دليل ماسة
أكثر الروابط استخداما
«الحريري أخذلنا ست محلات بسوق الطويلة...» غصّت السيدة السبعينية وهي تستعيد مصيبتها، ثم استدركت «لأ وشو، أعطانا عشرين سهم بدلن». كنت أتذكر كلامها بينما تحاول عيناي قراءة الرقم المؤلّف من منازل كثيرة على واجهة أحد المحلات في وسط بيروت: 20000000 ليرة..
عشرون مليون ليرة ثمن شال من الريش الأحمر. هل بإمكانكم أن تتخيلوا معي هذا الرقم الذي لم أستطع تهجئته، حتى استعنت بأحد المارّة من لابسي ربطات العنق في شوارع «الداون تاون»؟
هذا الرقم لا يستطيع دفعه سوى رفاق رئيس جمعية تجار بيروت، نقولا شماس، الذي لن يسمح لمن سماهم «بقايا الشيوعيين الذين لفظتهم روسيا» بأن يحوّلوا وسط البلد إلى «أبو رخوصة» كما قال، محارباً كي تبقى «السوليدير» قبلة للخليجيين والعرب.
لكن الشبّان حوّلوا الوسط فعلاً إلى سوق «أبو رخوصة» يوم السبت الماضي ردّاً على تصريح شمّاس. وأكدّوا أن «بقايا الشيوعين»، وجميع اللبنانيين والمقيمين في لبنان، قادرون في أي لحظة على أكل الفول والترمس، وشرب القهوة، وبيع الكتب والثياب بأسعار زهيدة في في قلب العاصمة بيروت، وفي ساحة رياض الصلح، وفي الأسواق، وفي ساحة الشهداء!
عند مدخل السوق، استوقفتني حصيرة استراحت عليها أكياس بطاطا «جحا» الشهيرة، ولافته ارتخت برفق أمام الأسلاك الشائكة التي تفصل ساحة رياض الصلح عن القصر الحكومي خطّت عليها عبارة «بطاطا جحا 0.0 ليره». تناولت كيساً ورحت أبتلع حباته المنكهة بالفستق. تنقلت بين الناس، كانت السعادة تخرج من مسامهم وتنتقل إليّ. أصبت بعدوى الفرح أنا الغريبة عن هذا البلد وهم أهله المحرومون، الفقراء التعساء.
مشيت حتى وصلت إلى بسطة تعرض شهادات صاحبها الأكاديمية للبيع، تعلوها لافته كتب عليها «شهادات للبيع... ما في شغل بالبلد»، ومن بسطة الشهادات شدّني صوت بائع صبي يبعد مسافة مترين: «عشر سترينغات وسي دي رومانسي بـ 3000»، توجهت إليه وأنا أضحك ملء قلبي. سألته: «دخلك شو الماركة؟» فأجاب: «فكتوريا سيكريت، كي لين.. كلو يوجد». نظرت خلفي فوجدت شاباً يضع لافتةً على جسده، كتب عليها «شرطة السوق». توجهت إليه وأشرت بأصبعي نحو بائع «السترينغات»، وقلت: «عم يغشّ الشب.. عم يبيع فكتوريا سيكرت وكي لين بالرخيص»، فأطلق شرطي السوق الواقف على بعد خطوتين من قوى أمن قلب العاصمة ضحكته الجميله وقال: «خليه يسترزق».
في الحقيقة، لم يكن باستطاعتي أن أتخيل، قبل سنتين، أن يكون للبنان وجه آخر غير الخدود والصدور المنفوخة بالبوتوكس. هذا ما كنت أراه على الشاشات التي يلتقطها «الدِش» في فلسطين. ولو لم يكن ذلك «الدش» اللعين ينقل تلك الصور الباهرة للعاصمة بيروت وصباياها المجمّلات، لكنت أدركت حقاً أن لبنان ليس «قطعة سما» ولا «جنّات على مدّ النظر»، بل هو كما أعرفه حالياً صحراء موحشة من الفقر وغلاء المعيشة وشحادين على فتات المدن الشرهة التي خنقت أنفاس الناس وجثمت على صدورهم.
المصدر :
الأخبار/ بيروت حمود
اكتب تعليق
كل الحقول التي عليها علامة (*) مطلوبة