دليل ماسة
أكثر الروابط استخداما
أعادت اضطرابات طرق الطاقة في الخليج خلال أيلول/سبتمبر المرافئ السورية إلى مسارات تجارية إقليمية جديدة، بعدما بدأ العراق استيراد البنزين عبر ميناء بانياس ونقله برًا عبر الأراضي السورية، في امتداد لمسار سبق أن استخدمته بغداد لتصدير زيت الوقود باتجاه المتوسط، وتحول الطريق خلال أسابيع إلى ممر ذي اتجاهين يخدم تجارة الطاقة ويمنح الساحل السوري وظيفة تتجاوز حركة الاستيراد المحلية إلى العبور بين العراق والأسواق البحرية.
وبدأت أولى شحنات البنزين بالتحرك أواخر الشهر الفائت، مع خطط لرفع حركة الصهاريج إلى نحو 200 شاحنة يوميًا بموجب اتفاق قابل للتجديد، في حين ناقشت سلطات الحدود السورية والعراقية في 27 من أيلول تسريع إجراءات الترانزيت وتبادل البيانات الجمركية وتطوير عمل المعابر والمناطق الحرة، وهي تطورات تفتح ملفًا أوسع يتعلق بمقدار القيمة التي يستطيع الاقتصاد السوري الاحتفاظ بها من حركة العبور نفسها.
الخدمات اللوجستية توسع عائد المرافئ
تتعامل أدبيات اقتصاد النقل مع الميناء كحلقة في سلسلة قيمة لوجستية تشمل التخزين والمناولة والنقل البري والسكك والخدمات الجمركية والتأمين والصيانة والمناطق الصناعية، وتزداد القيمة الاقتصادية للمرفأ كلما اتسعت الروابط مع هذه الأنشطة وارتفعت حصة الاقتصاد المحلي من الخدمات التي ترافق حركة البضائع.
وتظهر الأرقام اتساع النشاط المرفئي خلال العام الجاري في سوريا، إذ استقبل ميناء اللاذقية وحده 532 سفينة حتى نهاية أيلول/سبتمبر وتعامل مع أكثر من 3.7 ملايين طن من البضائع ونحو 219 ألف حاوية، في حين تشير بيانات النصف الأول إلى مرور نحو 945 سفينة ونحو 8 ملايين طن عبر المرافئ السورية، مع زيادة ملحوظة في الحركة قياسًا بالأشهر السابقة.
وترى أحلام حمري، الباحثة في اقتصاديات النقل واللوجستيات والمرافئ، في حديث خاص لموقع "تلفزيون سوريا"، أن زيادة أعداد السفن أو كميات المناولة تعطي مؤشرًا أوليًا على النشاط، بينما تتحدد الأهمية الاقتصادية الأوسع بمقدار الخدمات التي تبقى قيمتها ضمن الاقتصاد المحلي، وتشير إلى أن التخزين وإعادة التعبئة والتوزيع والصيانة والخدمات الجمركية والنقل متعدد الوسائط تستطيع رفع العائد من كل طن يمر عبر الميناء.
وتوضح حمري أن تطوير المناطق اللوجستية المحيطة بالمرافئ يسمح بتحويل جزء من حركة العبور إلى نشاط اقتصادي دائم من خلال التجميع والتصنيع الخفيف والتوضيب وإعادة التصدير، وترى أن هذه الوظائف تحتاج إلى إجراءات جمركية سريعة وبنية رقمية وشركات نقل قادرة على العمل وفق جداول زمنية مستقرة.
وتضيف أن المرفأ يصبح أكثر تأثيرًا في الاقتصاد عندما يرتبط بالمناطق الصناعية والأسواق الداخلية وشبكات السكك والطرق، لأن كفاءة الرصيف وحدها تحسن المناولة في حين يتحدد العائد النهائي بقدرة السلسلة اللوجستية كاملة على تقليل الزمن والكلفة وزيادة حجم الخدمات المحلية.
الترانزيت يختبر شبكة النقل
برز هذا الترابط خلال معرض ومؤتمر CargoSyr الذي عقد في دمشق في 20 و21 من أيلول/سبتمبر، حيث تركزت المناقشات على وصل المرافئ بالطرق والسكك والمعابر وتبسيط إجراءات الشحن، بالتزامن مع معاينة مسار سكة حديد تربط ميناء طرابلس اللبناني بحمص ودراسة إمكان إعادة تشغيلها، ما يعكس اتساع الاهتمام بالممرات البرية التي تمنح المرافئ منفذًا أعمق نحو الداخل والأسواق المجاورة.
ويأتي ذلك مع استثمارات كبيرة معلنة في تشغيل المرافئ وتطويرها، بينها امتياز طويل الأجل في طرطوس بقيمة 800 مليون دولار واستثمارات بمئات الملايين في اللاذقية، وهي مشاريع تجعل شروط العقود ورسوم العبور وتوزيع الإيرادات ومستوى تشغيل الشركات المحلية عناصر أساسية في قياس الأثر الاقتصادي الفعلي لحركة التجارة.
من جانبه يعتبر سيزار دوكرويه، الباحث المتخصص في الجغرافيا الاقتصادية للمرافئ والشبكات البحرية، في حديث خاص لموقع "تلفزيون سوريا"، أن الموقع الجغرافي يمنح المرفأ فرصة أولية للوصول إلى حركة التجارة بينما تتحدد مكانته الفعلية من خلال الاتصال المنتظم بالأسواق ومراكز الإنتاج وشبكات النقل، ويشير إلى أن الممر التجاري يصبح أكثر قيمة عندما يستطيع جذب تدفقات مستقرة على مدار العام وربطها بخدمات اقتصادية متعددة.
ويوضح دوكرويه بأن الاعتماد على حركة الترانزيت المرتبطة بظرف إقليمي مؤقت يجعل الإيرادات أكثر حساسية لتغير مسارات التجارة، لذلك تحتاج المرافئ إلى بناء علاقات طويلة الأجل مع شركات الشحن والمستوردين والمصدرين وتطوير قدرات تسمح لها بالمنافسة في زمن المناولة والكلفة والموثوقية. ويلفت إلى أن الربط بالسكك الحديدية يمثل عنصرًا مهمًا في توسيع المجال الاقتصادي للميناء، خصوصًا في نقل السلع الثقيلة والطاقة والحاويات لمسافات طويلة، لأن تحسين الاتصال البري يسمح للمرفأ بخدمة مناطق أبعد ويرفع فرص نشوء مخازن ومراكز توزيع ومناطق إنتاج مرتبطة بحركة التجارة.
من رسوم العبور إلى اقتصاد الممرات
تمنح التطورات الإقليمية الراهنة سوريا فرصة لاستعادة جزء من وظيفة العبور التي ارتبطت تاريخيًا بموقعها بين المتوسط والعراق والخليج، وتوضح حركة الوقود عبر بانياس أن هذه الوظيفة تستطيع العودة بسرعة عندما تتغير طرق التجارة وتبحث الدول عن بدائل أكثر أمانًا أو أقصر زمنًا. وتبقى القيمة الاقتصادية مرتبطة بقدرة المرافئ وشبكات النقل على تحويل كل حركة عبور إلى سلسلة أوسع من الخدمات والاستثمار والعمل، عبر السكك والطرق والمناطق الحرة والمخازن والصيانة والتصنيع المرتبط بالتجارة، لأن اقتصاد الممرات يقوم على مقدار النشاط الذي ينشأ حول الطريق وعلى قدرة الاقتصاد المحلي على الاحتفاظ بجزء متزايد من القيمة التي تمر عبره.
اكتب تعليق
كل الحقول التي عليها علامة (*) مطلوبة