دليل ماسة
أكثر الروابط استخداما
غدا حين يدخل المبعوث الدولي الأخضر الإبراهيمي للقاء الرئيس السوري بشار الأسد في القصر الرئاسي...هل سيجرؤ على سؤاله عما إذا كان سيتنحى عن السلطة ؟
الأكيد لا ، لأنه لو فعل ، فإن الأسد سينهي اللقاء فورا وفق ما يرشح من معلومات .
لم تعد قضية بقاء الأسد في السلطة أو تنحيه مسألة خلاف بين الرئيس والائتلاف السوري المعارض. صارت شرطا جوهريا في صراع محورين. والرئيس السوري يصر على القول لمن يزوره : " لن نسمح لهم أن يأخذوا في السياسة ما عجزوا عنه بالحرب " .
الائتلاف ومن خلفه السعودية وتركيا وعدد يتضاءل من الدول الغربية يستمرون في المطالبة بتنحي الرئيس كشرط مسبق لعقد جنيف 2 . ولكن الأكيد أن واشنطن نفسها ما عادت تعتبر الأمر شرطا مسبقا وإنما تتمنى أن يؤدي جنيف 2 إلى الاتفاق على صيغة سياسية تنهي عهد الرئيس السوري بأقل خسائر ممكنة .
جيفري فيلتمان نفسه الذي كان سفيرا أميركيا خطيرا فصار مبعوثات دوليا اخطر ( وما أدراك من هو فيلتمان ) بات يقول للحلفاء : " اذهبوا إلى جنيف وانسوا مسالة الأسد الآن " . يفعل الشيء نفسه السفير الأميركي السابق في سورية روبرت فورد الذي انتقل من رحلة تسليح المعارضة إلى مرحلة إقناعهم بإلقاء السلاح والذهاب للتفاوض . واشنطن وفية لتاريخها .
لا تبتسموا .
الأولوية بالنسبة لها هي السلاح الكيماوي ( كرمى لعيون إسرائيل طبعا ) ومحاربة الإرهاب . أما قطر فهي، وفق معلومات مؤكدة ، تريد تجنب أية مخاطر جديدة خصوصا بعدما تراجع دورها في العديد من دول المنطقة . ساهم في هذا التراجع دول خليجية أخرى شنت حربا شعواء ضد الإخوان المسلمين في مصر وغيرها.
ولأن مستقبل الأسد صار قضية محور، فان الرئيس الإيراني الشيخ حسن روحاني قال للإبراهيمي إن الشعب السوري هو الذي يقرر مصيره عبر الانتخابات، وأمين عام حزب الله السيد حسن نصرالله قال عن المحور الآخر : " ولى زمنه"، ووزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف شن كما نصرالله حملة انتقاد شديدة ضد الدول التي لا تزال تدعم المعارضة والمسلحين وتعرقل جنيف 2 ، وغالبا ما تقول موسكو كما نصرالله كما الأسد أن الكلمة الفصل بالنسبة للرئاسة هي الانتخابات .
من حق المعارضة أن تطالب بتنحي الأسد، فهذا ما بنت عليه كل استراتيجيتها منذ بداية المواجهة، وربما كان هذا هو الخطأ الأكبر، لأنها باشرت بالمطالبة برحيله تماما كواشنطن وتركيا وقطر والسعودية حتى قبل أن تنزلق البلاد إلى أتون الحرب، ولكن ماذا ستفعل اليوم بعد أن قرر الأسد ليس فقط البقاء حتى نهاية ولايته وإنما عدم استبعاد الترشح مجددا ؟ هل تتراجع فتضعف، أم تستمر في المواجهة والقتال فتتعرض لضغوط أميركية وغربية كبيرة بعدما قررت واشنطن تغيير مجرى الرياح وتقاربت مع إيران؟
هذه هي العقدة الكأداء اليوم. فلو تراجعت السعودية وقبلت بجنيف 2 بلا شروط يعني أنها قبلت ببقاء الأسد وهي بالتالي ستواجه غضبة المسلحين وقد ينتفض ضدها أيضا بعض المنظرين الدينيين لهؤلاء المسلحين، كما أن تراجعها يعني انتهاء دورها في واحدة من أكثر القضايا حساسية في الشرق الأوسط، ما يعني أن ثمة أمراء سيحملون أمراء آخرين داخل المملكة مسؤولية الفشل .
ولو تراجع الائتلاف وقبل بالمشاركة في جنيف 2 بلا شروط بسبب الضغوط الأميركية الكبيرة التي تمارس عليه حاليا ، يعني انه سيفقد ما بقي له من شعبية على الأرض، وهي شعبية بالأصل اهتزت كثيرا بعد انشقاق عدد من الفصائل المسلحة عنه .
هذه هي المهمة الصعبة للإبراهيمي. السعودية أغلقت الباب بوجهه غضبا وتنافرت مع واشنطن لإدراكها بان الجميع بات قابلا بان يبقى الأسد إلى أجل غير معروف . ودمشق قد تغلق الباب بوجهه إن طرح فكرة تنحي الأسد أو نقل كل صلاحياته إلى السلطة الانتقالية .
يتزامن ذلك مع تقدم الجيش السوري على الارض، ولكن المسلحين أيضا يشنون هجمات كبيرة. في موازين القوى قد يكون الجيش مرتاحا أكثر من المسلحين وبنسبة لا بأس بها، ذلك أن اقتتال فصائل المسلحين بين بعضهم من جهة ومع الكرد من جهة ثانية، وإغلاق بعض أبواب الدعم عنهم ووضع بعضهم من قبل أميركا وحلفائها على لائحة الإرهاب ، ودخول حزب الله على خط تنظيم بعض المعارك يعني أن المستقبل العسكري سيكون أفضل للجيش وحلفائه ...
وفي المعلومات أن جون كيري وزير الخارجية الأميركي قال لأحد المقربين منه : " من الأفضل أن يذهب الائتلاف إلى جنيف 2 الآن ، لأنه إن لم يفعل حتى نهاية العام فان الأسد لن يذهب بنصف الشروط الحالية وان الوضع العسكري سيكون أكثر تعقيدا بالنسبة للمسلحين " .
ماذا يعني كل ذلك ؟
أولا إن أميركا لم تشذ عن قاعدة التخلي عن حلفائها حين يضعفون.
ثانيا: إن محور روسيا والصين و سورية وإيران حزب الله يتصرف على أساس أنه الأقوى في طرح الشروط ورفض ما يريد
ثالثا: انه لا بد من حل توافقي لا يشير مطلقا إلى تنحي الأسد ويدفع الجميع للذهاب إلى جنيف 2
رابعا : إن المراهنين على استمرار الحرب لحسم عسكري من الطرفين مخطئون لأن الحسم يتطلب سقوط عشرات الآلاف بل ربما مئات الآلاف القتلى وتدمير ما بقي من بيوت واقفة، ولعل من المهم أن تعود السعودية خصوصا إلى منطق الحكمة والتسويات وتقرر أن تساهم في حل سياسي تعرف قبل غيرها انه آت عاجلا أم آجلا .
لقد اتفق الروس والاميركيون على الحل السياسي . وحين يتفق الكبار ، يصبح من الصعب الوقوف ضد القطار .
وعاجلا أم آجل سيذهب الجميع إلى جنيف 2 . قبل من قبل وغضب من عضب . التواريخ ليست مهمة . أما إذا فشلت خطة جمع الجميع في هذا اللقاء الدولي فهذا يعني أن الاقتتال سيستعر ، وربما ستتغير معادلات كثيرة على الأرض بعدما منح الجيش السوري الضوء الأخضر للقضاء على من تصفهم أميركا بالإرهاب. سيستمر بمحاولة القضاء عليهم على الأرجح لاحقا بمساندة الجيش الحر.
وبغض النظر عمن ربح الحرب السورية أو خسرها، فان جميع السوريين خاسرون، لأنهم دفعوا ثمن الصراع الدولي والإقليمي من دمائهم وبيوتهم وفلذات أكبادهم، ولعل درس لبنان المجاور مفيد، ذلك انه بعد أكثر من 15 عاما من الحرب، اكتشف اللبنانيون أن مصالح الدول كانت اكبر من صراعهم الداخلي الصغير ، وحين قررت مصالح الدول أن تنتهي الحرب، انتهت ولم يقف أحد في وجهها .
السؤال الأهم الآن : هل قررت فعلا أميركا وروسيا وقف الحرب ؟ هل اتفقتا على حزمة المصالح الممتدة من القوقاز إلى قواعد الأطلسي إلى العراق والنفط وإيران وسورية والتسوية السلمية بين إسرائيل والفلسطينيين ؟
فتش عن الجواب ، تعرف مستقبل سورية
المصدر :
الماسة السورية/ سامي كليب
اكتب تعليق
كل الحقول التي عليها علامة (*) مطلوبة