دليل ماسة
أكثر الروابط استخداما
ستنتهي هذه الحرب يوماً وتبقى لغة الطائفية فضيحة في ذاكرة قوم اختبؤوا خلف الطائفية ليخفوا أنهم مجرد عملاء للإمبريالية وعبيد لأجندتها، حين أعاد برنار لويس صياغة المخطط الإمبريالي على أساس خطط البلدان،
والخروج بجغرافيا الطوائف، وكأن الطوائف لم تكن يوماً في العالم الإسلامي، لكي تصبح هي التّيمة المركزية في خطاب العملاء المباشرين والموضوعيين للمشروع الإمبريالي في المنطقة.. ولا يحتاج الباحث إلى جهد كبير ليقف على تناقضات هذه الظاهرة التي لم تعد قادرة على ابتكار ما هو مقنع بعد أن خرج «داعش» من قلب هذا الخداع، إذ لا فرق بين «داعش» و«النصرة» و«الإخوان» والطابور الخامس للوهابية بكل ترانيمها سوى التموقع والمصلحة والسياسات.. فكلهم انخرط في دعم هذا المشروع، ولولا تصدّي المقاومة لهذا المشروع، الذي عدّوه تدخّلاً وهو ضربة على رأس الأغبياء والعملاء، لأصبح العالم العربي كله تحت هيمنة «الإخوان» قليلاً ثم سرعان ما تأتي الخطة البديلة لإعادة توزيعه حسب حدود عنصرية وطائفية وإثنية، تحوله إلى جغرافيا للصدام الأبدي..لقد ضربت المقاومة على رؤوس بني قينقاع، وهم على كل حال مجرد عملاء صغار في حرب كونية بين الإمبريالية والمقاومة..
لقد فشل المشروع الإمبريالي في المنطقة ولم يعد له سوى أن يناور بعناوين لن تغير شيئاً على أرض المعركة.. في مقابل ذلك بات الطابور الخامس للمشروع الأمريكي يظهر حقده ليس إلاّ بعد أن انكشفت مغالطاته الإعلامية..الحقد الذي جعل مفهوم الوطنية يتراجع لمصلحة لغة الفوضوية.. وحيثما حلت الفوضوية حلّ معها الحقد..
الحالمون «بسقوط» سورية من البله والجهلة لن يعترفوا بأنهم كانوا أغبياء إن لم نقل كانوا عملاء صغاراً في لعبة أكبر منهم.. لن يعترفوا لسورية بالنصر لأنّ كل انتصار يفسرونه بلكن وربما ولولا.. هذه الرطانة السياسية سببها الرئيس أنهم عاندوا في الباطل ردحاً من الزمن.. ومن ناحية أخرى، لم أجد من هؤلاء الخونة من يتألم لأي ضربة تصيب سورية من قبل «إسرائيل» أو الإرهاب، هم ينتظرون منذ 8 سنوات التدخل العسكري ليحملهم على دبابة أمريكية إلى سورية.. نحن نعرفهم ونحلل سيكولوجيتهم منذ سنوات، نحن أدرى بخبثهم وتفاهتهم وخيانتهم وألاعيبهم ونفاقهم لن يستطيعوا أن يكونوا مقنعين لأنهم عصائب باطل ومافيات وأفاعٍ رقطاء وعملاء وسماسرة ومنافقون..
اليوم نقرأ في إعلام حزب الجبناء من سراق الله عندنا عبارة عن وفاة «أيقونة» «الثورة السورية».. لم يجد «إخوان العدالة والتنمية» أيقونة ملتحية ففتشوا عن أيقونة مانكان- إن صحّ التعبير والوصف- في مي سكاف، ربما لأن أصالة في نظرهم لم تعد أيقونة منذ غنت مع الغلام الموتشو المحسوب على «إخوان العدل والإحسان».. لكلّ أيقونته من عالم الحشيش.. أعتقد لو كان الوضع يتطلب حجاجاً لأسقطنا أيقوناتهم بجرة مثل: رغدة مقابل مي سكاف.. دريد لحام مقابل جمال سليمان.. فيروز وميادة وجوليا بطرس من سورية ولبنان مقابل أصالة.. حتى في هذا الحجاج لن يفلحوا..
الحديث في صحافة أنصار «النصرة» بمنطق الأيقونات البليدة هو في حدّ ذاته إفلاس في سيميائية «الثورة السورية» التي اختُلقت على هامش احتجاجات دامت أياماً على تحسين الوضع الاجتماعي، ليُلصق بها لصقا مستدركٌ من برنامج جين شارب في ذيلها عشية «ربيع المراهقة العربية».. وحين فشلوا زادوها مستدركا من أم الأربعة وأربعين «المسلحين» الذي أعلنوهم في البداية تحت دفق من الإعلام الرجعي «مدافعين عن الشعب» قبل أن ينفضحوا فإذا بالإرهاب يرخي لحيته ويكشر عن أنيابه.. لقد أصيب الإعلام الكلبي باللّقوة لأنه ظلّ كاذباً.. فضحت المحاور التي اصطنعت كل هذا نفسها في تراشق بالوثائق.. لقد تبين اليوم كم دفعوا لقيام الحرب على سورية، وفي الوقت نفسه أظهروا مستويات العملاء، فمنهم من قبض ملايين الدولارات وهناك من أخذ آلاف الدولارات نزولاً إلى العملاء؛ من درجة الكاسطور الذين يأخذونها تقسيطاً بضع أليفات دولارات لتغيير السكن وشراء سيارات أو التمكن من استهلاك «عيشة الطويلة» في أوقات مناسبة.. نعرفهم جيداً، ولا أحد يملك أن يغير جلده كالثعبان.. فالذي هزم الإمبريالية قادر على معرفة عملائها؟
على هؤلاء الموتورين أن يتدربوا من الآن فصاعداً على القبول بسورية منتصرة على الإمبريالية وأذنابها.. أن يدركوا أنّ التمكين قضية مؤقتة وسيكون مصيرهم الشّتات.. سورية باقية على صمودها.. بشّار الأسد رئيس ازدادت شعبيته بشكل أسطوري داخل سورية..لا قيمة لأي نباح سياسي صادر عن «معارضات» الرصيف أو الذين أكل الحقد أكبادهم في أن يكذبوا على الرأي العام العربي حيثما منحت لهم فرصة.. أقصد بعض المتملقين من «المعارضة السورية» في الخارج الذين يهمهم أن يرتّبوا أوضاعهم ويركبوا عنوان «الثورة» لتحسين لجوئهم وأوضاعهم في المهاجر..
إنّ الحفاظ على التعايش لا يأتي بتصعيد النزاعات العرقية والطائفية ما دامت الأقطار العربية يفترض فيها أن ترى في أقطارها مثالاً للأمة كلها.. العبارة التي قالها القرضاوي وهو يجهل الأبعاد التخريبية لخطاب التبسيط الطائفي: هناك دول خالصة لهذا المذهب أو ذاك، ومازلت أمقت هذه النظرات التبسيطية لمفهوم التعايش والتقارب، لأنّ رأيي في هذا هو أنه وجب أن تكون سائر الأقطار مؤمنة بالتنوع وهي على الرغم من قدرها الجغرافي الناشئ على خلفية «سايكس بيكو» عليها أن تكون مثالا للأمّة.. ووجوده في سائر الأقطار هو ضامن للتوازن والتعايش لأنّ ما قاله القرضاوي وردده حواريون من دون علم وإلمام بالأبعاد الجغرافية والاستراتيجية هو أن وجود أقطار خالصة في إثنياتها وطوائفها، أمر مستحيل، فضلاً عن أنه إن أمكن فسيكون عامل إضعاف وعامل حروب لأنّ الهويات القاتلة هي الهويات البسيطة والمبسطة.. ومع ذلك ظلت سورية هي المثال الأبرز لمجتمع التنوع والتعايش النموذجي بخلاف من أعلنوا عليها الحرب غير القادرين على تأمين التعايش السلمي في بلدانهم لأنهم بدائيون في معاملة المختلف.. مشروع «الشرق الأوسط» الذي بادروا إليه هو مشروع إقامة الجغرافيا على الهويات البسيطة والخالصة لإيجاد حدود الصدع بين الدول التي بنى عليها «هنتنغتون» في فكرة الصدام بين الحضارات، فالتنوع لا يخيف بقدر ما يخيف خطاب الهوية الخالصة، وهي هويات لا يمكن أن تكون خالصة لوجه الله بل خالصة لوجه الشيطان..
المصدر :
إدريس هاني
اكتب تعليق
كل الحقول التي عليها علامة (*) مطلوبة