#
  • فريق ماسة
  • 2026-09-09
  • 1217

من هرمز إلى الأسواق.. اضطرابات الطاقة ترفع كلفة الوقود عالمياً

لم يعد سعر الوقود في الأسواق العالمية مرتبطاً بحركة برميل النفط الخام ‏وحدها، إذ فرضت الحرب الأمريكية الإسرائيلية– الإيرانية، وما رافقها من ‏استهداف ناقلات نفط في مضيق هرمز واضطراب الملاحة في باب المندب، ‏إلى جانب الأضرار التي لحقت بمنشآت ومصاف نفطية في المنطقة، واقعاً ‏جديداً على خريطة مخاطر إمدادات الطاقة، ورفعت كلفة نقلها وتأمينها.‏

وتتداخل هذه التطورات مع تداعيات الحرب الروسية- الأوكرانية، وما أصاب ‏منشآت التكرير والنقل، لتضع أسواق المشتقات النفطية أمام ضغوط متعددة ‏المصادر، تنتقل آثارها من مناطق الصراع والممرات البحرية إلى أسعار ‏البنزين والمازوت في الأسواق العالمية.‏

وتظهر التطورات الأخيرة، وفق تقارير وكالة الطاقة الدولية و”بلومبرغ”، ‏أن أسواق المشتقات النفطية، ولاسيما البنزين والمازوت، تواجه في بعض ‏الأحيان ضغوطاً أشد من سوق الخام، نتيجة تراجع طاقات التكرير، وتقلص ‏المخزونات وارتفاع كلفة النقل والتأمين، ما يجعل أي اضطراب في مناطق ‏الإنتاج أو طرق الإمداد قابلاً للانتقال سريعاً إلى أسعار الوقود للمستهلكين.‏

هرمز.. ممر حيوي تحت الاختبار

يتصدر مضيق هرمز حالياً مصادر الضغط على سوق الطاقة العالمية، مع ‏تراجع حركة السفن في الممر الذي كان يعبره قبل الحرب نحو 125 سفينة ‏تجارية يومياً، بينما سجلت بيانات شركة “كبلر” مرور ست سفن للسلع فقط ‏أمس الثلاثاء، مقابل متوسط لعشرة أيام بلغ 12 سفينة.‏ وتكتسب اضطرابات المضيق أهمية مباشرة لسوق الطاقة العالمية، كونه ممراً ‏رئيساً لصادرات النفط والغاز من دول الخليج.‏ وتزامن ذلك مع تصاعد الحرب في المنطقة، وفرض حصار على صادرات ‏النفط الإيرانية، واستهداف ناقلات نفط، ما دفع أسعار خام برنت اليوم، 9 ‏أيلول، إلى تجاوز مستوى 100 دولار للبرميل للمرة الأولى منذ تموز، وسط ‏مخاوف من استمرار اضطراب الإمدادات.‏

ولا تقتصر تداعيات الأزمة على الكميات التي تمر عبر المضيق، إذ يؤدي ‏ارتفاع المخاطر الأمنية إلى زيادة كلفة الشحن والتأمين، ويدفع بعض الناقلات ‏إلى تغيير مساراتها أو الانتظار، بينما تحاول دول الخليج استخدام طرق ‏تصدير بديلة لتقليل الاعتماد على هرمز.‏ وتؤكد وكالة الطاقة الدولية أن تدفقات النفط عبر الخليج ارتفعت في حزيران ‏مع تحسن حركة الملاحة، لكنها بقيت دون مستويات ما قبل الحرب.‏


سيناريو الـ 150 دولاراً..

مخاوف من قفزة قياسية في بداية الحرب، تجاوزت مخاوف الأسواق احتمال تسجيل ارتفاع محدود في ‏أسعار النفط، إذ حذرت تقديرات وتحليلات اقتصادية من إمكانية وصول سعر ‏برميل برنت إلى نحو 150 دولاراً، بينما ذهبت بعض السيناريوهات إلى 200 ‏دولار، في حال استمرار تعطل تدفقات النفط عبر مضيق هرمز، واتساع ‏الأضرار التي تطول منشآت الطاقة.‏ ورغم بلوغ الأسعار مستويات قياسية لاحقاً، أسهمت عوامل عدة، بينها زيادة ‏الإنتاج الأمريكي والسحب من الاحتياطيات الاستراتيجية وتراجع الطلب ‏الصيني، في الحد من وصولها إلى تلك المستويات القصوى.‏

حربان.. وضغط واحد على المصافي


في البحر الأسود،تضيف الحرب الروسية- الأوكرانية طبقة أخرى من ‏المخاطر إلى أسواق الطاقة، مع استهداف منشآت ومصافي نفط روسية ‏وتعطل جزء من طاقات التكرير، إلى جانب المخاطر التي تواجه السفن في ‏المنطقة.‏ وتكشف تداعيات الحربين حجم الضغط الذي تتعرض له سوق المشتقات ‏النفطية، إذ أدى تضرر المصافي في روسيا والشرق الأوسط إلى فقدان نحو 4 ‏ملايين برميل يومياً من إمدادات الديزل من المنطقتين، وفق تصريحات ‏لمسؤولي قطاع النفط نقلتها “رويترز”.

‏ كما تراجع إنتاج البنزين في روسيا بنهاية آب إلى نحو 70 بالمئة من مستوى ‏الاستهلاك المحلي، نتيجة الهجمات التي طالت المصافي، ما أدى إلى نقص ‏الوقود وظهور طوابير أمام محطات التعبئة في مناطق عدة.‏ وانعكس شح المعروض على هوامش التكرير، إذ قفز هامش تكرير الديزل ‏إلى 108.02 دولارات للبرميل، في مؤشر إلى اشتداد الضغوط التي تواجه ‏سوق المشتقات عالمياً.

‏ وامتدت هذه الضغوط إلى مناطق أخرى، مع تراجع طاقات التكرير عالمياً، بينما حققت المصافي الأوروبية هوامش مرتفعة على البنزين والديزل نتيجة ‏شح المعروض.‏ وبلغ هامش ربح تكرير البنزين في أوروبا مطلع أيلول أكثر من 62 دولاراً ‏للبرميل، مقترباً من المستوى القياسي المسجل عام 2022، بينما تجاوز هامش ‏الديزل 78 دولاراً.‏

من بحر قزوين إلى البحر الأسود

ولا تنحصر مخاطر الطاقة في مناطق الحرب المباشرة، إذ يمثّل بحر قزوين ‏جزءاً من شبكة أوسع لنقل النفط والمنتجات عبر خطوط وأنابيب وموانئ ‏ترتبط بالأسواق الأوروبية والآسيوية، ما يجعل أي اضطراب في النقل أو ‏البنية التحتية مؤثراً في كلفة وصول الإمدادات إلى الأسواق.‏ وتتضاعف أهمية هذه الممرات عندما تتزامن الاضطرابات في أكثر من ‏منطقة، إذ يضطر المشترون والمصافي إلى البحث عن شحنات ومسارات ‏بديلة، ما يرفع كلفة النقل ويزيد المنافسة على الإمدادات المتاحة.‏

القرصنة تعيد كلفة الملاحة إلى الواجهة

وفي مسار آخر من طرق التجارة العالمية، عادت القرصنة قبالة سواحل ‏الصومال وخليج عدن إلى الواجهة خلال عام 2026، مضيفة مخاطر جديدة ‏إلى حركة الناقلات والسفن التجارية.‏

وسجلت المنظمة البحرية الدولية خلال الأشهر الثلاثة الأولى من عام 2024 ‏حادثة قرصنة أو سرقة مسلحة في البحر الأحمر وخليج عدن، بينما تحدثت ‏المنظمة في آب عن احتجاز أكثر من 90 بحاراً على متن سفن استولى عليها ‏قراصنة،

كما أشارت بيانات الملاحة إلى تصاعد الهجمات منذ نيسان.‏ وتنعكس هذه المخاطر على أسعار الوقود بصورة غير مباشرة عبر زيادة كلفة ‏التأمين والحماية وإطالة الرحلات عند تغيير المسارات، ما يعني أن جزءاً من ‏ارتفاع السعر النهائي للمنتج النفطي قد يأتي من كلفة نقله وتأمينه، إلى جانب ‏سعر الخام.‏

لماذا يرتفع المازوت والبنزين أسرع؟

تكشف التطورات الحالية أن أزمة سوق الوقود العالمية تتجاوز نقص النفط ‏الخام إلى تراجع القدرة على تحويله إلى منتجات جاهزة للاستهلاك.‏

فحسب وكالة الطاقة الدولية، بقيت عمليات التكرير العالمية في حزيران أقل ‏بنحو 6 ملايين برميل يومياً على أساس سنوي، نتيجة تراجع نشاط المصافي ‏في مناطق عدة، بينما سجلت هوامش المنتجات النفطية مستويات مرتفعة.‏ كما حذرت تقارير “بلومبرغ”، اليوم الأربعاء، من أن أزمة الديزل في قطاع ‏التكرير العالمي قد تؤدي إلى شح الإمدادات خلال الأشهر المقبلة، ما يبقي ‏الأسعار مرتفعة ويفرض ضغوطاً على الطلب.‏

وتبرز هنا إحدى النقاط الأساسية في تسعير الوقود، إذ لا ينتقل ارتفاع سعر ‏النفط الخام بالنسبة نفسها إلى أسعار البنزين والمازوت، لأن السعر النهائي ‏يتأثر أيضاً بكلفة التكرير والنقل والتأمين وحجم المخزونات والضرائب وآليات ‏التسعير المحلية.‏

العالم يدفع فاتورة اضطراب الطاقة

وتقدم الأسواق نماذج واضحة على انتقال هذه الضغوط إلى المستهلكين، إذ ‏رفعت لجنة أسعار الوقود في الإمارات أسعار البنزين لشهر أيلول بنسب ‏تراوحت بين 5.56 و5.87 بالمئة، وحددت سعر بنزين “سوبر 98″ عند ‌‏3.80 دراهم للتر، و”خاص 95” عند 3.69 دراهم، والديزل عند 4.30 ‏دراهم، ضمن آلية شهرية تتابع حركة أسعار الطاقة العالمية.‏ وفي بريطانيا، ارتفع متوسط سعر البنزين إلى نحو 166.2 بنساً للتر، والديزل ‏إلى 187.7 بنساً، وهي أعلى مستوياتها منذ أربع سنوات، بالتزامن مع ارتفاع ‏أسعار النفط والغاز وتصاعد المخاوف بشأن استمرار اضطرابات الإمداد.‏

أما في الولايات المتحدة، فسجل الديزل مستويات قياسية متجاوزاً 5.8 ‏دولارات للغالون، بينما بلغ متوسط سعر البنزين نحو 4.15 دولارات، وسط ‏تأثير مزدوج للحرب الأمريكية الإسرائيلية– الإيرانية والهجمات التي طالت ‏مصافي روسية.‏ وفي تركيا، بلغ متوسط سعر البنزين في إسطنبول في الـ 9 من أيلول نحو ‌‏75.9 ليرة للتر، مقابل نحو 87.7 ليرة للديزل، في انعكاس لتقلبات سوق ‏الطاقة العالمية وسعر الصرف وتكاليف الإمداد.‏

سوق واحدة.. وهوامش مختلفة

وتكشف تجارب الدول أن ارتفاع أسعار النفط والمشتقات عالمياً يجد طريقه ‏في النهاية إلى الأسواق المحلية، لكن بدرجات متفاوتة تبعاً لكلفة الاستيراد ‏وآليات التسعير وحجم الدعم الحكومي وقدرة كل دولة على امتصاص فروقات ‏الأسعار.

‏ ومع استمرار ارتفاع الخام وزيادة كلفة التكرير والنقل والتأمين، تصبح أسعار ‏البنزين والمازوت أكثر حساسية لأي اضطراب جديد في الإمدادات، ولاسيما ‏في الدول التي تعتمد بدرجة كبيرة على الاستيراد لتأمين احتياجاتها من الوقود.‏

وتزداد الضغوط عندما يتزامن ارتفاع سعر الخام مع شح المشتقات وارتفاع ‏هوامش التكرير، إذ تصبح المحافظة على الأسعار المحلية عند مستوياتها ‏السابقة أكثر كلفة على الحكومات والمستوردين، بينما تنتقل فروقات الكلفة ‏تدريجياً إلى السوق تبعاً لآلية التسعير المعتمدة في كل دولة.‏ وبذلك، فإن الاضطراب الذي يبدأ في أحد ممرات الطاقة أو أسواق الخام ينتقل ‏عبر سلسلة مترابطة من تكاليف التكرير والنقل والتأمين والاستيراد، وصولاً ‏إلى سعر لتر الوقود في السوق المحلية.‏






اكتب تعليق

كل الحقول التي عليها علامة (*) مطلوبة