إكتشفت الرياض متأخرة ان تبعيتها ودورانها في فلك السياسة الأميركية قلص خياراتها في زمن الأزمة الراهنة، رغم طرقها ابواب عدة دول كبرى لدعم مسافة ابتعادها عن املاءات السياسة الأميركية.

الساحة السورية باتت الشغل الشاغل لسياسة الاسرة الحاكمة، بعد تراجع دور قطر في الازمة وليس انهاؤه. لعل من أهم الاسباب وراء ذلك سعيها لمنافسة ايران على الموقع الاول في منطقة الخليج العربي، فضلا عن عدائها التاريخي المتأصل للقومية العربية وتعبيراتها في سياسة الكيان السوري الرسمي خاصة معاداته للكيان الصهيوني في فلسطين. يضاف لذلك بالطبع المنافسة السعودية لما تعتقده سعي ايران للسيطرة على لبنان كساحة صراع ونفوذ، وعداء الاولى للانتصار العسكري الذي سجله حزب الله على العدوان "الاسرائيلي" عام 2006.

في خطوة نادرة، نشرت الأسرة السعودية قواتها المسلحة، خارج أراضيها، في البحرين لضمان سيطرتها على الحكومات الموالية، بالإضافة الى توفير الدعم المادي والعسكري الهائل لحركات "الربيع العربي،" وخشيتها من انفراط عقد الاخوان المسلمين وخروجهم من سيطرة عباءتها مما حفزها على دعم القوى المناهضة لحكم الرئيس المصري المعزول، محمد مرسي. تطلعت الرياض من وراء ذلك تحقيق هدفها الاوسع في "كبح النفوذ الايراني" في المنطقة.

سياسات الرياض الثابتة في التبعية للسياسة الأميركية حرمتها من ممارسة دور تستطيع فيه تشكيل تحالفات خاصة بها. السفير الأميركي الأسبق لدى الرياض، روبرت جوردان 2001-2003، أشار إلى اتكال الأسرة المالكة الكلي على الولايات المتحدة بأنها "الوحيدة المؤهلة لحماية حقول نفط بلادها .. ولن نرى حلول يوم نراهم يقفزون خارج السرب".

الدور النامي لروسيا في ملفات المنطقة، لا سيما في سوريا، ودعمها ايران في مفاعل بوشهر النووي ساهم في تعزيز طموحات ايران بدخولها نادي الدول النووية. تطلع الرياض لنسج علاقة اوثق او بديلة مع موسكو يعتريه عدد من العقبات يصعب تجاوزها، ليس اقلها ما يتردد من دعم الرياض لقوى الاسلام السياسي في دول القوقاز وشن عمليات مسلحة ضد الدولة الروسية؛ فضلا عن تميز الاقتصاد الروسي بوفرة مخزونه من النفط والغاز.

والأمر سيّان بالنسبة للصين التي وقفت الى جانب إيران ورفضت تأييد قرار الأمم المتحدة لحظر الأسلحة عن ايران، عام 1980، وامتنعت أيضاً عن التصويت لصالح تطبيق عقوبات اميركية ضد إيران في وقت لاحق. تتميز الصين بانها احد الموردين الاساسيين للصواريخ وتقنيتها الى ايران، والتي نشرتها الأخيرة في مضيق هرمز على الجانب الايراني كسلاح يهدد تدفق النفط "السعودي" عبر مياه الخليج، كما يعتقد.

من بين ما تبقى من الدول الكبرى تبرز فرنسا كأحد اكبر الاطراف المستفيدة من تأزم العلاقة الاميركية السعودية. وبادرت الرياض لفتح مجالات التنسيق مع باريس خاصة في سوريا ولبنان والملف النووي الايراني، وضخّت أموالاً كبيرة للاستثمار في فرنسا واقتصادها على مدى زمن طويل. وشكلّت تلك العلاقة احد العوامل الرئيسة لاتخاذ فرنسا موقفا متشدداً حيال توقيع اتفاق نووي غربي مع ايران، إلى جانب رعايتها للكيان الصهيوني وطموحاته في كافة الوطن العربي. برزت فرنسا ايضا كأحد مصدري السلاح الرئيسيين للمملكة السعودية منذ عدة عقود.

عرضت فرنسا قدراتها العسكرية لتوفير الحماية المطلوبة لمنابع النفط في الجزيرة العربية، مع ادراكها ان قوتها لا تضاهي التقنية والامكانيات الاميركية، وشكلت قوة عسكرية للتدخل السريع مهمتها دخول ارض الجزيرة العربية في اقصى سرعة ان تطلب الأمر. وجاءت تجربة تدخل القوات الفرنسية في عدد من الدول الافريقية لتعزز اطمئنان الأسرة الحاكمة على ترجمة الفرنسيين تدخلهم لصالح حلفائهم بصورة أسرع من الأميركيين.

علاقة بريطانيا مع كافة أركان الأسرة الحاكمة في الرياض تعود الى التاريخ البعيد وسابقة على كل ما عداها ولا تزال تحتفظ بعدد من المصالح الحيوية في المنطقة العربية، وتعود أهميتها الى تشكيلها قوة عسكرية سريعة الحركة لذات الغرض بالتدخل السريع لحماية مصالحا ومصالح حلفائها.

على الرغم من توفر تلك الميزات مجتمعة، لدى فرنسا وبريطانيا، الا ان الولايات المتحدة بإمكانياتها العالية تتفوق على حلفائها الآخرين وتمكنها من تخطي مرحلة الخلاف والتباين السياسي الراهنة مع الحكومة السعودية؛ فضلاً عن تبعية السياسة الخارجية للسعودية للسياسة الاميركية. اما امكانية اجراء تعديل في تحالفات الرياض الراهنة والابتعاد عن واشنطن، فمن المرجح الا تترك آثارا ضارة بالعلاقة الراهنة.

الرياض غير مهيئة حالياً للإبتعاد عن السياسات الأميركية، بصرف النظر عن مدى إعتراضها وعدم رضاها منها، وربما تلجأ للمراهنة على عامل الزمن لتخطي الاضطرابات الحالية وتتطلع للرئيس الأميركي المقبل لإستمرار دعمهاً وسياساتها الاقليمية. في هذا الصدد ينبغي لفت الانتباه لعدد من تصريحات مسؤولي الأسرة السعودية، خاصة تركي الفيصل، الذين يحملون الرئيس اوباما شخصياً مسؤولية تباين السياسات، وليس لدائرة صنع القرار الأميركي سيما وتحتفظ أركان الأسرة الحاكمة بعلاقات وثيقة للغاية مع أقطاب الحزب الجمهوري وتعول على فوزه جولة الانتخابات الرئاسية المقبلة. كما نقل عن العاهل السعودي الملك عبدالله عدم ثقته بالرئيس اوباما واصفاً الأخير "بالتردد" في سياسته حيال سوريا.

"تحوّل مسارات" الإستراتيجية الأميركية لا تشي بأي تعديل قد يتخذه الرئيس أوباما على مسار سياسته الشرق أوسطية، والذي اثبتت سيرته الرئاسية ميله للتمسك بسياساته المعلنة، في بعدها الايديولوجي والعقائدي، بصرف النظر عن نواقصها التي تثبت تطورات الأحداث بطلانها – كما تجلى في مواقفه وتصريحاته حول أوكرانيا، وبرنامج الرعاية الصحية الشامل، أوباماكير.

وانطلاقاً من أرضية هذا الفهم، يعتقد بعض عقلاء السياسة والرأي الحصيف أن مصلحة الأسرة السعودية تقتضي التريث وانتظار نهاية الولاية الرئاسية الحالية للرئيس اوباما المتخمة بالثغرات والاخفاقات وعدم رضى الناخب الاميركي عن مسارها، والمراهنة على عدم تقييد حركة الرئيس المقبل بارث الرئيس اوباما.

من المرجّح استمرار سلوك السياسة السعودية الناحية الصدامية مع الدول الإقليمية الاخرى، وسعيها لجني مكاسب استثماراتها في القوى التكفيرية والمتطرفة، لا سيما في سوريا، والمضي ايضاً في معاداة ايران والسعي لتشكيل تحالفات وتجمعات اقليمية تخدم تلك الاهداف. لذا ستجنح لتكثيف علاقاتها مع بعض القوى الاوروبية لتأييد معارضتها لايران بشكل خاص، بالتوازي مع تحركاتها المنسقة، خلف الكواليس، مع "اسرائيل" ومناهضتها لكل تعبيرات القومية العربية كما كان الرهان عليها منذ بدء عقد الخمسينيات من القرن الماضي.

الإضطرابات السياسية وعدم الاستقرار تصب في عكس أهداف السياسة الاقليمية للحفاظ على التقسيمات الراهنة. ولذا من المرجح ان تظهر السياسة السعودية بعض تجليات الاستقرار في الاقليم، حفاظا على مستقبل الاسرة الحاكمة واستمرار نفوذها المالي والمصرفي لتحقيق أهدافها السياسية، ولو تطلب الأمر بعض الاستدارة عن المألوف، كما يجري في دعمها الراهن لمصر التي بدون ترويضها ستتعثر "السيطرة السعودية" اقليمياً وما سيترتب عليها من انعكاسات سلبية لها على المستوى الدولي.

  • فريق ماسة
  • 2014-03-29
  • 6816
  • من الأرشيف

ابتعاد السياسة السعودية عن الرعاية الأميركية

إكتشفت الرياض متأخرة ان تبعيتها ودورانها في فلك السياسة الأميركية قلص خياراتها في زمن الأزمة الراهنة، رغم طرقها ابواب عدة دول كبرى لدعم مسافة ابتعادها عن املاءات السياسة الأميركية. الساحة السورية باتت الشغل الشاغل لسياسة الاسرة الحاكمة، بعد تراجع دور قطر في الازمة وليس انهاؤه. لعل من أهم الاسباب وراء ذلك سعيها لمنافسة ايران على الموقع الاول في منطقة الخليج العربي، فضلا عن عدائها التاريخي المتأصل للقومية العربية وتعبيراتها في سياسة الكيان السوري الرسمي خاصة معاداته للكيان الصهيوني في فلسطين. يضاف لذلك بالطبع المنافسة السعودية لما تعتقده سعي ايران للسيطرة على لبنان كساحة صراع ونفوذ، وعداء الاولى للانتصار العسكري الذي سجله حزب الله على العدوان "الاسرائيلي" عام 2006. في خطوة نادرة، نشرت الأسرة السعودية قواتها المسلحة، خارج أراضيها، في البحرين لضمان سيطرتها على الحكومات الموالية، بالإضافة الى توفير الدعم المادي والعسكري الهائل لحركات "الربيع العربي،" وخشيتها من انفراط عقد الاخوان المسلمين وخروجهم من سيطرة عباءتها مما حفزها على دعم القوى المناهضة لحكم الرئيس المصري المعزول، محمد مرسي. تطلعت الرياض من وراء ذلك تحقيق هدفها الاوسع في "كبح النفوذ الايراني" في المنطقة. سياسات الرياض الثابتة في التبعية للسياسة الأميركية حرمتها من ممارسة دور تستطيع فيه تشكيل تحالفات خاصة بها. السفير الأميركي الأسبق لدى الرياض، روبرت جوردان 2001-2003، أشار إلى اتكال الأسرة المالكة الكلي على الولايات المتحدة بأنها "الوحيدة المؤهلة لحماية حقول نفط بلادها .. ولن نرى حلول يوم نراهم يقفزون خارج السرب". الدور النامي لروسيا في ملفات المنطقة، لا سيما في سوريا، ودعمها ايران في مفاعل بوشهر النووي ساهم في تعزيز طموحات ايران بدخولها نادي الدول النووية. تطلع الرياض لنسج علاقة اوثق او بديلة مع موسكو يعتريه عدد من العقبات يصعب تجاوزها، ليس اقلها ما يتردد من دعم الرياض لقوى الاسلام السياسي في دول القوقاز وشن عمليات مسلحة ضد الدولة الروسية؛ فضلا عن تميز الاقتصاد الروسي بوفرة مخزونه من النفط والغاز. والأمر سيّان بالنسبة للصين التي وقفت الى جانب إيران ورفضت تأييد قرار الأمم المتحدة لحظر الأسلحة عن ايران، عام 1980، وامتنعت أيضاً عن التصويت لصالح تطبيق عقوبات اميركية ضد إيران في وقت لاحق. تتميز الصين بانها احد الموردين الاساسيين للصواريخ وتقنيتها الى ايران، والتي نشرتها الأخيرة في مضيق هرمز على الجانب الايراني كسلاح يهدد تدفق النفط "السعودي" عبر مياه الخليج، كما يعتقد. من بين ما تبقى من الدول الكبرى تبرز فرنسا كأحد اكبر الاطراف المستفيدة من تأزم العلاقة الاميركية السعودية. وبادرت الرياض لفتح مجالات التنسيق مع باريس خاصة في سوريا ولبنان والملف النووي الايراني، وضخّت أموالاً كبيرة للاستثمار في فرنسا واقتصادها على مدى زمن طويل. وشكلّت تلك العلاقة احد العوامل الرئيسة لاتخاذ فرنسا موقفا متشدداً حيال توقيع اتفاق نووي غربي مع ايران، إلى جانب رعايتها للكيان الصهيوني وطموحاته في كافة الوطن العربي. برزت فرنسا ايضا كأحد مصدري السلاح الرئيسيين للمملكة السعودية منذ عدة عقود. عرضت فرنسا قدراتها العسكرية لتوفير الحماية المطلوبة لمنابع النفط في الجزيرة العربية، مع ادراكها ان قوتها لا تضاهي التقنية والامكانيات الاميركية، وشكلت قوة عسكرية للتدخل السريع مهمتها دخول ارض الجزيرة العربية في اقصى سرعة ان تطلب الأمر. وجاءت تجربة تدخل القوات الفرنسية في عدد من الدول الافريقية لتعزز اطمئنان الأسرة الحاكمة على ترجمة الفرنسيين تدخلهم لصالح حلفائهم بصورة أسرع من الأميركيين. علاقة بريطانيا مع كافة أركان الأسرة الحاكمة في الرياض تعود الى التاريخ البعيد وسابقة على كل ما عداها ولا تزال تحتفظ بعدد من المصالح الحيوية في المنطقة العربية، وتعود أهميتها الى تشكيلها قوة عسكرية سريعة الحركة لذات الغرض بالتدخل السريع لحماية مصالحا ومصالح حلفائها. على الرغم من توفر تلك الميزات مجتمعة، لدى فرنسا وبريطانيا، الا ان الولايات المتحدة بإمكانياتها العالية تتفوق على حلفائها الآخرين وتمكنها من تخطي مرحلة الخلاف والتباين السياسي الراهنة مع الحكومة السعودية؛ فضلاً عن تبعية السياسة الخارجية للسعودية للسياسة الاميركية. اما امكانية اجراء تعديل في تحالفات الرياض الراهنة والابتعاد عن واشنطن، فمن المرجح الا تترك آثارا ضارة بالعلاقة الراهنة. الرياض غير مهيئة حالياً للإبتعاد عن السياسات الأميركية، بصرف النظر عن مدى إعتراضها وعدم رضاها منها، وربما تلجأ للمراهنة على عامل الزمن لتخطي الاضطرابات الحالية وتتطلع للرئيس الأميركي المقبل لإستمرار دعمهاً وسياساتها الاقليمية. في هذا الصدد ينبغي لفت الانتباه لعدد من تصريحات مسؤولي الأسرة السعودية، خاصة تركي الفيصل، الذين يحملون الرئيس اوباما شخصياً مسؤولية تباين السياسات، وليس لدائرة صنع القرار الأميركي سيما وتحتفظ أركان الأسرة الحاكمة بعلاقات وثيقة للغاية مع أقطاب الحزب الجمهوري وتعول على فوزه جولة الانتخابات الرئاسية المقبلة. كما نقل عن العاهل السعودي الملك عبدالله عدم ثقته بالرئيس اوباما واصفاً الأخير "بالتردد" في سياسته حيال سوريا. "تحوّل مسارات" الإستراتيجية الأميركية لا تشي بأي تعديل قد يتخذه الرئيس أوباما على مسار سياسته الشرق أوسطية، والذي اثبتت سيرته الرئاسية ميله للتمسك بسياساته المعلنة، في بعدها الايديولوجي والعقائدي، بصرف النظر عن نواقصها التي تثبت تطورات الأحداث بطلانها – كما تجلى في مواقفه وتصريحاته حول أوكرانيا، وبرنامج الرعاية الصحية الشامل، أوباماكير. وانطلاقاً من أرضية هذا الفهم، يعتقد بعض عقلاء السياسة والرأي الحصيف أن مصلحة الأسرة السعودية تقتضي التريث وانتظار نهاية الولاية الرئاسية الحالية للرئيس اوباما المتخمة بالثغرات والاخفاقات وعدم رضى الناخب الاميركي عن مسارها، والمراهنة على عدم تقييد حركة الرئيس المقبل بارث الرئيس اوباما. من المرجّح استمرار سلوك السياسة السعودية الناحية الصدامية مع الدول الإقليمية الاخرى، وسعيها لجني مكاسب استثماراتها في القوى التكفيرية والمتطرفة، لا سيما في سوريا، والمضي ايضاً في معاداة ايران والسعي لتشكيل تحالفات وتجمعات اقليمية تخدم تلك الاهداف. لذا ستجنح لتكثيف علاقاتها مع بعض القوى الاوروبية لتأييد معارضتها لايران بشكل خاص، بالتوازي مع تحركاتها المنسقة، خلف الكواليس، مع "اسرائيل" ومناهضتها لكل تعبيرات القومية العربية كما كان الرهان عليها منذ بدء عقد الخمسينيات من القرن الماضي. الإضطرابات السياسية وعدم الاستقرار تصب في عكس أهداف السياسة الاقليمية للحفاظ على التقسيمات الراهنة. ولذا من المرجح ان تظهر السياسة السعودية بعض تجليات الاستقرار في الاقليم، حفاظا على مستقبل الاسرة الحاكمة واستمرار نفوذها المالي والمصرفي لتحقيق أهدافها السياسية، ولو تطلب الأمر بعض الاستدارة عن المألوف، كما يجري في دعمها الراهن لمصر التي بدون ترويضها ستتعثر "السيطرة السعودية" اقليمياً وما سيترتب عليها من انعكاسات سلبية لها على المستوى الدولي.

المصدر : الميادين


اكتب تعليق

كل الحقول التي عليها علامة (*) مطلوبة