دليل ماسة
أكثر الروابط استخداما
هل بدأ الأميركيون يشعرون بأن الشرق الأوسط قد يفلت من أيديهم في أي لحظة؟
ربما كان السؤال الأكثر حساسية هو ما إذا كان الأميركيون قد لاحظوا أن ثمة دولاً خليجية يمكن أن تنفجر من الداخل بعدما استطاع تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام التأثير في الأجيال الجديدة التي لم تعد تطيق البقاء داخل القمقم، ودون أن يكون هناك من سبيل للتغيير الأعبر تلك الظواهر الهمجية التي ترفع رايات الإسلام فيما هي، فعلاً، ترفع رايات العصر الحجري.
لا ريب أن الأميركيين شركاء أساسيين بل إنهم عرابو صناعة تلك الإيديولوجيات القاتلة وتسويقها ولأغراض استراتيجية، دون أن يأخذوا بالاعتبار أن الحالة التي انقلبت عليهم في افغانستان، وبلغ جنونها أبراج مدينة نيويورك، يمكن أن تنقلب عليهم في أي مكان آخر بعدما نصّبوا أنفسهم حماة لأنظمة أو لسياسات لا تليق البتة بالكائنات البشرية.
وإذا كان الأوروبيون قد باشروا بإعادة النظر في سياساتهم حيال بعض أزمات المنطقة، فان الأميركيين لاحظوا، بدورهم، أن الذين اخترقوا، ذات يوم، نيويورك يمكن أن يخترقوا واشنطن وفي أي لحظة.
وإذا كان هذا الاحتمال يبدو معقداً، فان الأميركيين خائفون فعلاً من تفكك باكستان أو من سيطرة «طالبان» التي نشطت بالتوازي مع «داعش»، على السلطة فيها، وبعدما كشفت الاستخبارات الروسية لا الأميركية، خطة للانقضاض على الصوامع النووية.
في هذه الحال لنتصور ما سيحل بنا إذا ما أصبحت القنبلة في يد أبي بكر البغدادي أو في يد أبي محمد الجولاني، وان كانت أحداث الموصل ونينوى قد أظهرت أن عمر الشيشاني هو من يقود الخطة الخاصة بإقامة الولايات الإسلامية في سورية والعراق تمهيداً للانقضاض على البلدان الخليجية أو بعضها على الأقل.
هل الذي حدث في العراق، وحيث مئات آلاف الجنود، يمكن أن يصدق؟ لمَ لا ما دامت الصراعات الداخلية على السلطة، على السلطة فقط، قد شرعت أبواب العراق على كل الاحتمالات، ودون أن يكون من مجال لإغفال الدور التركي في تأجيج تلك الصراعات، وعلى أساس مذهبي، دون أن تتوقع أن الإيقاع الهستيري للفوضى لا يمكن أن يبقى في مكان بعينه، ويمكن أن ينتقل إلى «الأمكنة المحرمة».
العرب الذين لديهم حساسيتهم التاريخية حيال إيران شاركوا أيضاً، ولكن هل من أجل إزالة نوري المالكي نزيل العراق، وهل من أجل إزالة بشار الأسد نزيل سورية، فيما المغول الجدد يطرقون كل الأبواب، وإن كان من الضروري التساؤل عن الخيوط التي تحرّك «داعش»، إذ من أين يمتلك التنظيم الذي نشأ منذ مدة وجيزة نسبياً تلك الإمكانات الهائلة لاجتياح أجزاء مترامية من العراق ومن سورية والآتي أعظم؟
ربما كان علينا أن نتصور ماذا لو بقي التنظيم ومعه جبهة النصرة، على حدود لبنان الذي في نظرهم الحالة الشاذة التي يقتضي اجتثاثها من المنطقة. من كان يمكن أن يمنعهم من اكتساح بعلبك وزحلة وحتى بيروت إذا ما علمنا مدى التصدع الذي يعيشه لبنان والذي حمل أكثر من جهة دولية على أن تقرع ناقوس الخطر. هكذا تشكلت حكومة الرئيس تمام سلام التي قطعاً ليست نتاج حوار ثنائي لبناني - لبناني كما يشيع البعض الذين يتغاضون عن الاتصالات الحساسة التي حصلت مع أكثر من جهة عربية وإقليمية للحيلولة دون لبنان والسقوط في الهاوية بعدما كان المسرح معداً بالكامل لمثل تلك اللحظة.
في هذه الحال، هل لنا أن نلاحظ كيف حدثت معارك منطقة القلمون بعدما هدد ساسة ودعاة بإحراق مناطق لبنانية معينة إذا ما أطلقت رصاصة واحدة على المجموعات التي حولت بعض المناطق الحدودية إلى نسخة طبق الأصل عن تورا بورا؟
الأميركيون الخائفون من تفكك باكستان، مع لذلك من تداعيات كارثية على الخارطة الاستراتيجية للولايات المتحدة في العمق الآسيوي خائفون أيضاً من تفجر الخليج العربي، مع ما تعنيه هذه المنطقة وعلى كل المستويات بالنسبة إلى المصالح الأميركية، إذا ما استمر الداعشيون في الديناميكية الصاعقة التي تعيد إلى الذاكرة تلك الأيام التي تسلق فيها البرابرة أسواراً كثيرة في الشرق والغرب وأقاموا ممالكهم التي دامت طويلاً.
الذي ثبت أن الدول العربية هي دول من الخزف، وانه لا وجود لمجتمعات بالمعنى السوسيولوجي للكلمة. مرة أخرى نعود إلى زياد الرحباني و«القصاصات البشرية» التي تفتقد التعاضد والفاعلية. أليس معظم المجتمعات العربية في حال انهيار، حتى أن مصر التي تتغنى بكونها دولة السبعة آلاف عام، وأبو الهول شاهد وكل ما فيه ينطق بذلك، لم تجد سبيلاً للحيلولة دون الانهيار سوى اللجوء إلى المؤسسة العسكرية.
دائماً من يقف وراء «داعش»؟ تلك الأسلحة المتطورة وأولئك المقاتلون الذين يبدو أنهم خضعوا لتدريبات عالية المستوى، فضلاً عن الأدمغة التي تضع الخطط المثيرة، حتى بدا أن اسم التنظيم وحده بات يثير الهلع في صفوف العسكريين كما في صفوف المقاتلين الآخرين, فيما العراقيون يمارسون ذلك الترف السياسي الفظ.
ماذا بعد الموصل؟ حتماً إنهم يفكرون ببغداد التي إذا ما باتت تحت الحصار، من يحمي كل عواصم المنطقة دون استثناء، بما في ذلك بيروت؟
الهذا السبب بادر الأميركيون، ولحق بهم الفرنسيون، لإجراء محادثات مباشرة مع الإيرانيين ولأغراض تتعدى البرنامج النووي إلى التنسيق الأمني والاستراتيجي في المنطقة؟
كل نواقيس الخطر تدق. اللبنانيون على شاكلة العراقيين مأخوذون بجنون السلطة حتى وهم في قعر الزجاجة بل في قعر المجهول. المنطقة كلها الآن بين المجهول و.... الجاهلية!.
المصدر :
الماسة السورية
اكتب تعليق
كل الحقول التي عليها علامة (*) مطلوبة