دليل ماسة
أكثر الروابط استخداما
مع استمرار تداعيات الحرب الأميركية الإسرائيلية ـــ الإيرانية، لم يعد إغلاق مضيق هرمز مجرد أزمة طاقة عابرة، بل تحول إلى عامل ضغط مباشر على قرارات البنوك المركزية الكبرى، من واشنطن إلى طوكيو مروراً بأوروبا ولندن، وسط مخاوف متصاعدة من انتقال صدمة النفط إلى موجة تضخم عالمية قد تعيد العالم إلى دورة جديدة من رفع أسعار الفائدة.
وتدخل الأسواق العالمية هذا الأسبوع حالة ترقب حذرة لبيانات التضخم وثقة المستهلك وقرارات السياسة النقدية، بينما تتزايد المخاوف من أن يتحول ارتفاع أسعار الطاقة إلى أزمة أوسع تطال النمو وسوق العمل والاستهلاك، في وقت تحاول فيه البنوك المركزية الموازنة بين مكافحة التضخم وتجنب دفع الاقتصادات نحو الركود.
وبحسب صحيفة “فايننشال تايمز”، يراقب المستثمرون مؤشر أسعار نفقات الاستهلاك الشخصي في الولايات المتحدة، وهو المقياس المفضل لدى الاحتياطي الفيدرالي، وسط توقعات بارتفاع التضخم الأساسي إلى 3.4 بالمئة، وهو أعلى مستوى منذ منتصف عام 2023، ما يعزز الضغوط على مجلس الاحتياطي الفيدرالي لتأجيل أي خفض للفائدة وربما التفكير برفعها لاحقاً إذا استمرت الضغوط السعرية.
وفي السياق نفسه، تحدثت صحيفة “وول ستريت جورنال” عن تحول واضح داخل الاحتياطي الفيدرالي من مناقشة خفض الفائدة إلى دراسة الظروف التي قد تستدعي رفعها مجدداً، مع تصاعد تأثير صدمة الطاقة الناتجة عن تعطل الملاحة في مضيق هرمز وارتفاع تكاليف النفط والشحن.
أما في أوروبا، فتتجه الأنظار إلى بيانات التضخم الألمانية واجتماعات البنك المركزي الأوروبي، وسط تقديرات بأن استمرار الضغوط النفطية قد يدفع المركزي الأوروبي إلى رفع أسعار الفائدة خلال الأشهر المقبلة.
ونقلت وكالة “بلومبرغ” عن عضو مجلس محافظي البنك المركزي الأوروبي ومحافظ بنك اليونان يانيس ستورناراس تحذيره من أن استمرار إغلاق مضيق هرمز قد يؤدي إلى “آثار تضخمية ثانوية” تشمل الأجور وأسعار السلع والخدمات، ما قد يفرض على البنك المركزي الأوروبي تشديد السياسة النقدية مجدداً لكبح التضخم.
كما توقعت وكالة رويترز بقاء التضخم الألماني قرب 2.9 بالمئة، مع تحذيرات من أن تجاوزه 3 بالمئة سيزيد الضغوط على البنك المركزي الأوروبي لرفع تكاليف الاقتراض، رغم حالة الضعف الاقتصادي التي تعيشها ألمانيا منذ سنوات.
وفي بريطانيا، تراجعت رهانات خفض الفائدة مع استمرار ارتفاع أسعار الوقود والطاقة، بينما حذر بنك إنكلترا من أن بقاء أسعار النفط فوق 120 دولاراً للبرميل قد يدفع التضخم إلى نحو 6 بالمئة،
وفق تقارير اقتصادية غربية. أما اليابان، التي تعتمد بشكل كبير على واردات الطاقة، فتبدو من أكثر الاقتصادات حساسية تجاه أزمة هرمز، بعدما تراجعت ثقة المستهلكين إلى مستويات متدنية تحت ضغط ارتفاع تكاليف الطاقة.
وفي أستراليا وكندا وسويسرا، تتباين المقاربات النقدية، لكن القاسم المشترك يبقى القلق من تحول صدمة النفط إلى أزمة تضخمية ممتدة، فيما تحدثت صحف عربية وغربية عما وصفته “كماشة هرمز” التي وضعت سبعة من أكبر البنوك المركزية في العالم أمام معضلة معقدة: حماية النمو أم كبح التضخم.
وترى مؤسسات مالية دولية أن ارتفاع أسعار النفط بنسبة 50 إلى 60 بالمئة منذ بداية العام قد يضيف نحو نقطة مئوية كاملة إلى معدلات التضخم العالمية، ما ينسف جزءاً كبيراً من جهود البنوك المركزية خلال العامين الماضيين لخفض الأسعار وإعادة الاستقرار للأسواق.
ورغم تصاعد الحديث عن اتفاق أمريكي إيراني محتمل قد يفضي إلى إعادة فتح المضيق، فإن محللين في أسواق المال يرون أن أي ارتياح للأسواق قد يبقى محدوداً، لأن أسعار الطاقة لن تعود سريعاً إلى مستويات ما قبل الحرب، كما أن توقعات خفض الفائدة تأجلت بالفعل في معظم الاقتصادات الكبرى، في حين يرى خبراء اقتصاديون أن الأسواق بدأت تدريجياً تتعامل مع أزمات النفط ببرودة أكبر مقارنة بالعقود الماضية، مستفيدة من توسع الإنتاج العالمي والمخزونات الإستراتيجية وقدرة الحكومات على التدخل السريع لتهدئة الأسعار.
اكتب تعليق
كل الحقول التي عليها علامة (*) مطلوبة