#
  • فريق ماسة
  • 2026-07-29
  • 1153

مصنع حديث للمركبات في سوريا.. نواة صناعة استراتيجية بشراكة صينية

وقّعت الشركة السورية لصناعة السيارات (SCAI)، التابعة للصندوق السيادي، يوم الثلاثاء الماضي، عقداً مع شركة "Yutong" الصينية، الرائدة في مجال تصنيع الحافلات، بهدف إنشاء مصنع حديث للمركبات في سوريا.

ونقلت صحيفة "الثورة السورية" الحكومية عن المدير التنفيذي للشركة، وليد سحاري، قوله إن الشراكة السورية–الصينية تشكل خطوة تأسيسية مهمة لبناء صناعة حديثة للمركبات، والتحول من الاستيراد والتجميع المحدود إلى توطين الصناعة والتكنولوجيا، بما يسهم في خلق قيمة مضافة وطنية مستدامة.

وبحسب سحاري، تتضمن الاتفاقية إنشاء خطوط إنتاج ونقل المعرفة وتأهيل الكفاءات المحلية في مختلف مراحل الصناعة، بدءاً من الهندسة والتصنيع وضبط الجودة، وصولاً إلى إدارة الإنتاج وخدمات ما بعد البيع، وذلك بهدف بناء قدرات وطنية مؤهلة لإدارة هذه الصناعة وتطويرها.

وأوضح أن الصندوق السيادي السوري دعم الاتفاقية بوصفها استثماراً استراتيجياً طويل الأمد، لا يقتصر على إنشاء مصنع، بل يمتد إلى تأسيس قطاع صناعي جديد يوفر فرص عمل ويبني أصولاً وطنية مستدامة، بالاستفادة من شراكات دولية نوعية تسهم في إعادة بناء الاقتصاد والقطاعات الإنتاجية على أسس حديثة.

نحو إحياء قطاع النقل يرى

الكاتب والخبير الاقتصادي سمير طويل أن المشروع المعلن واقعي، سواء اتجه إلى تصنيع الحافلات أو تجميعها، وسواء كانت الحافلات هجينة "هايبرد" أو تعمل بالديزل أو البنزين.

ويقول طويل، في حديثه لموقع تلفزيون سوريا، إن قطاع النقل في سوريا كان متهالكاً حتى قبل عام 2011، معتبراً أن المشروع الجديد، في حال توافرت له مقومات النجاح، يمكن أن يسهم في إعادة بناء القطاع وإكسابه هوية حضارية موحدة تمتد إلى جميع المحافظات السورية.

وعن المكاسب المتوقعة، يوضح طويل أن المشروع سيوفر عدداً كبيراً من فرص العمل، وسيمنح العاملين فيه خبرات واسعة، نظراً إلى أن هذا النوع من التصنيع ما يزال جديداً على القطاع الصناعي السوري. ويتوقع أن يبدأ المشروع بعمليات التجميع، على أن ينتقل مستقبلاً، مع تراكم الخبرات وتوافر الإمكانات، إلى تصنيع بعض القطع، وصولاً إلى توطين هذه الصناعة، وهو ما يعدّه مسألة بالغة الأهمية ومفيدة للاقتصاد الوطني.

ويلفت طويل إلى وجود خبرات سورية مقبولة في مجال صيانة السيارات يمكن الاستفادة منها، فضلاً عن وجود تجارب سابقة لمصانع سيارات كانت تعمل في دمشق وحمص وفق مبدأ التجميع.

ومن شأن دخول المشروع مرحلة التنفيذ أن يوفر على سوريا تكاليف باهظة تنفقها على استيراد السيارات. ويرى طويل أن التصنيع أو التجميع أقل كلفة، كما أنه سيسهم في الحد من استنزاف القطع الأجنبي الناتج عن عمليات الاستيراد التي تتطلب تأمين العملة الصعبة.

البداية بالتجميع

بدوره، يرى الباحث في مركز عمران للدراسات أيمن الدسوقي، في حديثه لموقع تلفزيون سوريا، أن المشروع يمتلك فرصة كبيرة للنجاح، ولا سيما في ظل الانخراط والاهتمام الجديين من الصندوق السيادي بالتعاقد مع شركة صينية تتمتع بحضور دولي في مجال تصنيع الحافلات والمركبات، إلى جانب تطبيق هذا النموذج في عدد من الدول الأفريقية، على سبيل المثال.

ويعتقد الدسوقي أن التجميع، وليس التصنيع، هو السيناريو الأكثر واقعية في المرحلة الراهنة، لأن التصنيع يحتاج إلى سلاسل إمداد وتوريد مستقرة، وبنية تحتية تواكب متطلباته، إلى جانب متطلبات أخرى، في حين يمثل التجميع خياراً أقل كلفة ومخاطرة.

ويضيف أن حاجة السوق السورية إلى هذه الآليات لتحديث أسطول المركبات في القطاعين العام والخاص تجعل العقد المعلن عنه ملائماً للواقع الحالي، إلا أن تمويل عمليات الشراء سيبقى تحدياً كبيراً، سواء من حيث توافر الأموال أو طرق الدفع. ومن جهة أخرى، يرى الدسوقي أن الحديث عن توطين هذه الصناعة في سوريا ما يزال مبكراً، إذ يتطلب ذلك بنية تحتية مناسبة، وكوادر بشرية مؤهلة، ونقل المعرفة إلى الكفاءات السورية.

ومع ذلك، يؤكد أن المشروع يتمتع بجدوى اقتصادية كبيرة، إذ يمكن أن يوفر خيارات واقعية لتحديث النقل العام، ويخفض فاتورة استيراد المركبات الجاهزة، ويوفر فرص عمل، إلى جانب تنشيط الصناعات المحلية الداعمة.

تحديات الحوكمة والتمويل

على غرار بقية المشاريع الجديدة في القطاع الصناعي السوري، يواجه مشروع تصنيع الحافلات تحديات كبيرة، يتعلق بعضها بالحوكمة، في حين يرتبط بعضها الآخر بتدهور الشبكة المصرفية السورية.

وفي هذا السياق، يرى الدسوقي أن أولى التحديات تتمثل في القدرة على حوكمة المشروع، من خلال توفير الوضوح في الملكية والتمويل والمشتريات والعقود الحكومية، بما يسهم في تخفيف المخاطر وتعزيز الثقة.

كما يشير إلى مشكلات التمويل والعمليات المالية المرتبطة بضعف القطاع المصرفي السوري وعلاقاته بالخارج، إضافة إلى نقص العمالة الوطنية المدربة.

ويضاف إلى ذلك تحدٍ رئيسي يتعلق بمدى القدرة على تأمين إمدادات طاقة مستدامة بتكاليف معقولة. ويقول الدسوقي إن مقومات نجاح المشروع تبدأ بمواءمته مع خطة تحديث قطاعي النقل والصناعة في سوريا،

ثم تنفيذه على مراحل قابلة للقياس، إلى جانب ضمان حوكمته. من جانبه، يؤكد طويل أن معظم مقومات المشروع متوافرة، إذ تستطيع المدن الصناعية احتضان هذا النوع من المشاريع، فضلاً عن توافر خبرات تحتاج إلى الصقل والاستفادة من الإمكانات المتقدمة التي تمتلكها الصناعة الصينية.

ويشير إلى أن إقامة المشروع في المدن الصناعية ستنعكس إيجاباً على توطين صناعة السيارات والتكنولوجيا الحديثة، التي حققت فيها الصين تقدماً كبيراً جداً على المستوى العالمي.

هل يمكن الاستفادة من التجارب السابقة؟

سبق لسوريا أن شهدت مشاريع لتجميع السيارات، كان أبرزها مصنع "سايبا"، الذي طرحت إيران فكرته على سوريا عام 2004، قبل افتتاح أول خط لإنتاج السيارات داخله في كانون الأول/ديسمبر 2007. إلا أن المصنع واجه تحديات كبيرة أدت إلى إغلاقه.

وفي عام 2009، دُشّن مصنع إيراني آخر لإنتاج السيارات، هو مصنع "إيران خودرو"، لكنه توقف أيضاً عن الإنتاج وانتهى إلى الإغلاق، كما حدث مع المشروع السابق.

ويوضح الدسوقي أن مشروع شركة "سايبا" نُفذ فعلياً في ذلك الوقت، وطُرحت في السوق السورية دفعات من المركبات التي جرى تجميعها محلياً. غير أن استمرارية هذا النموذج واجهت مشكلات مرتبطة بالجودة وتنظيم سياسة الاستيراد، إلى جانب تحديات تشغيلية وسياسية أدخلت المشروع في متاهات انتهت بإغلاق المصنع.

ويضيف أن المشروع السابق كان يمكن أن يحقق نتائج أفضل لو أُعلنت خطة وطنية لتحديث قطاعي النقل والصناعة في سوريا. وينطبق الأمر نفسه على المشروع الجديد، إذ يشترط الدسوقي وجود تصور ورؤية استراتيجية لدى الحكومة السورية بشأن القطاع الصناعي، ومواءمة المشروع مع خطط تحديث قطاع النقل من جهة، واعتماد سياسة واضحة للاستيراد والتصدير من جهة أخرى.




اكتب تعليق

كل الحقول التي عليها علامة (*) مطلوبة