دليل ماسة
أكثر الروابط استخداما
أمام الآلاف من الأعضاء والمئات من المدعوين الأجانب، وبينهم رؤساء دول، يقف رئيس الحكومة التركية رجب طيب اردوغان غدا الأحد أمام المؤتمر الرابع الكبير لـ«حزب العدالة والتنمية» الذي يتزعمه منذ آب العام 2001، والموجود في السلطة منذ تشرين الثاني العام 2002.
وينعقد مؤتمر الحزب في لحظة استثنائية وحساسة في تاريخ تركيا الحديث، وهو يشكل محطة فاصلة بين مرحلتين في تاريخ الحزب ومسيرة اردوغان.
ويؤسس مؤتمر الحزب غداً لمرحلة ما بعد اردوغان كزعيم للحزب وكرئيس للحكومة، فالنظام الداخلي للحزب يحظر وجود أي عضو في موقعه أكثر من ثلاث مرات. لذا فإنها المرة الأخيرة التي سينتخب الحزب فيها اردوغان رئيسا له، وسيكون اردوغان للمرة الأخيرة بالتالي رئيسا للحكومة.
وهذا يوجب غدا أن يختار الحزب قيادته الجديدة للمرحلة المقبلة التي ستديره بعد أن يغادره اردوغان للترشح لرئاسة الجمهورية في العام 2014. وهنا تختلط الحسابات والصراعات الداخلية، ذلك أن شخصية اردوغان كانت تختصر الجميع وتفرض انصياعا لدى الجميع. ومن الصعوبة أن توجد شخصية بديلة بمواصفات اردوغان. وإذا كانت هناك أسماء تقفز للذهن للوهلة الأولى لتخلف اردوغان عام 2014، مثل علي باباجان أو احمد داود اوغلو، فإن باب الزعامة مفتوح أمام أسماء يقال إن اردوغان يريد لها ان تخلفه مثل نعمان قورتولمش زعيم حزب صوت الشعب الصغير الذي انضم مؤخرا إلى حزب العدالة والتنمية. والبعض يرى ان يعود عبدالله غول الى رئاسة الحزب والحكومة بعد العام 2014. وفي جميع الأحوال فإن ملامح الزعيم المقبل ستتضح غدا، من خلال التركيبة الجديدة لقيادة الحزب.
ويبني اردوغان حساباته على أساس انه سيكون مرشح الحزب لرئاسة الجمهورية في العام 2014، وأنه سيكون بالفعل الرئيس المقبل لتركيا.
وإذا مضى هذا السيناريو إلى نهاياته، فإن اردوغان أمام أكثر من خيار، منها أن يقوم بتعديل دستوري عبر استفتاء شعبي لتحويل النظام البرلماني إلى نظام رئاسي أو نصف رئاسي، الأمر الذي يتيح له أن يذهب إلى الرئاسة بصلاحيات كبيرة تخوّله أن يبقى هو مركز الثقل في القرار السياسي، وحينها لا يعود مهمّاً من يكون خليفته في رئاسة الحزب والحكومة. وإذا لم يصح هذا السيناريو فإن اردوغان سيسعى ليكون الرئيس المقبل للحزب والحكومة بمثابة «وكيل» أو «أمين» له، بحيث يمكن أن يديره بـ«الريموت كونترول» من قصر الرئاسة، وهو ما فعله مثلا الرئيس الراحل طورغوت اوزال بعدما ترك رئاسة الحزب والحكومة إلى آخرين، وتولى هو رئاسة الجمهورية، فكانت النتيجة خسارة الحزب لانتخابات العام 1991، وانهياره التام عام 2002. وإذا ما أغلقت الأبواب فقد تكون عودة التفاهم وتوزيع الأدوار بين اردوغان وغول حلا لبقاء الحزب موحدا، والرجلين فاعلين في الحياة السياسية على غرار قاعدة «بوتين - ميدفيديف» فيصبح اردوغان رئيسا للجمهورية ويعود عبدالله غول رئيسا للحزب والحكومة.
وفي الواقع من المفيد التوقف هنا عشية مؤتمر الحزب إلى تصاعد «التفاصيل» التي تعكس حساسية بين اردوغان وغول، ذلك أن اللجنة الدستورية في البرلمان قررت منع رؤساء سابقين للجمهورية، ومنهم غول، من الترشح مرة أخرى للرئاسة في العام 2014. لكن المحكمة الدستورية طعنت في القرار وأجازت ترشح غول من جديد.
وقيل إن اردوغان كان وراء قرار اللجنة الدستورية، حيث لأعضاء «حزب العدالة والتنمية» الغالبية، من أجل قطع الطريق أمام غول للترشح وليضمن اردوغان الرئاسة له. وقد أثارت هذه القضية خلافات علنية بين الرجلين، إذ أعرب غول عن عتبه على الحزب على هذه الخطوة وتأسفه لها. وروّج مناصرو اردوغان في الحزب انه إذا ترشح للرئاسة فلن يترشح غول لها، في عملية ضغط نفسية على غول.
وقبل يومين فقط تلقى اردوغان ضربة معنوية كبيرة عشية مؤتمر الحزب، عندما نشرت شركة «متروبول» المعروفة استطلاعا للرأي أداره الباحث المعروف إحسان داغي والمقرب من حزب العدالة والتنمية، لكن المنتقد له أحيانا، وجاء فيه انه إذا انحصرت المعركة على رئاسة الجمهورية بين اردوغان وغول فسينال غول 51 في المئة واردوغان 23 في المئة. بل أكثر من ذلك ورد في الاستطلاع ان 60 في المئة من أعضاء حزب العدالة والتنمية يريدون أن يترشح غول مجددا إلى رئاسة الجمهورية.
ومع أن اردوغان اتهم منظمي الاستطلاع بمحاولة دق إسفين بينه وبين غول، فإن الكرة في ملعب غول الذي، تبعا لسلوكياته السياسية، لن يتردد لحظة في فتح الطريق أمام رئيس الحكومة، كما أن اردوغان قدّم لغول الكثير ومنها رئاسة الجمهورية في العام 2007. والرجلان تعاونا على أكمل وجه من أجل تمرير سياسات حزب العدالة والتنمية في كل المجالات. وما لم تطرأ مفاجآت، فالأرجح ألا يترشح غول للرئاسة من جديد، على أن ينتقل إليها اردوغان طبعا عبر انتخابات مباشرة من الشعب.
ويقف اردوغان غدا أمام الآلاف من أعضاء الحزب والضيوف الأجانب، مستعرضا إنجازات تركيا في عهده، وهي لا شك كثيرة ولا سيما على الصعيد الاقتصادي، ومقدما نفسه على انه زعيم إقليمي وعالمي في استعادة أثيرة في خطابه السياسي للإرث السلجوقي والعثماني.
لكن ربما من سوء الصدف أن يأتي المؤتمر بعدما تعرض اردوغان شخصيا، وتركيا عموما، لكدمات تبدو واضحة على جسميهما على أكثر من صعيد تنهش من الهالة التي أراد اردوغان أن يحيط نفسه بها، وتأكل من دور أنقرة الذي أريد لها ان يكون حاسما في التطورات وفي مصير المنطقة.
ويقف اردوغان أمام المؤتمر وقد بدأت مؤشرات تراجع النمو الاقتصادي تظهر في الأرقام التي تنشر منذ عدة أشهر، سواء على صعيد نسبة النمو أو التضخم أو تراجع التجارة والاستثمارات الأجنبية مع الاتحاد الأوروبي والغرب عموما، مقابل ازديادها مع العالم الإسلامي. كما أن الأزمة السورية تسببت بخنق اقتصادات المحافظات المجاورة للحدود السورية، وحركة التجارة التركية البرية مع دول منطقة الشرق الأوسط بسبب إغلاق البوابة السورية.
وبعد سنوات من سياسات تفترض الانفتاح على الأكراد والعلويين والأرمن والمسيحيين، يجد اردوغان نفسه وحزبه وحكومته أمام انسداد هذه السياسات التي عادت إلى مرحلة أخطر مما كانت عليه قبل وصول اردوغان إلى السلطة، حيث تنامى التهديد الكردي والاحتقان المذهبي. ولم تتقدم قضايا الحريات، بل باتت صورة اردوغان في الخارج، ولا سيما في الإعلام الغربي، ذلك الزعيم القامع للحريات والذي يضيق ذرعا بالرأي الآخر الذي أدخله في سجالات مجانية ولا مبرر لها مع الصحافيين علنا، فضلا عن الزج بالمئات والآلاف من الناشطين المدنيين بذريعة دعمهم لحزب العمال الكردستاني.
ورغم أن اردوغان حقق إنجازا بترويض المؤسسة العسكرية وسجن جنرالاتها، فإن المحاكمات كانت تخفي انتقاما أميركيا من العسكر على معارضتهم الاحتلال الأميركي للعراق، حيث إنها ليست مصادفة أن يكون جميع الذين عارضوا الغزو الأميركي من الجنرالات هم الآن في السجن. كما أن ثغرات كثيرة لا مجال لذكرها اعترت المحاكمة واستنسابية قراراتها.
وبعد سنوات من سياسة خارجية ناجحة ومميزة، يقف اردوغان أمام المؤتمرين، ولا سيما أمام ضيوفه الأجانب، وقد انهارت بالكامل دعائم سياسة «العمق الاستراتيجي» التي وضعها وزير خارجيته احمد داود اوغلو وتبناها اردوغان. وباتت سياسة «صفر مشكلات» من الماضي وتحولت إلى صفر جيران. واختفى الدور التركي الوسيط بعدما تحولت أنقرة إلى طرف في الصراعات الإقليمية بين الدول، وطرف في الصراعات داخل كل دولة، وباتت تسعى إلى تغيير الأنظمة واحتضان المعارضات السياسية والمسلحة لدول أخرى.
والأدهى أن خيارات تركيا الخارجية في السنتين الأخيرتين انطلقت من أسس مذهبية، ومن أجل مشروع عثماني لم يفلح منظّروه في أن يثبتوا انه ليس كذلك. وتخلت أنقرة عن سياسة القوة الناعمة لمصلحة قوة خشنة، تحرّض على التدخل العسكري في دول أخرى مثل ليبيا وسوريا، وتهدد باستخدام القوة ضد قبرص اليونانية، وحتى إسرائيل طالتها هذه الشظايا. وباتت سياسة تركيا أكثر أطلسية وأكثر غربية، وظهرت في صورة الوكيل للسياسات الغربية في معظم القضايا. حتى النموذج الذي روج له الغرب بات أقل علمانية لمصلحة إجراءات تسعى لتديين الدولة ولمصلحة فئة مذهبية معينة من دون غيرها.
ولا يمكن سوى الإشارة بخجل إلى مسار تركيا على طريق الاتحاد الأوروبي، الذي يكاد يتحول إلى مزحة سمجة وذكرى أمام توقف هذا المسار لمصلحة أدوار مشرقية أحادية الجانب، فخرجت خالية الوفاض على الجبهتين.
يقف اردوغان غدا مثخنا بجراح التعثر والتخبط والانتقائية في سياساته الداخلية، وبجراح الفشل في سياساته الخارجية. ولن يغير التجديد غدا لأردوغان واقع أن العد العكسي لتجربة العدالة والتنمية قد بدأ، حتى لو طالت فترة الانحدار.
المصدر :
السفير /محمد نور الدين
اكتب تعليق
كل الحقول التي عليها علامة (*) مطلوبة