دليل ماسة
أكثر الروابط استخداما
تصل الألياف الضوئية إلى عتبة المبنى بسرعات إنترنت عالية، لتتبخر داخل الجدران والممرات القديمة.. مشكلة تسعى وزارة الاتصالات
وتقانة المعلومات إلى حلها عبر مسودة ”الكود السوري للاتصالات في
المباني” المطروحة للمشاورة العامة، بوصفها أول تنظيم يجعل الاتصالات
شرطاً لرخصة البناء في سوريا.
من الخدمة الإضافية إلى البنية الأساسية
وتطرح وزارة الاتصالات وتقانة المعلومات مسودة “الكود السوري للاتصالات
في البناء”، الإصدار 1.2 لعام 2026، بهدف إدماج البنية التحتية للاتصالات
في التصميم الهندسي ومتطلبات رخص البناء، بدلاً من التعامل معها كخدمة
تضاف إلى المبنى بعد إنجازه.
وتحدد المسودة متطلبات نقاط دخول المباني وغرف الاتصالات الرئيسية
والطابقية، وتنظيم المسارات الرأسية والأفقية ومنافذ الاتصالات داخل
الوحدات، واعتماد الألياف الضوئية أساساً للبنية الاتصالية في المباني
الجديدة، إضافة إلى جاهزية المباني لخدمات الجيل الخامس والتغطية الخلوية
الداخلية.
كما تحدد مسؤوليات المالك والمطور والمصمم والمنفذ ومزودي الخدمة، وتربط
متطلبات البنية الاتصالية بإجراءات الترخيص والاستلام وشهادات الإشغال،
بما يجعل الاتصالات جزءاً من دورة البناء منذ مرحلة التصميم حتى التشغيل.
ويؤكد وزير الاتصالات وتقانة المعلومات عبد السلام هيكل، أن الكود يضمن مواكبة الأبنية للسرعات والسعات العالية، ويفتح مجالاً واسعاً للعمل والاستثمار والخدمات في هذا المجال.
اختصاصات جديدة داخل ضابطة البناء
يؤكد نقيب المهندسين السوريين مالك حاج علي، أن إدخال متطلبات الاتصالات
ضمن ضابطة البناء يجب أن يتم في إطار منظومة هندسية متكاملة تحفظ
اختصاصات المهن المختلفة، وتحدد المسؤوليات بصورة واضحة.
ويشير إلى تشكيل لجنة استشارية متخصصة لبحث تنظيم اختصاصات هندسة
المعلوماتية والاتصالات والشبكات وأمن المعلومات والذكاء الاصطناعي،
وتحديد مسؤولياتها وإدراج متطلباتها ضمن الأكواد والشروط الهندسية ذات
الصلة، بالتنسيق مع الجهات الحكومية والخاصة المعنية.
ويربط حاج علي نجاح التطبيق بوضوح المعايير والمسؤوليات والتأهيل الفني
للمكاتب الهندسية، لتكون قادرة على إعداد المخططات والمواصفات وتنفيذها
وفحصها واستلامها وفق متطلبات قابلة للقياس، مؤكداً أن المطلوب هو الوصول
إلى معايير أداء وطنية واضحة، لا مجرد إضافة بنود جديدة إلى المخططات.
البنية الداخلية.. الحلقة التي تحدد جودة الاتصال
ويقول عميد كلية المعلوماتية في جامعة إدلب الدكتور مصعب شبيب لـ سانا:
إن جودة الاتصال لا تعتمد على الشبكة الخارجية وحدها، إذ يمكن أن تصل
سعات كبيرة إلى المبنى، بينما تحد التمديدات الداخلية القديمة أو نقاط
التوزيع العشوائية من الاستفادة الفعلية منها.
ويوضح أن المطلوب يتجاوز تخصيص مسارات للكابلات إلى إنشاء بنية اتصالات
داخلية منظمة وقابلة للتوسع، تتضمن مسارات مخصصة للألياف الضوئية ونقاط
توزيع مدروسة، مع فصلها عن مصادر التشويش الكهرومغناطيسي، وإتاحة صيانتها
وتحديثها دون أعمال إنشائية كبيرة.
ويلفت إلى أن هذه المتطلبات تختلف باختلاف طبيعة المنشآت السكنية
والتجارية والإدارية والصحية والتعليمية، واحتياجات كل منها من السعات
والاعتمادية واستمرارية الخدمة.
كلفة التأسيس مقابل كفاءة التشغيل
ويرتب تطبيق الكود كلفة تأسيسية إضافية، إلا أن نقيب المهندسين يرى أن
تقييمها ينبغي أن يتم على أساس دورة حياة المنشأة، بما يشمل خفض كلفة
التعديلات وإعادة التنفيذ والصيانة، وتحسين الاعتمادية وقابلية التوسع، مع
مراعاة واقع قطاع البناء ومتطلبات إعادة الإعمار.
ويشدد حاج علي على ضرورة اعتماد التدرج في التطبيق والمرونة في الحلول
وتناسب المتطلبات مع طبيعة كل مشروع، إلى جانب وضع معايير قابلة للفحص
والاستلام وتوفير أدلة تطبيق وتأهيل مستمر للكوادر، بما يحول دون تحول
الكود إلى عبء تنظيمي على قطاع البناء.
ماذا عن الأبنية القائمة؟
وتمثل الأبنية القائمة تحدياً مختلفاً، إذ يؤكد حاج علي أنه لا يمكن
إخضاعها للمعايير ذاتها المطبقة على المنشآت الجديدة، داعياً إلى تقييم
هندسي لكل حالة يحدد الإمكانات الفعلية ومسارات التنفيذ المناسبة، مع
استخدام البنية القائمة عندما تكون صالحة واعتماد حلول بديلة عند تعذر
التطبيق الكامل وفق الحالة الفنية والكلفة والجدوى.
ويلفت إلى أن هذه المرونة تكتسب أهمية خاصة في مشاريع إعادة التأهيل
والإعمار للمنشآت العامة والخاصة، إذ تتيح تحسين البنية الاتصالية
تدريجياً دون فرض متطلبات يتعذر تنفيذها في مبانٍ أنشئت أساساً من دون
تجهيزات رقمية حديثة.
بنية رقمية لعقود مقبلة
ولا تتوقف مسودة الكود عند احتياجات الشبكات الحالية، إذ تجعل قابلية
التوسع والتحديث جزءاً من البنية المقترحة، في وقت تتغير فيه تقنيات
الاتصالات ومتطلبات استخدامها بوتيرة متسارعة.
ويشير عميد كلية المعلوماتية في جامعة إدلب إلى أهمية أن تكون البنية
الداخلية للمباني قادرة على استيعاب التطورات مثل مد الألياف الضوئية إلى
المنازل، وإنترنت الأشياء، وأنظمة المباني الذكية والحوسبة الطرفية،
والشبكات المحلية عالية السرعة، مع مراعاة اختلاف طبيعة الأبنية
واحتياجاتها.
ويبين أنه مع تطور متطلبات شبكات الجيل الخامس، تزداد الحاجة إلى شبكات
نقل خلفية عالية السعة، تشكل الألياف الضوئية أحد أهم مكوناتها، ما يجعل
تهيئة المبنى داخلياً عاملاً أساسياً للاستفادة من تطور الشبكات
الخارجية.
ويعتبر شبيب أن قيمة الكود تتجاوز تحسين سرعة الإنترنت، لأنه يمكن أن
يشكل قاعدة هندسية للبنية الرقمية السورية المقبلة، ولا سيما في مرحلة
إعادة تأهيل المدن والمنشآت، بحيث يجري تأسيس البيئة الرقمية بالتوازي مع
إعادة بناء البيئة العمرانية.
من المشاورة إلى الاعتماد
وأعلنت وزارة الاتصالات وتقانة المعلومات أنها تستقبل ملاحظات الجهات
العامة والخاصة والخبراء والمواطنين على مسودة الكود حتى نهاية دوام يوم
31 آب 2026، مشيرة إلى أن الملاحظات والمقترحات الواردة ستدرس وتُصنف من
النواحي الفنية والتنظيمية والقانونية، بالتنسيق مع الجهات المختصة،
تمهيداً لإعداد الصيغة النهائية للمشروع واعتمادها وفق الأصول، مع التأكيد
أن طرح المسودة للمشاورة لا يمثل اعتماداً نهائياً ولا يرتب التزامات
نافذة قبل صدورها.
بينما يرى نقيب المهندسين أن مخرجات اللجنة الاستشارية ينبغي أن تمثل
محطة تمهّد لحوار وطني أوسع، من خلال طرحها ضمن مؤتمر شامل يضم الوزارات
والجهات العامة والخاصة والجامعات والمكاتب الهندسية والمنظمات
والجمعيات والخبرات الهندسية والفنية ذات الصلة، لمناقشة المعايير
المقترحة ومعالجة الملاحظات، وصولاً إلى صيغة توافقية لكود هندسي وطني
يراعي احتياجات مرحلة إعادة البناء والتطوير وإمكانات التطبيق، ويكون
مرجعاً واضحاً للقطاعين العام والخاص، قابلاً للتحديث مع تطور الاحتياجات
والتقنيات.
المصدر :
سانا
اكتب تعليق
كل الحقول التي عليها علامة (*) مطلوبة