دليل ماسة
أكثر الروابط استخداما
لم يعد سعر الوقود في الأسواق العالمية مرتبطاً بحركة برميل النفط الخام وحدها، إذ فرضت الحرب الأمريكية الإسرائيلية– الإيرانية، وما رافقها من استهداف ناقلات نفط في مضيق هرمز واضطراب الملاحة في باب المندب، إلى جانب الأضرار التي لحقت بمنشآت ومصاف نفطية في المنطقة، واقعاً جديداً على خريطة مخاطر إمدادات الطاقة، ورفعت كلفة نقلها وتأمينها.
وتتداخل هذه التطورات مع تداعيات الحرب الروسية- الأوكرانية، وما أصاب منشآت التكرير والنقل، لتضع أسواق المشتقات النفطية أمام ضغوط متعددة المصادر، تنتقل آثارها من مناطق الصراع والممرات البحرية إلى أسعار البنزين والمازوت في الأسواق العالمية.
وتظهر التطورات الأخيرة، وفق تقارير وكالة الطاقة الدولية و”بلومبرغ”، أن أسواق المشتقات النفطية، ولاسيما البنزين والمازوت، تواجه في بعض الأحيان ضغوطاً أشد من سوق الخام، نتيجة تراجع طاقات التكرير، وتقلص المخزونات وارتفاع كلفة النقل والتأمين، ما يجعل أي اضطراب في مناطق الإنتاج أو طرق الإمداد قابلاً للانتقال سريعاً إلى أسعار الوقود للمستهلكين.
هرمز.. ممر حيوي تحت الاختبار
يتصدر مضيق هرمز حالياً مصادر الضغط على سوق الطاقة العالمية، مع تراجع حركة السفن في الممر الذي كان يعبره قبل الحرب نحو 125 سفينة تجارية يومياً، بينما سجلت بيانات شركة “كبلر” مرور ست سفن للسلع فقط أمس الثلاثاء، مقابل متوسط لعشرة أيام بلغ 12 سفينة. وتكتسب اضطرابات المضيق أهمية مباشرة لسوق الطاقة العالمية، كونه ممراً رئيساً لصادرات النفط والغاز من دول الخليج. وتزامن ذلك مع تصاعد الحرب في المنطقة، وفرض حصار على صادرات النفط الإيرانية، واستهداف ناقلات نفط، ما دفع أسعار خام برنت اليوم، 9 أيلول، إلى تجاوز مستوى 100 دولار للبرميل للمرة الأولى منذ تموز، وسط مخاوف من استمرار اضطراب الإمدادات.
ولا تقتصر تداعيات الأزمة على الكميات التي تمر عبر المضيق، إذ يؤدي ارتفاع المخاطر الأمنية إلى زيادة كلفة الشحن والتأمين، ويدفع بعض الناقلات إلى تغيير مساراتها أو الانتظار، بينما تحاول دول الخليج استخدام طرق تصدير بديلة لتقليل الاعتماد على هرمز. وتؤكد وكالة الطاقة الدولية أن تدفقات النفط عبر الخليج ارتفعت في حزيران مع تحسن حركة الملاحة، لكنها بقيت دون مستويات ما قبل الحرب.
سيناريو الـ 150 دولاراً..
مخاوف من قفزة قياسية في بداية الحرب، تجاوزت مخاوف الأسواق احتمال تسجيل ارتفاع محدود في أسعار النفط، إذ حذرت تقديرات وتحليلات اقتصادية من إمكانية وصول سعر برميل برنت إلى نحو 150 دولاراً، بينما ذهبت بعض السيناريوهات إلى 200 دولار، في حال استمرار تعطل تدفقات النفط عبر مضيق هرمز، واتساع الأضرار التي تطول منشآت الطاقة. ورغم بلوغ الأسعار مستويات قياسية لاحقاً، أسهمت عوامل عدة، بينها زيادة الإنتاج الأمريكي والسحب من الاحتياطيات الاستراتيجية وتراجع الطلب الصيني، في الحد من وصولها إلى تلك المستويات القصوى.
حربان.. وضغط واحد على المصافي
في البحر الأسود،تضيف الحرب الروسية- الأوكرانية طبقة أخرى من المخاطر
إلى أسواق الطاقة، مع استهداف منشآت ومصافي نفط روسية وتعطل جزء من طاقات
التكرير، إلى جانب المخاطر التي تواجه السفن في المنطقة.
وتكشف تداعيات الحربين حجم الضغط الذي تتعرض له سوق المشتقات النفطية،
إذ أدى تضرر المصافي في روسيا والشرق الأوسط إلى فقدان نحو 4 ملايين برميل
يومياً من إمدادات الديزل من المنطقتين، وفق تصريحات لمسؤولي قطاع النفط
نقلتها “رويترز”.
كما تراجع إنتاج البنزين في روسيا بنهاية آب إلى نحو 70 بالمئة من مستوى الاستهلاك المحلي، نتيجة الهجمات التي طالت المصافي، ما أدى إلى نقص الوقود وظهور طوابير أمام محطات التعبئة في مناطق عدة. وانعكس شح المعروض على هوامش التكرير، إذ قفز هامش تكرير الديزل إلى 108.02 دولارات للبرميل، في مؤشر إلى اشتداد الضغوط التي تواجه سوق المشتقات عالمياً.
وامتدت هذه الضغوط إلى مناطق أخرى، مع تراجع طاقات التكرير عالمياً، بينما حققت المصافي الأوروبية هوامش مرتفعة على البنزين والديزل نتيجة شح المعروض. وبلغ هامش ربح تكرير البنزين في أوروبا مطلع أيلول أكثر من 62 دولاراً للبرميل، مقترباً من المستوى القياسي المسجل عام 2022، بينما تجاوز هامش الديزل 78 دولاراً.
من بحر قزوين إلى البحر الأسود
ولا تنحصر مخاطر الطاقة في مناطق الحرب المباشرة، إذ يمثّل بحر قزوين جزءاً من شبكة أوسع لنقل النفط والمنتجات عبر خطوط وأنابيب وموانئ ترتبط بالأسواق الأوروبية والآسيوية، ما يجعل أي اضطراب في النقل أو البنية التحتية مؤثراً في كلفة وصول الإمدادات إلى الأسواق. وتتضاعف أهمية هذه الممرات عندما تتزامن الاضطرابات في أكثر من منطقة، إذ يضطر المشترون والمصافي إلى البحث عن شحنات ومسارات بديلة، ما يرفع كلفة النقل ويزيد المنافسة على الإمدادات المتاحة.
القرصنة تعيد كلفة الملاحة إلى الواجهة
وفي مسار آخر من طرق التجارة العالمية، عادت القرصنة قبالة سواحل الصومال وخليج عدن إلى الواجهة خلال عام 2026، مضيفة مخاطر جديدة إلى حركة الناقلات والسفن التجارية.
وسجلت المنظمة البحرية الدولية خلال الأشهر الثلاثة الأولى من عام 2024 حادثة قرصنة أو سرقة مسلحة في البحر الأحمر وخليج عدن، بينما تحدثت المنظمة في آب عن احتجاز أكثر من 90 بحاراً على متن سفن استولى عليها قراصنة،
كما أشارت بيانات الملاحة إلى تصاعد الهجمات منذ نيسان. وتنعكس هذه المخاطر على أسعار الوقود بصورة غير مباشرة عبر زيادة كلفة التأمين والحماية وإطالة الرحلات عند تغيير المسارات، ما يعني أن جزءاً من ارتفاع السعر النهائي للمنتج النفطي قد يأتي من كلفة نقله وتأمينه، إلى جانب سعر الخام.
لماذا يرتفع المازوت والبنزين أسرع؟
تكشف التطورات الحالية أن أزمة سوق الوقود العالمية تتجاوز نقص النفط الخام إلى تراجع القدرة على تحويله إلى منتجات جاهزة للاستهلاك.
فحسب وكالة الطاقة الدولية، بقيت عمليات التكرير العالمية في حزيران أقل بنحو 6 ملايين برميل يومياً على أساس سنوي، نتيجة تراجع نشاط المصافي في مناطق عدة، بينما سجلت هوامش المنتجات النفطية مستويات مرتفعة. كما حذرت تقارير “بلومبرغ”، اليوم الأربعاء، من أن أزمة الديزل في قطاع التكرير العالمي قد تؤدي إلى شح الإمدادات خلال الأشهر المقبلة، ما يبقي الأسعار مرتفعة ويفرض ضغوطاً على الطلب.
وتبرز هنا إحدى النقاط الأساسية في تسعير الوقود، إذ لا ينتقل ارتفاع سعر النفط الخام بالنسبة نفسها إلى أسعار البنزين والمازوت، لأن السعر النهائي يتأثر أيضاً بكلفة التكرير والنقل والتأمين وحجم المخزونات والضرائب وآليات التسعير المحلية.
العالم يدفع فاتورة اضطراب الطاقة
وتقدم الأسواق نماذج واضحة على انتقال هذه الضغوط إلى المستهلكين، إذ رفعت لجنة أسعار الوقود في الإمارات أسعار البنزين لشهر أيلول بنسب تراوحت بين 5.56 و5.87 بالمئة، وحددت سعر بنزين “سوبر 98″ عند 3.80 دراهم للتر، و”خاص 95” عند 3.69 دراهم، والديزل عند 4.30 دراهم، ضمن آلية شهرية تتابع حركة أسعار الطاقة العالمية. وفي بريطانيا، ارتفع متوسط سعر البنزين إلى نحو 166.2 بنساً للتر، والديزل إلى 187.7 بنساً، وهي أعلى مستوياتها منذ أربع سنوات، بالتزامن مع ارتفاع أسعار النفط والغاز وتصاعد المخاوف بشأن استمرار اضطرابات الإمداد.
أما في الولايات المتحدة، فسجل الديزل مستويات قياسية متجاوزاً 5.8 دولارات للغالون، بينما بلغ متوسط سعر البنزين نحو 4.15 دولارات، وسط تأثير مزدوج للحرب الأمريكية الإسرائيلية– الإيرانية والهجمات التي طالت مصافي روسية. وفي تركيا، بلغ متوسط سعر البنزين في إسطنبول في الـ 9 من أيلول نحو 75.9 ليرة للتر، مقابل نحو 87.7 ليرة للديزل، في انعكاس لتقلبات سوق الطاقة العالمية وسعر الصرف وتكاليف الإمداد.
سوق واحدة.. وهوامش مختلفة
وتكشف تجارب الدول أن ارتفاع أسعار النفط والمشتقات عالمياً يجد طريقه في النهاية إلى الأسواق المحلية، لكن بدرجات متفاوتة تبعاً لكلفة الاستيراد وآليات التسعير وحجم الدعم الحكومي وقدرة كل دولة على امتصاص فروقات الأسعار.
ومع استمرار ارتفاع الخام وزيادة كلفة التكرير والنقل والتأمين، تصبح أسعار البنزين والمازوت أكثر حساسية لأي اضطراب جديد في الإمدادات، ولاسيما في الدول التي تعتمد بدرجة كبيرة على الاستيراد لتأمين احتياجاتها من الوقود.
وتزداد الضغوط عندما يتزامن ارتفاع سعر الخام مع شح المشتقات وارتفاع هوامش التكرير، إذ تصبح المحافظة على الأسعار المحلية عند مستوياتها السابقة أكثر كلفة على الحكومات والمستوردين، بينما تنتقل فروقات الكلفة تدريجياً إلى السوق تبعاً لآلية التسعير المعتمدة في كل دولة. وبذلك، فإن الاضطراب الذي يبدأ في أحد ممرات الطاقة أو أسواق الخام ينتقل عبر سلسلة مترابطة من تكاليف التكرير والنقل والتأمين والاستيراد، وصولاً إلى سعر لتر الوقود في السوق المحلية.
اكتب تعليق
كل الحقول التي عليها علامة (*) مطلوبة