#
  • فريق ماسة
  • 2026-08-06
  • 1198

تقييم دولي يعزّز الثقة بإصلاحات ترسم مسار التعافي الاقتصادي في سوريا

يعكس تقييم صندوق النقد الدولي لاستمرار زخم تعافي الاقتصاد السوري، انتقال البلاد نحو مسار متوازن الى حد كبير، إذ أسهمت التشريعات المصرفية والإصلاحات المالية التي اتخذتها سوريا بعد التحرير في ترسيخ بيئة أكثر استقراراً لجذب الاستثمارات وتعزيز التعافي الاقتصادي المستدام. 

تقرير صندوق النقد الدولي الذي صدر في ال 4 من آب الحالي يمثّل نقطة انطلاق أساسية لفهم التحولات المالية والاقتصادية التي تمر بها سوريا، إذ يؤكد أن الاقتصاد السوري يسير في مسار تعافٍ تصاعدي مع توقعات بنمو يتجاوز 10% خلال العام الجاري، واستمرار الأداء القوي في عام 2027. 

ويعزو الصندوق هذا التحسن إلى مجموعة عوامل مترابطة، أبرزها عودة الثقة تدريجياً إلى الأسواق، وتحسن أداء القطاعات الإنتاجية والخدمية، إلى جانب اندماج سوريا المتزايد في الاقتصادين الإقليمي والدولي.

 وزير المالية السوري محمد يسر برنية رحّب بدوره بتقييم الصندوق بشأن تحسن النمو وأداء المالية العامة في سوريا، مؤكداً أن التقييم يمثل رسالة مهمة ‏تعزز الثقة بالإصلاحات التي تعمل عليها الحكومة، لاستعادة الاستقرار الاقتصادي الكلي ودعم ‏التعافي.

إصلاحات نقدية شاملة

جاء تقييم صندوق النقد الإيجابي متزامناً مع سلسلة إجراءات إصلاحية نفذتها الحكومة السورية خلال العام والنصف الماضيين، وهدفت من خلالها الى إعادة هيكلة السياسة المالية والنقدية. فإلى جانب إعادة هيكلة الموازنة العامة، وتأسيس وحدة السياسات المالية الكلية بالتعاون مع صندوق النقد الدولي لوضع إطار مالي متوسط المدى يعزز الانضباط المالي؛ جاء طرح الليرة السورية الجديدة عبر حذف أصفار ركيزةً أساسية لتسهيل التداول وتقليل التضخم. 

وفي تصريح خاص لـ “سانا”، أكد رئيس مجلس الأعمال السوري الفرنسي جمال قاسمي اليوم الخميس أن عملية حذف الأصفار تشكل خطوة في المسار الصحيح للحد من التضخم، وتعد من جملة الإصلاحات النقدية التي تمثل بداية نهضة اقتصادية في سوريا، مضيفاً أن هذه التجربة أثبتت نجاحها في كثير من الدول، ولا سيما تركيا التي عانت من التضخم قبيل النهضة الاقتصادية التي جعلت منها دولة رائدة على مستوى العالم، ومنافساً لدول الاتحاد الأوروبي. كما شملت الإصلاحات تطوير التشريعات المصرفية، وتعزيز أطر مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، وتحسين جودة الإحصاءات الاقتصادية، بما يدعم كفاءة السياسة النقدية ويعيد الثقة بالقطاع المصرفي، بالإضافة إلى العودة التدريجية للتعامل بنظام “سويفت” المالي الدولي بعد رفع العقوبات الغربية لتسهيل التحويلات الخارجية.

تحولات البيئة المالية

ومع التقدم في رفع العقوبات الاقتصادية وإلغاء قانون قيصر، إضافة إلى إزالة اسم سوريا من قائمة الدول الراعية للإرهاب، بدأت البيئة المالية تتغير بصورة ملموسة. 

وأسهمت هذه الخطوات في إزالة العوائق القانونية والنفسية أمام المستثمرين والبنوك العالمية، وبدأت بفتح الباب تدريجياً أمام عودة البنوك وتسهيل التحويلات المالية وفتح الاعتمادات التجارية، وتهيئة البيئة المناسبة لمشاريع إعادة الإعمار والبنى التحتية.

 وفي هذا الشأن أكدت مساعدة وزير الخارجية الأمريكي السابق لشؤون الشرق الأدنى باربرا ليف في مقابلة خاصة مع سانا في وقت سابق أن “رفع اسم سوريا عن قائمة الدول الراعية للإرهاب ينعكس إيجاباً على الصعيد الاقتصادي، ذلك أنه لم يعد على رجال الأعمال والمستثمرين الخوف من ملاحقتهم من قبل الولايات المتحدة بموجب مسؤوليات قانونية تتعلق بالتعامل مع دولة تنخرط في أنشطة تدعم الإرهاب”.

خلق بيئة ملائمة لجذب الاستثمار

ورغم هذا التقدم، يشير تقييم صندوق النقد الدولي إلى أن المرحلة المقبلة تتطلب استكمال مجموعة من الإجراءات لتعزيز الاستقرار المالي وجذب المزيد من الاستثمارات. وتشمل هذه الإجراءات تطوير التشريعات المصرفية والاستثمارية لتصبح أكثر تنافسية، وتحسين جودة الإحصاءات الاقتصادية، بما يدعم استقرار الاقتصاد الوطني، ويعزز اندماج سوريا في النظام المالي الدولي. 

وأوضح قاسمي لـ “سانا” أن تفعيل الحوالات المصرفية إلى سوريا والتي دام انقطاعها لأكثر من خمسين عاماً هو العامل الأهم في تحسين بيئة الاستثمار. كما أشار إلى أهمية تقديم ضمانات للشركات الراغبة بالاستثمار، موضحاً أنه وخلال جلسة عُقدت خلال الشهر الماضي مع وزير الاقتصاد والصناعة نضال الشعار، فإن سوريا تعتزم إنشاء مراكز تحكيم كركيزة أساسية لطمأنة الشركات الراغبة في الاستثمار عبر توفير نظام قانون دولي شفاف يدعم بيئة العمل في سوريا.

ودعت ليف في مقابلة سابقة مع سانا إلى ضرورة أن تعمل الحكومة السورية على تحديث النظام القانوني وقوانين الاستثمار وقوانين الأنشطة المالية والمصرفية والنظام البنكي، ذلك أن معظم التشريعات واللوائح التنظيمية يلزم تجديدها وعصرنتها لتتوافق مع معايير عام 2026 من أجل تهيئة بيئة جاذبة للاستثمار والنشاط الاقتصادي حتى من قِبل السوريين من خارج البلاد أو المستثمرين الحكوميين أو القطاع الخاص.

ضرورة الإسراع في تحرير القيود المالية

ويشكّل تسريع تنفيذ إجراءات رفع العقوبات عاملاً حاسماً لدفع عجلة الاستثمار في سوريا، إذ يمنح البنوك والشركات الدولية وضوحاً قانونياً أكبر ويقلّص مخاطر الامتثال التي كانت تعيق دخول رؤوس الأموال الأجنبية.

 ويفتح هذا الوضوح الباب أمام تدفق استثمارات مباشرة، ويتيح للقطاع الخاص قيادة النمو في قطاعات الطاقة والبنى التحتية والخدمات، ما يعزز قدرة الاقتصاد السوري على تحقيق توسع مستدام واستعادة دوره في الأسواق الإقليمية والدولية. فعلى الرغم من إخطار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب برفع اسم سوريا عن قائمة الإرهاب فإن العملية – وبحسب ليف- تتطلب خطوات لاحقة قد تستغرق 45 يوماً لإقرار الكونغرس الأمريكي ليصبح القرار منتهياً ونافذاً

 وأضافت ليف أن هذه العملية تعد خطوة مهمة جداً في تشجيع الاستثمارات داخل سوريا التي عانت من امتداد العقوبات لعقود من الزمن وكانت السبب المباشر لعزوف المستثمرين عن العمل فيها، مبينة أن تدفق الاستثمارات قد يتطلب وقتاً. 

وتبرز في هذه المرحلة حاجة سوريا إلى دعم دولي يتجاوز الإغاثة الإنسانية المؤقتة نحو مسار تمويلي تنموي طويل الأجل، يتيح إطلاق عملية إعادة الإعمار الشامل بما تتطلبه من استثمارات واسعة في البنية التحتية والطاقة، وتأهيل قطاع النفط والغاز، بما يعيد بناء الأسس الاقتصادية الضرورية لتعافٍ مستدام يعزز قدرة البلاد على استعادة نشاطها ودورها الإقليمي. 




اكتب تعليق

كل الحقول التي عليها علامة (*) مطلوبة