دليل ماسة
أكثر الروابط استخداما
يفترض أن المرء كلما ارتقى في المسؤولية ازدادت كلمته وزنا ودقة، فالكلام المرسل الذي لا يستند لواقع ولا منطق، قد يقبل من العامة ومحدودي المسؤولية، بسبب ضيق تأثيرها، حتى أنه يقال يوزن الرجل من لسانه. ولست هنا بوارد انتقاد تصريحات احمد الجربا مع لوران فابيوس وزير خارجية فرنسا والعشرة وزراء المشاركين في لقاء باريس، ولا لانتقاص من قدر الرجل، فكلامه وحالة تصريحه التي وصفها الأستاذ عبد الباري عطوان، يغنيان كل عاقل عن التعقيب.
لكن الأمر يتعلق بالموضوع، ولعل خلاصة ذلكم المؤتمر الصحفي هي عبارة واحدة: “تلقينا ضمانات دولية بضرورة غياب بشار الأسد بعد مؤتمر جنيف 2 من المشهد السياسي، هو وعائلته وأركان نظامه”. حين نسمع هذا الطرح من رجل مازال يتعارك مع أبجديات السياسة، ولا يفقه شيئا في إدارة الدولة، يمكن حمل ذلك على جهله، والتماس العذر من قدراته العقلية المحدودة للغاية، لكن أن يطرح تصورا كهذا من يزعم قيادة كيان، يسوقه ممثلا شرعيا وحيدا للشعب السوري، يعني ما يعدل رئيس دولة، فهنا الأمر خطير جدا.
أكاد أجزم بأن من يردد هذا التصور مغيب العقل تماما، ولعله أمضى حياته كلها خارج المجرة التي نعيش فيها، وبلغة دبلوماسية يمكن وصفه برجل منفصل عن الواقع بشكل مرضي ميؤوس من إمكانية علاجه فضلا عن شفائه، أي دول هذه التي تضمن غياب الرئيس بشار الأسد عن المشهد السياسي بكبسة زر جنيف2؟ . لن أناقش هنا مدى سلامة هذا الهدف، الذي بات العنوان بل البرنامج كله للاتلاف السوري، فكلما سألناهم عن المشروع النهضوي وتصوراتهم في بناء سورية المستقبل، ومشروع المجتمع وغيرها، جاء الرد واحدا لا غير:” تنحية بشار الأسد”، وحين يختزل العقل السياسي في أمر كهذا فليس إلا دليلا على الإفلاس وانعدام الرؤية، وإن كنا نرى بناء دولة على رجل واحد طرحا دكتاتوريا، فإننا أكثر يقينا بأن هدم دولة من أجل رجل يعد أخطر من الدكتاتورية نفسها.
حين نقول بأن من يؤمن بضمان 11 دولة للائتلاف خارج عن المجرة، فلسنا نأتي بشيء من عندنا جزافا، فبالأمس القريب 2003، وللمفارقة العجيبة سمي كذلك “ائتلاف الراغبين” أكثر من 16 دولة قررت الإطاحة بنظام صدام حسين، فماذا كان عليها أن تفعل؟ حشدت نصف مليون عسكري من مختلف الجنسيات، بعد حصار إجرامي مطبق على امتداد عقد من الزمان، ساهمت فيه معظم الدول، ورصدت تريليونات الدولارات كغلاف مالي لتغطية الحرب، هل يتصور عاقل أن هذه الدول مستعدة لنفس المغامرة؟ كيف والواقع مختلف بشكل يكاد يكون جذريا، فسورية اليوم بوضعها وعلاقاتها وحلفائها وأوراقها القوية المؤثرة، ليست على الإطلاق عراق 2003، هذا الأمر يعرفه الغرب جيدا منذ التقاطه فرصة الحراك قبل ثلاث سنوات تقريبا، هناك قوى متعاظمة اسمها إيران، وقوى عظمى اسمها روسيا والصين، وأخرى اسمها دول البريكس، فضلا عن القوة المركزية السورية التي لا يغفلها إلا أعمى أومكابر، المتمثلة في تلاحم الجيش مع القيادة مع السلك الإداري والدبلوماسي والقاعدة الشعبية، ولم تدخر الدول التي وعدت الاتلاف جهدا لاختراق أي جدار منها، غير أن كل محاولاتها باءت بفشل ذريع ومدوي، إذن عن أي ضمانات يتحدثون؟ وبأي أدوات يمكن ضمان هذه الأماني؟.
نقول في مجرة أخرى، لأنه على ما يبدو أن القوم لم يشهدوا تهديد باراك اوباما بخطه الأحمر وإعلان الحرب على سورية، وهو رئيس الدولة العظمى على الإطلاق، وكانوا غائبين حين حمّل الرئيس بشار الأسد مسؤولية جريمة الكيماوي، مصطنعا السبب الشرعي والقانوني للهجوم، كما جاء في تقرير الصحفي الشهير سيمور هيرش 2013/12/09، ليكتشف عند لحظة الحسم مدى صلابة سورية داخليا، وقوة داعميها اقليميا ودوليا، فيجتهد للتعلق بسروال فلاديمير بوتين، عسى أن ينزله من فوق شجرة تهديده، ويؤثر السلامة على حرب لا محالة تخسر فيها الولايات المتحدة وحلفاؤها الكثير بل الغير متوقع، ولوشهد القوم هذه الحادثة وتفاصيلها، لما اجتروا ضمانات واهية لا تقوم أساسا على اي اداة واقعية فضلا عن وسائل ميدانية.
ليتأمل القارئ تلكم العبارة “ضمانات بغياب الأسد” هل يجد لها حقيقة معنى على ارض الواقع؟ هل يمكن ترجمتها إلى معنى عملي؟ كيف؟ ليس إلا هرطقة وكلاما خاويا من أي دلالة، من المؤسف حقا أن يجتره من يزعم قدرته وأهليته لقيادة شعب بحجم وقيمة الشعب السوري؛ وتجاوزا لهذ الهذيان المفرط، والإدمان المزمن لهذا الوهم المرضي، أقر بأني لا أملك تفسيرا لحالة هؤلاء وهم يرون بأم أعينهم سيطرة الجماعات المسلحة على بعض المناطق، وتصدر بياناتها يوميا بالبراءة من الاتلاف الوطني، ثم يتصورون ويسوقون في الإعلام زعمهم استلام السلطة !!! ممن ؟ من داعش أم النصرة أم أيمن الظواهري؟ أي عقل سوي يمكنه تصور ذلك؟.
الرئيس بشار الأسد لا يستمد شرعيته من الأنظمة المتغيرة في العالم، إنما من وجوده في سورية بين شعبه وجيش وطنه وإطارات دولته، وحين هدده باراك اوباما وهيلاري كلينتون بنزع الشرعية، لم يغير ذلك من الواقع شيئا، لكن وفي المقابل الاتلاف الوطني كساء شرعيته، مستمد من الأنظمة التي يستقوي بها، ويعتمد اليوم على ضماناتها، فماذا لو صمم على موقفه بعدم الذهاب إلى جنيف 2، وسحبت منه الولايات المتحدة وحلفاؤها الشرعية، كما جاء في البي بي سي والغارديان؟.
ختاما، الواقع الملموس الذي نشاهده، الجيش السوري يتقدم بثبات وعزيمة فولاذية لاسترداد ما خرج عن سلطة الدولة، والجماعات المسلحة التي تسيطر على الأرض وليس في فنادق خمس نجوم، يأكل بعضها بعضا مما ينقص من قوتها (ألف قتيل تقريبا في أسبوع واحد)، ويجعلها تنكفئ رويدا، والحدود من الأردن وتركيا تضيق عليها يوما بعد يوم، ومنابع الدعم المالي والتسليح آيلة تدريجيا إلى زوال، والشعب السوري يزداد التفافا حول قيادته لما عاينه من جرائم بشعة، واتضاح تفاصيل وأجزاء الصورة تقريبا بشكل كامل، والقوى الداعمة لسورية تتعاظم عددا وقوة، والخلاصة في مثل هذا الواقع هي أن الرئيس بشار الأسد باق وغير ذلك مجرد أماني تطلق من أبراج عبر عواصم العالم لا تبني دولا ولا سلطة، بل الأماني بطبيعة اللفظ ومعناه هي: ما لا يتحقق أبدا.
المصدر :
الماسة السورية/اسماعيل القاسمي الحسني
اكتب تعليق
كل الحقول التي عليها علامة (*) مطلوبة