#
  • فريق ماسة
  • 2026-09-17
  • 1052

90 ألف قضية.. ماذا يفتح إلغاء محكمة الإرهاب من مسارات لرد الحقوق؟

أقر مجلس الشعب بالإجماع، خلال جلسته الثالثة من الدورة الاستثنائية الأولى، مشروع قانون إلغاء محكمة الإرهاب وإبطال مفاعيل أحكامها، في خطوة تعالج ملفاً شمل أكثر من 90 ألف قضية، وتفتح مساراً لرد الحقوق والممتلكات.

إلغاء المحكمة.. إزالة المفاعيل ورد الملكيات

وأوضح رئيس اللجنة الدستورية والتشريعية في مجلس الشعب عبد الناصر حوشان أن المجلس أقر مشروع القانون بالإجماع، ويتضمن إلغاء قانون محكمة الإرهاب وإلغاء مفاعيل الأحكام الصادرة عنها، وإسناد مهمة معالجة هذه المفاعيل إلى مجلس القضاء الأعلى، إضافة إلى إعفاء المستفيدين من إعادة الملكيات المصادرة من الرسوم والضرائب المترتبة على إعادة نقلها.

 وينص المشروع على تشكيل لجان قضائية مختصة من مجلس القضاء الأعلى تتولى إلغاء مفاعيل الأحكام، بما فيها رد الممتلكات المصادرة، وحفظ الدعاوى القائمة أو إحالتها إلى المرجع القضائي المختص بحسب الحالة، مع اعتبار القرارات التي أصدرها مجلس القضاء الأعلى بهذا الشأن قبل نفاذ القانون صحيحة ونافذة. 

ويشمل الإعفاء من الضرائب والرسوم والتكاليف الأشخاص الذين تعاد إليهم ممتلكاتهم المصادرة بموجب أحكام محكمة الإرهاب ومحاكم الميدان العسكرية والمحاكم العسكرية، عن الفترة الممتدة من 15 آذار 2011 حتى 8 كانون الأول 2024.

90 ألف قضية وآلاف قرارات الحجز

وأُحدثت محكمة قضايا الإرهاب بموجب القانون رقم 22 لعام 2012، واختصت بالنظر في القضايا المحالة إليها بحق المدنيين والعسكريين، ضمن إطار قانوني استثنائي أثار انتقادات تتعلق بضمانات المحاكمة وحق الدفاع. 

وقال مدير الشبكة السورية لحقوق الإنسان فضل عبد الغني لـ”سانا”: إن الشبكة وثقت حتى تشرين الأول 2020، خضوع ما لا يقل عن 10,767 شخصاً للمحكمة، ونحو 90,560 قضية، إضافة إلى 3,970 حالة حجز على الممتلكات.

 وأضاف أن الشبكة وثقت ما لا يقل عن 40,602 قرار حجز ومصادرة بين عامي 2012 و2024، طالت قرابة 320 ألف مواطن ضمن منظومة الحجز والمصادرة الأوسع التي أنشأها النظام البائد.

 وأشار عبد الغني إلى أن المادة السابعة من القانون رقم 22 أجازت للمحكمة عدم التقيد بالأصول الإجرائية المنصوص عليها في التشريعات النافذة خلال مراحل الملاحقة والمحاكمة، لافتاً إلى توثيق الشبكة اعتماد المحكمة على الضبوط الأمنية والاعترافات المنتزعة تحت التعذيب، وفرض قيود على حق الدفاع وغياب الشفافية في نشر الأحكام ومعاييرها.

مراجعة الأحكام ومحاسبة القضاة

بدأت معالجة إرث المحكمة قضائياً بعد التحرير، إذ أحالت وزارة العدل في شباط 2025، 87 قاضياً ممن مارسوا مهام قضائية فيها، في النيابة العامة والتحقيق ومحكمة الجنايات والنقض، إلى التفتيش القضائي للتحقيق في أدائهم منذ تأسيس المحكمة. 

وفي 17 نيسان 2025، شكلت وزارة العدل لجنة قضائية متخصصة لدراسة الأحكام والإجراءات الصادرة عن محكمة قضايا الإرهاب والمحاكم الاستثنائية الأخرى، وتقييم مدى مشروعيتها وتوافقها مع الضمانات القانونية والدستورية، ورفع تقارير دورية إلى مجلس القضاء الأعلى.

 وفي 12 حزيران 2025، صدر المرسوم الرئاسي رقم 88 بتنفيذ عقوبة العزل التي فرضها مجلس القضاء الأعلى بحق 67 قاضياً ممن عملوا سابقاً في محاكم قضايا الإرهاب، بعد استكمال تحقيقات التفتيش القضائي والمحاكمات المسلكية، كما حفظت التحقيقات بحق 10 قضاة، فيما كانت المحاكمة المسلكية جارية بحق 9 آخرين وفق وزارة العدل.

 وفي آب 2025، دعت وزارة العدل المتضررين من أعمال قضاة المحكمة إلى تقديم شكاواهم وأدلتهم أمام قاضي التحقيق المكلف من الهيئة العامة لمحكمة النقض، في إطار التحقيق بالممارسات التي جرت خلال عملهم.

محاكم الميدان.. 14,843 حكماً بالإعدام

إلى جانب محكمة الإرهاب، مثّلت محاكم الميدان العسكرية أحد أوجه القضاء الاستثنائي؛ إذ أُحدثت بموجب المرسوم التشريعي رقم 109 لعام 1968، وأُلغي العمل بها بموجب المرسوم التشريعي رقم 32 لعام 2023، مع إحالة القضايا القائمة أمامها إلى القضاء العسكري.

 وبحسب أرقام أوردتها وثيقة أممية استناداً إلى توثيق حقوقي، صدرت عن محاكم الميدان العسكرية بين آذار 2011 وآب 2023 أحكام إعدام بحق 14,843 شخصاً، نُفذ منها 7,872 حكماً، بينهم 114 طفلاً و26 امرأة. كما أُحيل ما لا يقل عن 24,047 مختفياً قسرياً إلى هذه المحاكم خلال الفترة نفسها، بينهم 98 طفلاً و39 امرأة، مع بقاء مصيرهم مجهولاً.

وأشارت الأمم المتحدة إلى أن إلغاء محاكم الميدان عام 2023 لم يحسم بصورة كافية مسألة الأحكام السابقة الصادرة عنها، كما أثارت مسألة حفظ أرشيفها وسجلاتها والكشف عن مصير الأشخاص الذين صدرت بحقهم أحكام، فيما ارتبطت أحكام الإعدام التي أصدرتها، وفق الوثائق الأممية، بعمليات إعدام نفذت في مراكز الاحتجاز، بينها سجن صيدنايا.

من النص إلى الأثر.. قانونيون يضعون خريطة طريق لإزالة آثار محكمة الإرهاب

وقال المحامي والباحث القانوني فراس حاج يحيى لـ”سانا”: إن أهمية القانون لا تقتصر على إلغاء المحكمة، وإنما في إزالة آثار أحكامها ورد الممتلكات وإعفاء أصحابها من الرسوم والضرائب، معتبراً أن معيار نجاحه يرتبط بسرعة التنفيذ وشفافية عمل اللجان القضائية وضمان جبر الضرر ضمن مسار العدالة الانتقالية.

 ورأى حاج يحيى أن معالجة آثار الأحكام ينبغي أن تشمل مختلف النتائج القانونية المترتبة عليها، ولا سيما ما يتعلق بالسجلات والقيود والأموال والحقوق المدنية، بما يضمن انتقال إلغاء المحكمة من النص القانوني إلى أثر فعلي يلمسه المتضررون.

 بدوره، أكد مدير إدارة المساءلة والمحاسبة في الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية المحامي رديف مصطفى أن إلغاء المحاكم الاستثنائية ومعالجة آثارها يشكلان جزءاً من مسار العدالة الانتقالية وإنصاف الضحايا ورد المظالم، مشدداً على أهمية معالجة الآثار الحقوقية والإنسانية والمادية للأحكام السابقة. 

وأوضح مصطفى أن معالجة هذا الإرث تتطلب مساراً مؤسسياً متكاملاً يربط بين مراجعة الأحكام ورد الحقوق ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات، مع حفظ الوثائق والملفات القضائية بما يتيح الاستفادة منها في إجراءات العدالة الانتقالية والمساءلة. 

أما عبد الغني، فأوضح أن إلغاء القانون لا يمحو تلقائياً جميع الآثار السابقة، داعياً إلى إجراءات تنفيذية تشمل إنهاء الاحتجاز المستند حصراً إلى أحكام المحكمة، وكف البحث وإلغاء منع السفر، وتصحيح السجلات العدلية والوظيفية والتقاعدية والمدنية، وتمكين ذوي المتوفين والمختفين قسرياً من طلب إبطال الأحكام ورد الحقوق، وفتح مسار للتعويض ورد الاعتبار.

 وبإقرار القانون، تنتقل معالجة إرث محكمة الإرهاب من مرحلة الإلغاء التشريعي إلى مرحلة التنفيذ القضائي، حيث يتولى مجلس القضاء الأعلى واللجان المختصة تحديد مفاعيل الأحكام وإزالتها، ومعالجة الدعاوى والملكيات والآثار القانونية المترتبة عليها، في مسار يستهدف إعادة الحقوق إلى أصحابها.





اكتب تعليق

كل الحقول التي عليها علامة (*) مطلوبة