#
  • فريق ماسة
  • 2026-08-09
  • 1069

سوريا وروسيا بعد التحرير.. لقاءات بارزة ونقاط حاسمة أعادت رسم العلاقات

تشكّل مذكرة التفاهم بين سوريا وروسيا، بشأن إعادة تنظيم الوجود الروسي في الساحل السوري، محطة جديدة في مسار ‌‏العلاقات بين البلدين، إذ جاءت بعد نحو عام ونصف من المفاوضات والمباحثات المكثفة، وركزت على إعادة صياغة ‌‏العلاقات الثنائية، بما ينسجم مع المرحلة الجديدة التي تعيشها سوريا، ويكرس احترام سيادتها ومصالحها الوطنية.‏‏ ‏وبموجب المذكرة التي أعلن التوصل إليها اليوم الأحد، تبدأ عملية إعادة تنظيم الوجود الروسي في الساحل السوري، على أن ‌‏تتولى الدولة السورية إدارة المنشآت ذات الطابع المدني، وفي مقدمتها مطار حميميم والرصيف التجاري الرابع في ميناء ‌‏طرطوس، بما يتيح إدخالهما تدريجياً ضمن منظومة الإدارة المدنية.

‏‏ ‏وتأتي هذه الخطوة تتويجاً لمسار من الاتصالات والمباحثات بدأ عقب تحرير سوريا من النظام البائد، وانطلق من ضرورة ‌‏إعادة تعريف طبيعة العلاقات مع مختلف الدول على أساس احترام السيادة الوطنية والمصالح المشتركة، ومن بينها العلاقات ‌‏مع روسيا التي ارتبطت خلال عهد النظام البائد باتفاقيات وترتيبات أثارت تساؤلات واسعة بشأن طبيعتها ومدى مراعاتها ‌‏للمصلحة الوطنية السورية.‏

مسار متدرج لإعادة بناء العلاقات

وبدأت ملامح المسار الجديد في العلاقات السورية – الروسية مع استقبال الرئيس أحمد الشرع في الـ29 من كانون الثاني ‌‏‌‏2025 وفداً روسياً برئاسة ميخائيل بوغدانوف، المبعوث الخاص للرئيس الروسي إلى الشرق الأوسط.‏‏

‏وأكد الرئيس الشرع خلال اللقاء أن استعادة العلاقات مع روسيا يجب أن تعالج أخطاء الماضي، وتحترم إرادة الشعب ‌‏السوري وتخدم مصالحه، مشدداً على أن سوريا ستتعامل مع جميع أصحاب المصلحة بطريقة مبدئية لبناء مستقبل يقوم على ‌‏العدالة والكرامة والسيادة.‏‏وأكد الجانب الروسي دعمه للتغييرات الإيجابية الجارية في سوريا، وسلط الحوار الضوء على دور روسيا في إعادة بناء الثقة مع الشعب السوري من خلال تدابير ملموسة مثل التعويضات وإعادة الإعمار والتعافي.‏

‏وفي الـ12 من شباط 2025، تلقى الرئيس الشرع اتصالاً هاتفياً من الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، أكد خلاله دعم بلاده ‌‏لوحدة الأراضي السورية وسيادتها واستقرارها، وأبدى استعداد موسكو لإعادة النظر في الاتفاقيات التي أبرمتها روسيا مع ‌‏النظام البائد.

‏وفي الـ31 من تموز 2025، شكلت زيارة وزير الخارجية والمغتربين أسعد حسن الشيباني إلى موسكو محطة مهمة في هذا ‌‏المسار، وأكد اللقاء التاريخي الذي عقده مع الرئيس فلاديمير بوتين انطلاق مرحلة جديدة من التفاهم السياسي والعسكري بين ‌‏البلدين، تقوم على احترام السيادة السورية ودعم وحدة الأراضي السورية.‏‏ ‏

وشدد الرئيس بوتين على رفض روسيا القاطع لأي تدخلات إسرائيلية أو محاولات لتقسيم سوريا، مؤكداً التزام موسكو بدعم ‌‏سوريا في إعادة الإعمار واستعادة الاستقرار.

‏‏ ‏وتجدد الموقف ذاته خلال لقاء الشيباني مع نظيره الروسي سيرغي لافروف، الذي أكد دعم بلاده للحفاظ على وحدة سوريا ‌‏وسيادتها وسلامة أراضيها، واستعداد موسكو لتقديم الدعم الممكن لجهود التعافي الاقتصادي وإعادة الإعمار.‏‏

‏وفي التاسع من أيلول 2025، استقبل الرئيس الشرع وفداً روسياً رفيع المستوى برئاسة نائب رئيس الوزراء ألكسندر نوفاك، ‌‏وبحث الجانبان سبل تطوير العلاقات والتعاون في مختلف المجالات.

‏وخلال لقائه الوفد الروسي، بين الشيباني أن العلاقات السورية – الروسية مرت بمحطات متعددة من الصداقة والتعاون، لكنها ‌‏شهدت في بعض المراحل افتقاداً للتوازن، مشدداً على أن تحرير سوريا أتاح فتح صفحة جديدة مبنية على الاحترام المتبادل، ‌‏وأن أي وجود أجنبي على الأراضي السورية يجب أن تكون غايته مساعدة الشعب السوري على بناء مستقبله.‏

إعادة تعريف طبيعة الوجود الروسي

وقبيل زيارة الرئيس الشرع إلى موسكو منتصف تشرين الأول 2025، أكد وزير الخارجية الروسي أن الرئيس بوتين أعلن ‌‏مراراً أن روسيا لن تبقى في سوريا في حال رفضت القيادة السورية ذلك، كما طرح إمكانية أن تكون إحدى مهام الوجود ‌‏الروسي إنشاء مركز إنساني يستخدم الميناء والمطار لتوصيل المساعدات الإنسانية.

‏‏ ‏وفي الـ 15 من تشرين الأول، أجرى الرئيس الشرع زيارته الأولى إلى موسكو، والتقى الرئيس بوتين في قصر الكرملين، ‌‏حيث بحث الجانبان العلاقات الثنائية، وسبل تعزيز التعاون الاستراتيجي في مختلف المجالات.‏‏ ‏

وأكد الرئيس الشرع أن سوريا تمر بمرحلة جديدة تسعى من خلالها إلى إعادة بناء علاقاتها السياسية والاستراتيجية مع الدول ‌‏الإقليمية والدولية، وفي مقدمتها روسيا، مشيراً إلى احترام الاتفاقيات السابقة والعمل على إعادة تعريف طبيعة العلاقات، بما ‌‏يضمن استقلال القرار السوري والسيادة الوطنية.‏

بدوره، أوضح الرئيس بوتين أن العلاقات السورية – الروسية تمتد لأكثر من 80 عاماً، مشدداً على أهميتها، وضرورة ‏استئناف ‏أعمال اللجنة الحكومية المشتركة وتعزيز التعاون الاقتصادي بين البلدين.‏‏ ‏

وتواصلت المباحثات خلال الأشهر التالية، إذ زار الوزير الشيباني موسكو في الـ 24 من كانون الأول 2025، وبحث مع ‌‏لافروف سبل دعم التعافي في سوريا وإعادة الإعمار وعودة الاستقرار، إلى جانب التأكيد على أهمية الحفاظ على وحدة ‌‏سوريا وسيادتها وسلامة أراضيها.‏‏ ‏وفي الـ 28 من كانون الثاني 2026، أجرى الرئيس الشرع زيارته الثانية إلى موسكو، وعقد اجتماعاً موسعاً مع الرئيس ‌‏بوتين بحضور عدد من كبار المسؤولين من الجانبين

.‏‏ ‏وأكد الرئيس الشرع أهمية الدور الروسي في دعم وحدة سوريا واستقرارها، مشيراً إلى أن سوريا تجاوزت خلال العام ‌‏الماضي تحديات كبرى، كان آخرها توحيد أراضيها، ومعرباً عن الأمل بالانتقال إلى مرحلة الاستقرار والسلام.‏‏ ‏من جهته، شدد بوتين على أهمية تنمية العلاقات الثنائية في مختلف المجالات، ولا سيما الاقتصادية، لافتاً إلى التطور ‌‏المتواصل في العلاقات بين البلدين، ومعتبراً عودة مناطق شرق الفرات إلى سلطة الدولة السورية خطوة مهمة في تعزيز ‌‏وحدة الأراضي السورية.‏


تفاهمات حول التعاون والوجود العسكري

وفي الرابع من شباط 2026، زار وفد روسي رفيع المستوى دمشق، ضم وزير الإسكان إريك فايزولين، ومستشار الرئيس ‌‏الروسي إيغور ليفيتين، ونائب وزير الدفاع الجنرال يونس بك يفكيروف.‏‏

‏وبحث الوفد مع وزيري الخارجية والمغتربين أسعد حسن الشيباني والدفاع اللواء مرهف أبو قصرة الوجود العسكري ‌‏الروسي وآفاق التعاون العسكري بين البلدين، في إطار التنسيق القائم وبما يخدم المصالح المشتركة، إلى جانب سبل تعزيز ‌‏التعاون الاقتصادي والتنموي.‏‏ ‏

وجاءت هذه اللقاءات والمباحثات المتتالية في إطار مسار تدريجي لإعادة تنظيم العلاقة السورية – الروسية، بما يتناسب مع ‌‏المرحلة الجديدة في سوريا، ويضع القضايا ذات الصلة بالوجود الروسي ضمن إطار تفاهمات واضحة بين الحكومتين.‏

مرحلة جديدة من العلاقات

تندرج مذكرة التفاهم السورية ـ الروسية التي أعلن عنها اليوم في إطار توجه سوريا إلى إعادة بناء علاقاتها الخارجية على ‌‏أساس السيادة الوطنية والاحترام المتبادل والمصالح المشتركة، بعيداً عن سياسة المحاور التي حكمت علاقات النظام البائد ‌‏مع القوى الدولية وأضعفت موقع سوريا وأثقلت علاقاتها الدولية.‏‏

‏ومن هذا المنظور، لا تمثل مذكرة التفاهم مجرد ترتيبات تتصل بالوجود الروسي في الساحل السوري، وإنما تعكس تحولاً ‌‏في طبيعة العلاقة بين دمشق وموسكو، من علاقة ارتبطت لسنوات بظروف سياسية وعسكرية فرضها النظام البائد، إلى ‌‏علاقة تسعى سوريا إلى تنظيمها، وفق قواعد جديدة تضع السيادة والمصلحة الوطنية في صدارة محدداتها.‏



المصدر : سانا


اكتب تعليق

كل الحقول التي عليها علامة (*) مطلوبة