات بمصر وكما نأى المعتدلون العرب والخلايجة عن فلسطين .. وكانت كلمات فيصل القاسم الموجهة للعامة من السوريين وغيرهم (هلكتو ربنا بفلسطين) هي عملية زرع لفكرة جديدة في الوعي ترمي باللائمة على عدم التوقيع على أي سلام مع اسرائيل من أجل فلسطين وكان المقصود أن يقول كل سوري في نفسه: هانحن ندفع ثمن هذا الموقف والقرار .. ولم تكن هذه الفكرة المستهترة بلاصراع مع الاسرائيليين تقدر على النمو و

المصدر : نارام سرجون


اكتب تعليق

كل الحقول التي عليها علامة (*) مطلوبة