دليل ماسة
أكثر الروابط استخداما
بعد أن خرج السوريون من حقبة مظلمة ودموية بإسقاط نظام الأسد في 8 كانون الأول/ ديسمبر 2024، فإنهم اليوم يرسمون خطى واثقة نحو بناء دولة الحرية والكرامة. فيما تتطلب هذه المرحلة مواجهة التحديات الكبيرة، المتمثلة بضعف مؤسسات الدولة وانهيار بعضها، والتدخلات الخارجية، والاعتداءات الإسرائيلية على الأراضي السورية.وسبق وأن أفاد رئيس حكومة تصريف الأعمال السورية، محمد البشير، فيما يتعلق بواقع الخدمات الأساسية في سوريا بعد سقوط النظام السابق بقوله: "لقد ورثنا بنية تحتية متهالكة وخدمات ضعيفة وإدارات مترهلة. تحسين الخدمات لتصل إلى المستوى الذي يطمح إليه الشعب السوري ويستحقه يحتاج إلى وقت".
رجة عن سيطرته. ولذلك، فإن إصلاح وضع محطات التوليد يحتاج إلى وقت من أجل زيادة عدد ساعات التغذية الكهربائية للمنازل خلال الفترة المقبلة".وأضاف: "تم وضع خطة لتزويد المحطات بكميات أكبر من الوقود، وإن شاء الله سيتم التوريد قريباً. ولكن هذه الخطوات ستخفف الأزمة جزئياً ولن تحلها بشكل كامل"، مؤكداً أن تحقيق كهرباء مستمرة لمدة 24 ساعة يتطلب إنشاء محطات توليد جديدة، وهو أمر يحتاج إلى وقت وخطط استراتيجية طويلة المدى.إلا أن المراقبون أشاروا الى أن التوريدات الأساسية لسوريا من النفط ومشتقاته قد إنقطعت بعد سقوط النظام، وعلى الحكومة الإستعجال بحل هذه المشكلة. حيث أفاد مدير مصفاة بانياس النفطية على الساحل السوري، إبراهيم مسلم، أن المصفاة علقت عملياتها بعد توقف استقبال شحنات النفط الخام من إيران، والذي كان يشكل الغالبية العظمى من واردات النفط إلى سوريا.وفي تصريحات لصحيفة "فاينانشال تايمز"، قال مسلم إن مصفاة بانياس، والتي تعتبر أكبر مصفاة نفط في البلاد وتعالج بين 90 و100 ألف برميل يومياً، أنتجت آخر دفعة من مادة البنزين، يوم الجمعة الماضي، بعد سقوط نظام الرئيس المخلوع، مشيراً إلى أن الحكومة السورية الجديدة أبلغته أنهم يتوقعون رفع العقوبات عن البلاد، مما يسمح باستيراد النفط من مصادر غير إيرانية.ونوّه المراقبون الى أن تركيا الحليف الأول للحكومة المؤقتة في دمشق لن تستطيع تلبية حاجات البلاد من النفط، كما أن الاقتصاد التركي لن يتمكن من دعم سوريا اقتصاديا، بسبب المشاكل العديدة التي يعاني منها. حيث قال معهد الإحصاء التركي يوم الجمعة إن الاقتصاد التركي انكمش بنسبة 0.2% على أساس ربع سنوي في الفترة من يوليو إلى سبتمبر. ويأتي ذلك بعد انخفاض بنفس القدر في الربع الثاني من العام، ما يؤكد أن الاقتصاد في حالة ركود. فيما لا يزال التضخم قويا، إذ بلغ 48.6% على أساس سنوي في أكتوبر. كما أكد المراقبون على أن الولايات المتحدة لن تسمح بتسليم المناطق الشمالية من سوريا التي يسيطر عليها الأكراد الموالون لها، الممثلين بقوات سوريا الديموقراطية (قسد) للحكومة في دمشق لأن هذه المناطق تعتبر الأغنى باحتياطي النفط السوري، الذي تستحوذ عليه واشنطن وتقوم بتهريبه بشكل منتظم من سوريا. في ظل ذلك، يتصاعد التوتر على الحدود الشمالية لسوريا، مع إبقاء الجيش التركي على حالة التأهب، وسط مطالب أنقرة بتفكيك "قسد" وضمان أمن حدودها. وترى تركيا أن ارتباط قسد بحزب العمال الكردستاني يمثل تهديدًا لأمنها القومي، فيما قال مسؤول بوزارة الدفاع التركية، إنه لا يوجد اتفاق لوقف إطلاق النار بين تركيا و"قسد"، على عكس إعلان أمريكي بشأن هذه المسألة.وسبق وأن التقى وفد أمريكي برئاسة باربرا ليف مساعدة وزير الخارجية لشؤون الشرق الأوسط القائد العام للإدارة الجديدة في سوريا أحمد الشرع في لقاء وُصف بـ"الإيجابي"، الأسبوع الفائت. فيما ناقش الوفد مع الإدارة السورية رفع العقوبات عن الشعب السوري ومن بينها قانون قيصر ورفع هيئة تحرير الشام من قوائم الإرهاب. وبحسب مصادر مقربة من الشرع، فإن الولايات المتحدة اقترحت إجراء مفاوضات بين الحكومة الإنتقالية الجديدة في سوريا وقسد، ملمحة إلى عدم مشاركة تركيا فيها.
وتحاول واشنطن الآن إستخدام ورقتين أساسييتين للضغط في سوريا أولهما النفط الواقع تحت يدها مع قوات قسد وثانيها رفع العقوبات عن سوريا وقيادتها الجديدة، بحسب المراقبين. حيث ستضمن قواتها توريد النفط ومحاصيل القمح والقطن السوري من الأراضي السورية الواقعة تحت سيطرتها الى الحكومة السورية ورفع العقوبات عنها مقابل إضعاف النفوذ التركي أو تحجيمه في البلاد.كما أنه ومع وصول الرئيس الأمريكي المنتخب دونالد ترامب الى السلطة مطلع العام المقبل فإن الولايات المتحدة يمكن أن تعطي ضمانة للحكومة السورية بعدم توغل إسرائيل في الأراضي السورية من الجنوب، وهو ما يشكل ورقة ضغط ثالثة بيدها. فمن المعروف بأن ترامب لن يوقف دعمه لإسرائيل، ولكن وبمقابل ضمان المصالح الأمريكية في سوريا ولإضعاف النفوذ التركي على دمشق يمكن أن يضغط على إسرائيل لتوقف تقدمها وقضمها المتزايد للأراضي السورية المستمر منذ لحظة إسقاط النظام البائد في البلاد.يُشار الى أن العلاقات الأمريكية التركية فيما يخص سوريا معقدة وغير ودية حيث يتم التلويح بفرض عقوبات على تركيا بذريعة حماية المعتقلات التي يقبع فيها عناصر تنظيم داعش الإرهابي والتي تسيطر عليها قسد. فقد قدم عضوا مجلس الشيوخ الأمريكي، الديمقراطي كريس فان هولن والجمهوري ليندسي جراهام "قانون مواجهة العدوان التركي لعام 2024" على أمل أن يدفع التهديد بالعقوبات الأطراف نحو وقف إطلاق النار. وقالا في بيان: "تهدف هذه العقوبات إلى منع المزيد من الهجمات التركية أو المدعومة من تركيا على قوات سوريا الديمقراطية، والتي تنذر بإعادة ظهور داعش (تنظيم الدولة الإسلامية) مما يهدد الأمن القومي للولايات المتحدة وبقية العالم".
وبهذا فإن المراقبون يشددون على توخي الحذر من قبل الإدارة الجديدة في سوريا وحكومتها بالتعاطي مع الأتراك والأمريكيين، فهناك صراع عميق بينهما على النفوذ في سوريا. والأكراد كالسوريين، ورقة يمكن اللعب بها حينما أمكن لدى هذه الأطراف، فيما أن الخاسر الأكبر سيكون الشعب السوري.وفيما تحاول الإدارة والحكومة السورية تلبية حاجات الشعب السوري من ماء وكهرباء ووقود وأغذية، والتفاوض من أجل الحفاظ على وحدة الأراضي السورية وأمنها وإستقرارها، يبقى السؤال المطروح عن مستقبل العلاقة بين أمريكا وتركيا في سوريا ومصير كل من الشمال والجنوب السوري.
المصدر :
محمد_صادق /كاتب وباحث في شؤون الشرق الأوسط
اكتب تعليق
كل الحقول التي عليها علامة (*) مطلوبة